Thus.. 21.Mar.2024
11.Ramadan.1445
“السيطرة على جيوش مشاعرك المتقلبة والمتوترة والحائرة والهشّه والمتردده والعنيدة والتائهة أفضل من السيطرة على جيوش العالم بأكملها.”
عن النهوض من السرير واستقبال الأيام..
يكون أحياناً عملاً بطوليّاً، حال الاستيقاظِ على همّ
احياناً يكون خفيفاً.. سريعاً، لأنك تنتظرُ لحظةً تكون فيما بعدها ليومٍ سعيد،
احياناً يكون أماناً، هروباً من حلمٍ مزعج إلى واقعٍ يحتضنك..
احياناً يكون الفعلُ في حدّ ذاته خوف، حال الاستيقاظ على واقع لا تريد مواجهته..
النهوض من السرير يعني أوّل يوم، يعني اختيار أفكارك التي تهجمُ مباشرةً لتُذكّرك، يعني أنك أعطيت يوماً جديداً للعبادةِ والذكر وأن تحاول من جديد أن تكون أصلحَ من أمسِك.. يومٌ لتتوب فيه، يومٌ لتكون فيه، يومٌ لتختبر فيه وجودك هذا الذي ظلّ يدهشك.. لحظةٌ أولى، قد تبتسمُ بعد الرجوع روحك، قد تنكمشُ بعد النهوض ملامحك، لا يهمّ بالتحديد ما تشعر الأهمّ هو ذلك الوعيُ الذي ستشاهدُ من خلاله مشاعرك.. ستضحكُ على نفسك أو ستواسيها وستحرر قصّتك أم ستمحوها وتبدأ من جديدٍ على ساحةِ لعبةٍ ومفاوضات بشروطٍ أقلّ حدّة،
فحتى نستكين لن نقمع الصوت ولكننا سنتصالح معه،
وحتى نرضى لن نغيّر الأقدار ولكننا سنتقبّلها،
وحتى نستقيم لن نؤشّر على ندباتِ ذنوبنا بل سنزيدُ من طاعاتنا طمعاً بأن يأذن الله يوماً لإيماننا أن يجعل لنا من الذنب خشية،
وحتى نشعر بالسعادةِ سنرتّب لها مكاناً في نفوسنا، ليس بالضرورةِ أن نبتعد..
استيقاظةٌ واحدة، مسافةٌ قصيرة تختارُ من خلالها أن يكون يومك شقيٌّ أو سعيد.. ها أنت بصحّتك من جديدٍ تساومك الحياة لتعدّل ميلك، فهل ستقوم..؟
صديقي العزيز..
تعلّمتُ بالأمسِ من استاذتي أناهيد السميري في درسٍ كانت خصصته لشرحِ كيف يكون الصوم مقصداً لرقة القلب، قالت في مستوى الفكرةِ لا مستوى الحديث: “إن الاكتفاء للإنسان قرار.. النفس لم تُخلق لتخدمك بل لتكون وكيلها وتجاهدها.. ولانها لا تشبعُ من كلِّ طموحٍ إلى طموحٍ بعده، فالشبعُ قرار.. والاكتفاءُ قرار، وأن توقفَ أحلامك على أعتاب أيامكَ وتسقرّ فيما لديها يكون قراراً وعزماً من عندك..!”
هل فكّرت يوماً يا صديقي أن هذا الذي تعيشه هو كلّ كل شيء وما سيكون وما هنا؟ وهل فكرت أن هذا ال”كلّ شيء” الذي تراهُ بكل أفكارك التي تشعرُ أنها تريد تغييره، انه أحسن ما يكون لك، بغض النظرِ عمّا تشعر تجاهه.. ماذا لو كان الحال هو الأسلمُ رغم ظلمه، والأنسب رغم رتابتهِ والأصوَب رغم عينك الناقده؟ هل هل فكّرت يوماً بأن الاكتفاء بحياتك قرار.. لتبدأ صناعة موقفكَ فيها من العالم..؟
أعتقدُ يا عزيزي بأننا نحنُ ممن نظلّ ندور حول أنفسنا محاولين اكتشاف ظهورنا، ظناً منا أن رؤية ما لم نراهُ من قبل سيكون بوابةَ رضانا.. ولكن تبقى تلك الدوّامة غير مجدية، أتعلَمُ في عمري الآن أننا حينما نعرفُ جزئنا الذي نلتفت إليه ونمشي وهو في الأمام، كصدورنا، كم يكون هذا اختصاراً للوقتِ والجهدِ في محاولتنا المستميتةِ لمعرفة أنفسنا..؟ نعم، نحنُ ممن يغرينا التوسّع، وأعتقد جميع البشر، يظنون أنهم كلّما شاهدوا في الاختلافِ وأمعنوا في العجائبِ توسعوا، ولكن ماذا عن دهشةِ التكرارِ ومعرفةِ بواطن الأسرارِ في أمورٍ ظننت أنك اعتدتها..!
ثمّة إلفةٌ يا صديقي تأتي مع شعورنا بالاكتفاء.. كأننا نقول للنفسِ أنك جديرةٌ بالآن.. وكأنما نعادها أن نحملها كاملةً لترضى.. احساسنا الفطريّ بالتأقلمِ سيفرضُ فيما بعد على أركاننا السكون وفي خواطرنا الرضى والفرح.. سنكونُ بخير.