Mon.. 18.Mar.2024
8.Ramadan.1445
“وقفتُ
وما وقفت سوى ببابِك
أحثُّ العينَ:
جودي في انسكابك
أقِرُّ بموبقاتي فيكَ، حتّى
أفِرّ إلى نعيمك..من عذابك
أعوذُ بنورِ وجهكَ من ظلامِي
ومن طردِ الدّخيلِ على جنابك
ومن رَدِّي -وعَدْلٌ منكَ رَدِّي-
ومِن ضيقِ المقامِ لدى رِحابِك.”
رحابك يالله في هذا الكون واسعة.. جودُك محسوس، لا يُرى ولكنه في كلّ مكان.. صوتكَ عنّا مخفيّ ولكننا نسمعه في دهشة الكائنات وفي رحمة الوالدين وفي سكون أنفسنا.. مشهدُك سبحانك عنّا محجوبٌ ولكننا نراك في بديعِ ما خلقت؛ في الجمالِ والدِفقِ والتنفّسِ والمطرَ والخَلق والحُسنَ والربيع والسماء وألوان السماءِ وفي النجومِ والقمر.. نعلمُ أنك أكبَر، هذا الإدراك بوجودك اللحظيّ على أدقّ أفكارنا وحضورك الجليلُ في همسنا وبصيرتك التي تشقُّ على نفوسنا أبواب مخاوفها تجعلنا ندركُ أننا مُصطفين، فمن غير البشرِ جعلت لنا بُعداً بيننا وبيننا نشاهد للعالم من خلاله.. نظراً نُدرك أننا نلبسه، أنه يلبسنا.. أننا على هذا الوجودِ لسنا أسياد ضعفنا بل عبيد قوّتك.. أن ناصيتنا، تلك التي في طبيعةِ البشرِ تُقادُ كما القطيع حينما تكون لك تكونُ هي الراعي الذي يُجري قطيع الأفكارِ لمُصيّرها.. معكَ وحينما أهشُّ قطيع أفكاري لبابك تتكاثرُ في سبيلك وتهنأ وتشبعَ وتعيش.. مدايَ يا إلهي طيلة الأيام أخضر، ليس لأنني الربيعُ بذاتي بل لأنني أعبدك.. رباً رحيماً رازقاً يجودُ ويمُدّ..
أتذكّر أشياء قديمة.. تفاصيل لا أعلم لماذا لا تزال عن بالي رغم بساطتها، مثلاً كان للحوشِ القديم رائحة، وكان للمدرسةِ القديمِة حارسٌ جيبه مشقوق وكان في المدرسة الأولى عتبةٌ في الدرجِ أعلى من غيرها تؤلمني كلّما استعجال، وكان في بيتنا القديم حوضَ سمك، وفي بيت خالتي حوضُ سمكٍ أظلّ أراقبهُ وأتذكر رائحة الأسماك ورائحة الأكل المخصوص لها، اتذكر تصفيفة شعر الأستاذات ، أتذكرُ أنني كنت أحبّ مسح السبورةِ بعد كلّ حصة، وكأنني أريد أن أحتفظ بالعلوم لنفسي، أتذكر في المدرسة الإبتدائية أنه قد كان لدينا فسحةٌ بعد الدرسِ الخامسِ كان اسمها فُسحة الحليب ، الجميع يأتي بحليبه من البيت ويشربهُ في فسحة الحليب..
أتذكر الطبخة الأولى في المدرسة والحصة الأخيرة في الدرس الأخيرِ من العام الأخير وطاولات الزميلات وأسمائهنّ وأماكن جلوسهن وكأن مكانهنّ في الصفِ كان يرتبطُ بشخصياتِ كُلٍ منهن..
هذه الأشياء الصغيرة، وتلك الأشياء الكبيرة التي تعبّئُ ذاكرتي أجدني أتمسّك بها.. أحياناً تتدحرجُ على ذاكرتي من دونما استدعاء، هكذا تأتي كصورة وتأتي كمشهد.. بعضها يجعلني أبتسم وبعضها يجعلني أمتعض ولكنها ذكريات.. جميعها ذكريات قديمة، فلماذا نتذكّر..!
أما على جانب الأفكار فأتذكّر أنني قد قلت لأخي الكبير يوماً في مراهقتي أنني أحسّ أن فكري وقلبي يتقولبانِ حسبما أقرأ، وكأنني في الكتابِ أكون أنا من كتبهُ من شدةِ اندهاشي وتلمَذتي خلف أيما كان، كان يكفيني أن أفتح الكتاب لأنظُر من زاوية المؤلّف أيما يريد قوله لي وأتذكر أنه قد قال لي، حينما تبلغين في نفسكِ مبلغاً من الثقةِ والمعرفةِ وتختارين طريق فكركِ من هذه الحياة، ستبدأين معرفة النقد الواعي للمدخلاتِ على عقلك الكبير.. حينها، كان يقول لي، سيكون عندكِ مصفاةً تشاهدين منها لجميع ما تتخذينه من رؤى وكتابات وعلوم، ومصفاتك ستكون هي ذاتها نظارتك ووجهةُ نظركِ من العالم الخاصةِ بك..
وبالأمس كنت أقرأ كتاباً ما.. ورغم أن بعضه أدهشني إلا أنني وجدتُ في رأسي صوتاً يعارض وآخرُ يُصحح وثانٍ لايقبل ورابعٌ يعيدُ بعض الجُملِ في طرب.. كان بعضي طروباً وبعضي ناقداً وبعضي معارضاً وبعضي مصححاً للفكرة ! وعلمتُ من خلال تلك الأصوات أن مصفاتي قد حلّت منذ زمن! وأن الذي يعجبني لم يعد شرطاً أن أتقبّله بكُله والعكس، أن ما أكرهه ليس شرطاً أن أردّهُ كلّه.. ابتسمت في داخلي لأنني تذكّرت كلاماً قد قالهُ أخي وربما نساه قبل ما يقارب العشر سنوات.. أتذكر أنني سمعت أو قرأت يوماً ما يقول، النضج هو أن تكون مرتاحاً بالجلوس مع فكرةٍ لا تقبلها..
كلّما تطلّعت أو شرعتُ في حلمٍ جديد أو أمل .. أحب أن أرجع قليلاً للوراء وأتأمّل في نفسي أو أستكينُ لها وأستشفّ منها إذاما كان يُرضيها الطريق.. لا أستطيع القول أن الأبواب دائماً ما كانت مفتّحة والأجوبة دائماً تأتي كما شمس ولكنني أحبّ دائماً إدراك وجود النوافذ والحلول والرحمة.. والتأكيد على نفسي أن كلّ الذي كان، والطريق الذي ظننتُ أنني اخترتهُ قد كان مُقدراً ومُختاراً من قبلي.. فأتواضع، وأحبّ الحياة أكثر.. لأن الحكمة لا تأتي من الإختيار المَحض بل بالتسليم الخالص لله..
اللهمّ بك آمنت وعليك توكّلت أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين.