لا يتشافى القلب حتى ينفتح، ولا ينفتح حتى يعترف، ولا يعترف حتى يغترف، ولا يطلب الاغتراف حتى يعي حجم ضعفهِ ونقصهِ وفراغه.. حينما نأتي من جانب الاحتياج نُحصّل، وحينما نأتي من جانب الضياعِ قد نلقى، ولكن وحده الكبرياء المقيت هو الذي يُخرج الكائن من الجنة والعبدَ من الرّحمة ويطرُد مجامع الشعورِ ويُحلّها على استعلاءٍ لا يليق بالإنسان.. ذلك أن الشعور بالضعفِ يا صديقي قوّة، ومن يتركهُ يترك إنسانيته على قارعةِ الطريق..

هناك تكون الأسماء حدود.. قُصر معرفتنا بالمشاعرِ حدود، ضلالنا أمام الاتساق في جميع تخبّطاتنا حدود، تعدد مرجعيّاتنا حدود.. اجبار ذواتنا على رواية قصةٍ لم تكتمل؛ يحدّها.. وعاقبة الحدودِ أنها تجعل تجربتنا أقصر وامتدادنا أكثر إنحساراً وشواطئنا ضيّقة ونفوسنا غير قابلةٍ للتمدد، وأنا ياصديقي أريد أن أجعل من صدري سماء.. كما كانت لي الحياة سَعةً وأفقاً وارتقاءً وسماء.. ولا أريد أن يحدَها الحسمُ أو تؤطرها المشاركة من حيث تملأني قصص الآخرين ولا أرى لمجراي سدوداً بعد..

الماءُ كائنٌ حيّ.. بل وينبضُ بالحياة، بل ولا يتوقّف.. ونحنُ من خلالِ الرواية نكونُ مع الماء جنباً إلى جنب في صيرورتنا الدائمة، ولكن ما يختلفُ عنا من الماءِ أنه يعرفُ طبيعته، يتصالحُ مع اختلافهِ ويعرُف تعدد منابعه.. جزءٌ منه صافٍ زلال وجزءٌ عذبٌ وبعضهُ مالح ولكن ذلك لا ينفي مائيّته.. سيولته.. ازرقاقهُ او اخضرارهُ أو شفافيّته..

لنا كما الماءِ كينونةُ أصلٍ وكلّ ما دونها لا يهمّ.. واحديّتنا أمام الأوصاف تبقى، ونحنُ ممن يضلّنا الكرب ويحدّنا الوصف وتأسرنا المشاعر.. حتمٌ علينا أن لا نعرفَ لاستهلالاتنا مدىً، أن نكون يوماً في الرطوبةِ ويوماً في السماءِ ويوماً في الغيمِ ويوماً في المطرِ وبعضاً في البحرِ أو لروايةِ البذور في عُمق اليابسة.. يوماً نكون البئر ويوماً نتسلّق الدلو على ملكٍ من العابرين علّنا نرقى بالرحمةِ كما صار ليُوسف.. البقاء لمن يعرُف طبيعةَ مجدهِ في حجم ضعفه..

صديقي العزيز.. 

سيكون لنا من الأقدارِ والأعمارِ والتجاربِ ما يكون.. ولكن العاقبة دائماً في حجم النماء والتوسّعِ والمدى.. وهذا ما يكون هو الأبقى.

أضف تعليق