Wed.. 20.Mar.2024
10.Ramadan.1445
“يحتاج الإنسان إلى إنسان بسيط مثله، طبيعي إلى أقرب درجة، عاديّ لا يملك قلباً ثانياً ولا يداً ثالثة، خفيف الروح، خفيف الظل ثقيل الحضور، ثقيل الوجود، يعرف متى يلين وكيف يلين، يخفض جناحه حين تنقطع الأيادي، يطيل النظر حين يغض الآخرون أطرافهم، ويبوح حين يسكت الجميع.”
لا وجود في الانعطافات السريعة دليلٌ إلى الحكمة، هنالك تجربةٌ كاملة وطريق طويل علينا أن نعيشه قبل أن تزورنا أواصرها ونحتمي بقربها، في الكلام الجميع قادرٌ على تبنّيها إنما وحدها الممارسات ما تكون كاشفة..
صديقي العزيز..
ماذا يعني أن تفتح لك الحياة أثوابها؟
يعني أن تكون على وجلٍ دائم ليس فيه من غفلةٍ عن الانتباه بين ما تتلمسه وبين ما تقتنيه، ما ترتضيه وما تتبنّاه، بين المدّ في عطائك والجزر في الطمع، بين انغماسك وأولوياتك، وبين الرحمة والنور…
لطالما تسائلت، هل كان مصباحي كاشفاً للطريق الصحيح..؟ وهل وجّهتُ نفسي في أفكاري للمكان المناسبِ وسلّطت عليها ضوءً مقبولاً قبل المشي إليها وعليها، قبل أن تكتسحني رحمتها؟
وكما صحراءٍ يباب.. تجتاحني الرياح وتسافرُ على أرضي العوالقُ وتتشبّثُ بعض الأشياء على سطحي ولكنها لا تتمسّك، المدى كبير..
تمضي فيّ القوافل، بعضها طويلٌ وبعضها قصير.. آمادٌ مؤرقةٌ ولكنني أسمرُ بالليل وأتعايش مع فضولي تجاه الصفاء، ذلك الصفاء الذي يظلّ حلمي في عُمق العاصفة التي تعيدُ بعد حلولها ترتيب ترابي، وكأنه لم يُمسّ.. ذلك التجدد، بل ولطفُ البداية من جديد هو أملي؛ بطولهُ وحقيقتهُ ورحمة وجوده.
لعلّي أتهرّبُ من ملامسة الواقع، وكم كنت أطير مع الريح التي تهوي عليّ.. أحبّ فكرة الاوجود أكثر من فكرة العيش، ويستهويني السفرُ أكثر مما يغريني الانغماس، وكأنني أريد أن أكون غمامةً وظلّاً وأخشى أن أتنزّل للمطر، لأن ذلك الانحباس بالغيم يكون فيه خيالي..
هذه الدنيا حجاب.. وشاحٌ تغطّي فاه البدويّ، إجراءٌ لا بُدّ من سلوكهِ حتى يتنفّس، حتى يصل من سفرٍ الى آخر، حتى يضعه…
لا شيء يا صغيري يبدوا كبيراً إلا اذاما انتبهنا إليه ووسّعنا ضيق عبارته وركّزنا طاقتنا عليه، في حقيقة الأمر تبدوا الحياة أسهلُ بكثيرٍ مما نعتقد ببؤسه، وأصغرُ بكثيرٍ مما نُرعي لها من اهتمام.. حينما اطمئنُ نفسي أذكّرها بكلّ الذي قد كان لي يوماً همّا ثقيلاً فتركته ثمّ تلاشت أهميّته، ما يؤكد لي أن لاشيء يبقى على ذات حجمه، وأن بوسع الأمور أن تصغُر إذاما نظرنا لربٍ كبير يسمعُ ويعطي ويكرمُ ويحلّ جميع العُقد، كان ذلك في ذواتنا أو فيما يكون..
الخروج كلّ يومٍ للحياة بتلك الصياغة تملئني ثقةً أن القادم سيكون أحلى وأطيب.. وأن حبل الله من روحي قريب، بل وأن صحرائي ما هي إلا نوعٌ من طبيعةِ علاقةٍ بالسماء كونها أمدٌ ممتدٌ بالصفاء، وأنا واحدة..
سأكون بخيرٍ حتى لو بقى مني الطَلل.