Fri.. 22.Mar.2024
12.Ramadan.1445
“أعرفكِ حنونة ودافئة، أعرف أن بإمكان عصفورٍ صغير وخائف، أن ينام بالقربِ منك وليس في قلبه مسٌّ من الخوف لأنكِ بجانبه. وأعرف أن خطواتكِ التي تعبرين بها شوارع المدينة، تعبر عليها أيضاً القطط الصغيرة لتعود إلى بيتها سالمة. أعرفكِ، كما يعرفكِ أطفال الحيّ، وطيورُ الحيّ وحقل الورد الذي ينتظركِ كلّ يومٍ كي تعبري من خلاله. كنتُ لا أعرف وصف الأشياء، ولا كتابةِ كلماتٍ لائقة بهذا الشكل، حتى عرفتكِ تغيّر كلّ شيء. ورغم ذلك، يحوّلني ما أريد كتابتهُ عنكِ إلى كاتبٍ رديء، لكنني أكتب. أكتب عنكِ أشياء لا يعرفها غيري، أقول للناس أنتِ جميلة، وحقيقية، وأن طريقكِ في الكلام، ونظرتكِ للأشياء، وضحكتكِ، كلها أمور تجعل من فكرة أن يقع المرء في الحبّ هي فكرةٌ طيّبة تماماً.”
-ياسر نضال.
في أحيان كثيرة، تنقلني الكتابة من عالمي المحسوس إلى عالم طوباوي فيه يتحدّث الناس كلام الأفكار ويعنيهُم هاجس الحقيقة والمحبّة والمعنى، أحبّه وأغرقُ في نقاشات عقلي معه، في حين يبدوا لي حقيقيّاً أكثر من المحسوسات من حولي .. الكتابة تُفتح لي الأبواب وتجعلني أتعرّف على نفسي وعلى سكّان مدينة قلبي وعلى أسفاري الطويلة في محاولة اقتناصِ قصةٍ صنعتها وشكّلتها وبنيتها وختمتها في خيالي.. وقد قيل على سبيل الشعور :”ليس لأن الأشياء صعبة نحن لا نجازف، غير أن الأشياء تكون صعبة حين لا نجازف.”
والكتابةُ مجازفةٌ ومكاشفة، من خلالها أشهدُ على ضعفِ نفسي وطمعها وكبريائها وإيمانها وصدقها وهزلها وكذبها وطيبها وخبثها الخفيّ، أتعرّف على ماورائيات الكلام، نعم الكتابةُ كلمات ولكنها حقيقةً تنشأُ في صمت ويتمُّ تلقّيها في صمت مما يجعلها كاشفةً لما وراء الكلامِ وخلف الصمت..
ثمّة زوايا في بيتي أريد أن أسلّط عليها ضوء كلماتي، ثمّة ما يكون مخبّأً بالروح تحت العتم، ووحدها الكتابةُ من تنقلهُ للنور..
ثمّة خواطرٌ أريد أن أبديها لأحبتي، الكتابةُ تجعل من ممارستها ممارسة صادقة..
حينما ألقاك، قد أكون سيّدةُ الكلام.. سأعطيك في مساحةِ الذي ترغبه كلّ الذي تحبّ سماعه.. قد تظنّ بمعرفتي لمجرّد أنني قد سكبت عليك من بئر الكلامِ رواءً واستطعت تحويل وتحوير الأفكار في المساحةِ من أمامك..
ولكن الحال مع الكتابةِ مختلف: في القلمِ شعور أمانةٍ يفوق زلّات اللسان، تستطيع دائماً أن تمسح، وتجوّد تعبير الإيضاح وتنقّح المجاز وتخلو بالفكرة.. مع اللسان تكون الكلمات غزيرة، تريد أن تنهمل، لا يهمّها التركيب، لا تخشى الخطأ، سريعةً تُشبه عقلك السريع..
ولكنّ القلم معلّم حكيم، حين تكتبُ حشواً سينبّهك أنك تضيع الوقت، وحين تكتبُ جميلاً سيجعلك تشعر بأنك فعلت شيئاً قيّماً للذكرى، سيجلّي لك ما تستطيع مشاهدته، وبذاك: ستكون في مواجهةٍ مع فكرتك من حيث لا تكون الكتابةُ كلماتٍ فحسب، بل هي نفسك في مرآة تعكسك على هيئةِ تشكيل، تنغمُس فيها، تُمضي من خلال الكتابةِ جميع الصور التي مرّت عليك اليوم والمشاعر التي لامستها في الملامح والقصص الطويلةِ التي ظللت فيها بين عقلك وبين محدّثيك حتى أتقنت استماع قصصهم.. فكتبت عن إيماءاتها..
الفنّ البصريّ في الرسم يأتي بالواقعيّ أو بالتشكيل وقد يُرسمُ كظلالِ محجوب.. نعم، الكلام هو الإيماء والقلمُ هو التصريح..
صدق من قال أن في بعض الكتابات أسفار، وجوازات سفر.. ليس لأن الكلمات قد تحملُ صاحبها لأبعد مكانٍ من الأرض فحسب، بل لأن بعض الكتبُ تسافر فيك.. تكون من خلالها تقرأ في صمت عزلتك، ولكنك يوماً في كوبا ويوماً في لبنان ويوماً في الشمال الأستراليّ أو في الهند، لا تعلم ماذا وكيف سيكون سفرُك القادم ولكنك مع الكتب تكون دائماً على سفر، عابر سبيلٍ تغريه المتعةُ ولا يحجبُ عنه المُطلق أُفق الأسفار..
الحياة محطّة عبور، هذا ما جعلني أمسك قلمي في بداية العشرين لأتعرف عليّ ، وها أنا في ختامها أعرفُ عني القليل مما ابتدأتُ به كثيري.. مع قلمي لن تجد المعنى ولكنّك ستجدُ الرحلة إليه.. احاول أن أستعدّ دائماً بالأدوات، أشحذُ خريطة رؤيتي وأطيل مسافة النظر والتحديق وأتوكأ عصاي من الخوف.. ولطالما وجدتُ فيها ما كان ضائعاً مني وارتويتُ من واحاتها بعد عطش..
مشواري سفر، وسفري مشوارٌ أنت فيه.. وعالمي الطوباويّ موجود ليس لأني أشعلُ أنوارهُ كلّ يوم، بل لأنك تقرأه، لأن دافعاً ما فيك رغب بقراءته وأقبَل.
فأهلًا بعبورك، وشكراً لقراءتك، ومرحباً بك في عامٍ وعالمٍ جديد.