أحياناً أحبّ أن يحاوطني الليل، كقطعةٍ منسيةٍ في الكون الفيسح من العدم رغم أنني أدمنت الضوء وشروق الشمسِ وجلالُ الصباحِ ومدى أرزاقهِ أجدني أتوضّأُ بالليلِ انشغالاتي في النهار وأعود لأتوب فأذوب وأفنى في عمق الصمت وعمق الفكرة..

صديقي العزيز..

هذا العالم جديرٌ برؤيتنا الواضحة.. لستُ أقول الظلم لستُ أتذكر السياسات والحروب والعدوان والمأساة، ولكنني أتذكّر القصص، مايجدرُ التقاطه، كيف يتعامل الناس مع مصاعبهم، كيف يرون أقدارهم، كيف يلومون واقعهم، كيف يرتّبون أحلامهم، وكيف يتصرّفون في دوّاماتهم الطويلة مع الحياة.. 

هذا العالم جديرٌ بأن نكون أوعى فيه بالحضورٍ مع القصة ومع الفكرة وأن نكون متمعّنين في أقصى اهتماماتنا.. يستحقُ اللحظيّ منا الانتباه، لأن الوقت سريع، وسيمضي..

صديقي العزيز..

حينما نجلسُ على سُفرةٍ واحدة.. ثمّة الكثير من الضجيج الداخليّ في نفوس أحبابنا، ضجيجٌ قد لا نعرفهُ ولا نصاحبه يوماً ولكنه ضجيجٌ موجود.. كلٌ في داخلِ نفسه يحملُ كلاماً لا يقوله وفكرةً خاصةً به وقصةً تجول وتدور في نفسه .. جميعنا على سفرةٍ واحدة ولكن جميعنا ينظرُ من زاويته الخاصة للوضعِ نظر المنطلقِ من واقعهِ الخاص، تصوّره الشخصيّ، وقصته التي يظلّ يحكيها لنفسه حتى لا ينسى..

تعلّمت اليوم أن للأفكار أزمنةً تكون بعيدةً عن الحال واللحظة، وأن القصص حتى تكون مركّبة؛ تحتاج لجميع الذكريات التي ليست بالضرورة تكون واقعيةً في وقتها وإنما قد يلعبُ فيها العقل لعبته ليخلّدها في جداره..  

حتى نكون أكثر وعياً في اللحظة؛ علينا أن نتعلّم كيف نشاهد ما مضى وما سيكون بعين الآن والحاضر، الآن الذي يحضرُ تماماً كما يكون من دون أحكام مسبقةٍ بالذكريات أو فضاءٍ مُثقلٍ بالتوقعات.. حاضرٌ فحسب.. وحتى نصل الى لحظاتنا بعد سفرٍ طويل في ماضينا أو الخوف من الحاضر، نحتاج أن نعيد على مسامع قلوبنا وعقولنا أن كما يكون لنا جزءٌ مفكّر فلنا جزءٌ شاهد.. شاهدٌ فحسب..

صديقي العزيز..

أنا ممن يريدون السلام.. لستُ راغبةً حقاً في تصليح أيّ شيء، وصلتُ لمرحلةٍ رضيت فيها هذا النقص وتقبّلت فيها ذلك الذي لا أستطيع تغييره.. في داخلي سكونٌ تجاه الأخطاء، لم أعد أنشد تلك المثالية التي من خلالها أتعب نفسي بالافتراضات، بل صرت أسأل نفسي إذاما كان سيكون كلّ شيءٍ بخير رغم كلّ هذا؟ وأجدُ دوماً أنه في حقيقة الحال والأمر، لطالما كنت بخير ، بأخطاءٍ من حولي أو من دونما خطأ.. هنالك متّسعٌ دائم لتصحيح الفكرة التي أتبناها.. أدوات العقلِ الخائف قد تساعدك على المدى القصير في تحريك كلّ الأفكار وتجريحها حتى تدعم موقفك، ولكن العمل على الآماد الأطولِ في النفسي يتطلّب صبر النحّاتين على قطعةٍ عصيّةٍ تعود حدّتها كلما أهملها..

في عُمق الرضى، في لحظاتنا الواحدة، في رؤيتنا الأوسع، سنكون يا حبيبي دائماً بخير.. حتى ألقاك أرجوا أن يتزامن دوماً زمنُ قلبك مع ثمن لحظتك، لتكون بخير..

أضف تعليق