Sun.. 18.Feb.2024
“نصيحتي هي: لاتكن خاصاً؛ ولا تكن فريداً ! أعد تحديد مقاييسك بطريقة عامة منتمية إلى هذا العالم. واختر ألا تقيس نفسك انطلاقًا من أنك نجم صاعد أو عبقري لم يكتشفه أحد بعد. واختر ألّا تقيس نفسك باعتبارك ضحية مسكينة أو فاشلاً تعيسًا. عليك بدلاً من ذلك كله أن تقيس نفسك وفق هويات أكثر انتماءً إلى العالم الواقعي: أنت طالب، أنت شريك، أنت صديق، أنت مبدع في مجال ما.”
دهشة السماء.. حُب الوالدين.. تغريد العصافير.. نماء الشجر سريعاً.. تبدّل الفصول.. اللوحة المتنقنةُ حتى تكتمل.. القصص الجيدّة.. اختيار الكلمات المناسبة في الكتابة.. ذوبان الشموع.. الشعرُ والأغنيات والموسيقى.. الحديث العميق الذي يشافي واقتراب كتفيّ الحبيبن وعناق يديهما بالتصاقٍ من البرد.. اجتهادات العلماءِ وعكوفُ الطلّاب في المكتبات.. نور الشروق الأوّل وذهبيّة الغروب الأخير.. وداعات الشقاء؛ كالجرعة الأخيرة من الدواء أو فكّ الجبيرة بعد طول عناءٍ أو وداع ألمِ العضلِ والبدء بالمتعةِ في التمارين..
التزام الإنسان ولزومهُ ما يُحب.. توريةُ الحبّ الداخليّ والدفاع عن المحبوبِ في العلن..
حُمرة الوجوه من الخجل، والأسمرُ في ملامحه الدقيقة.. الصوفُ والحائكين.. الخيّاطين وآلاتهم والنجّارين ودقّة جودة ما يُخرجون..
الخطاطون بكافّة اللغاتِ ما يحملون تاريخ الحرفِ وجمال القلم.. الخزفيات، الفسيفساء، وصناعة الرخامِ بشكلٍ عام..
المتاحف والمنحوتات وصنّاع الجمالِ حول هذا العالم؛ تلك أشياءُ تملأني..
أحياناً أتفكّر في داخلي؛ كم سيكفي من القصص العابرة التي تلمسني ما يجعلني أحسّ بنشوة الكتابة؟ والتقديم، والتفريغ بالفكرة..!
كم من الأفكار الجديدة التي سأتلقاها كلّ يوم ثم تبنيني من الداخل وتعدّلَ فيَّ ما آخذه على وجه اليقين حتى تُنتزع فأختبُر غيرها.. أيّ: متى سأكتُب عن قصةِ حملي وإجهاضي ومراعاتي وفقدي وكسبي وحياتي، إيجادي للحب وتورية ذاتيَ فيه، متى يا ترى سيكون الوقت المناسب لكلّ ذلك المنطقيّ والا منطقيّ أن يظهر..!
إنني يا صديقي أعزوا ذلك دائماً لرغبتي في الإمعان بدقّةٍ للحياة.. للإنصات لصوتِ الحكمةِ على شهوة البلوغ فبعضهم قد بلغ ثمّ وقع لأن الكلام سهلٌ أن نؤديه صعبٌ أن نتبنّاه والتحدي أن نعمل به.. أصبرُ لأنني لا أطلبُ حياةً كبيرةً إنما أسعى خلف الأشياء والأفكار والشخوص والكتب الحقيقية.. اولئك الجادّين في الطلبِ خلف المعنى الذين يمتلكون القوّة الكافية لخدشِ وهمِ السطوحِ ومجارورةِ الخوف ورهبة المعنى.. أنا يا صديقي لستُ كاملةً ولكنني أعرفُ كيف لكمال الحكمة أن يتجلّى، أستطيع أن أتبناها ولكنني لا أحاول المساومة لا عليها ولا عليّ، لأني في نهاية الأمرِ بشراً يحسّ ويخطئ ويتسرّع ويندم ويقاوم ويحاول.. إذاً أنا أحاول.. لذلك أفضّل البقاء في الصمت مع ما يعتملُ في دواخلي.. ولأن مصير البذور أن ترى النور.
صديقي العزيز..
كيف تحبّ أن تتجلّى، في الضعفِ أو في القوّة..! وما هو ذلك الذي يحبِسُك عن صفائك؟ أنا ياعزيزي ممن يخافون أن أكونَ ممن يحجبون شمسَ أحبتهم عن السطوع.. أحاول دائماً تجاوُز المتوقّعِ لما هو أبعد حتى أطمئنّ أن نفوسهم لنفسي صافية.. لا تغريني الاختلاطات العابرة أحتاج أن أتجاوز وَهمَ الادعائات لأن خُلاصة ما أعرفهُ بالحقيقةِ ثقيل، أكبر من أن أحجبه وأوسع من كفاية الأوقات الضيّقة وأعمقُ من عبور.. تكفيني جلسةٌ لساعات، اسئلةٌ بلا أجوبه، ضميرٌ حيّ عميق، وشخصٌ يفكّر ولا يُنظِّر وإنسانٌ أستطيع معه تبادُل الوضوح، لا زيفَ ما يريدني أن أشاهده وحجاب ما يظنّ أنني أريد سَماعه.. أحتاج علاقاتٍ بلا أقنعة..
وهنا أنا يا صديقي الآن شيئاً فشيئاً أنموا، أظهُرني، ولا أخاف مني.. أختار شخوصي بعناية، أكشفُ وجهي للحبّ وأغمُض الطرف عن المستقرّين في حياتي منذ بدئي.. أصعدُ كلّ يومٍ ولا أحاول سوى الرحمة ، طفلةٌ أنا يا صديقي لها، متربّعةٌ بفضل الله عليّ فيها.. الإعجاب بالآخر لم يعد يستطيع أن يسلبني من كياني، رائحة العودِ وبرودة غطاء وجه أمّي وحناءُ عمّتي والشعرُ المجعّد والذهب وغترة الوالدة ورمال الصحراء وتقشّف القوّة المخلوطةِ بحنان.. تلقائية الردود والتأكدُ من الذاتِ والنجديّ من الشعر النبطيّ والطُبول السامريّه.. لا يحول بيني وبين من أكون حائلٌ رغم اتّساع اهتماماتي وهذا مكسب.. على الشخصيّ كما على النفسيّ، أعرفُ إلى من أنتمي وإن كنت لا أتبناه بالضرورة.. لكن عروقي تهمّني جداً، لأعرفَ من خلالها ألوان الحياة وأشكالها..
صديقي العزيز..
ثّمة شيءٌ في الروح عزيز يشتغل ويتفاعل رغماً عن كُل الحُجب.. لكن التفضيلَ في الوضوحِ يزيل كلّ عقبات العُمق الذي لأجله أحبّ خياراتي ومن أجله أكتب إليك كلّ يومٍ حتى أسمع صوتي بالكلماتِ بعد طول هدوء يغتالني في الأيام..
وحتى ألقاك يا صديقي وتعانُق كفّ حقيقتي صفاء حقيقتك.. أرجوا أن تكون بخير.