Fri.. 29.Mar.2024
19.Ramadan.1445
“لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين.”
لم أبتغي يوماً الكتابة لتعبئة الفراغ.. أردت أن أكتب أيامي ومشاعري الحقيقية، رغبت أن أقبضَ على تفاصيل السنين قبل أن تتسرّب مني، أن أحفظ ما كان وما قد يكون.. لستُ مفاخرةً بجميع أفكاري ولكنني أردتُ حبس بعضها في عُلبة الزمن وهذا الوقت الذي يكون كأنما يدور ويرقصُ من حولي ويتشابك.. الشبكة التي من خلالها ندرك سرّ الصبرِ حينما يقودنا إلى فضل.. الإدراك الذي عن طريقهِ نجعلُ من الأيام قصصاً ونستخرجُ منها العِبرة ونتقرّب من خلال التكرار إلى ذواتنا أكثر..
ذواتنا.. نفوسنا.. إدراكنا ومحبتنا.. لطالما شعرتُ أنني بحاجةٍ لأتذكّر، حتى أكون في اليوميّ واثقةً ممن أكون.. أتذكّر ماتجاوزته، ما هي ذكرياتي، من هم أجدادي، من هي عائلتي ومن أيّ رحمٍ بالتفكير والفكرة قد خرجت، وإلى أين من خلال تجاربي سيكون مئالي..
أستطيع أن أخبرك أن رأسي من التفكير لا يتوقّف، ولست في انزعاجٍ من حجم تلك الأفكار المتداخلة والضاربة أحياناً في عُمق الذاكرة، هنالك أصواتٌ لم ألدها من رحم إيماني ولكنها متبنّاة من تخوم من يكونون حولي، بقصصهم وتعقيداتهم ومغازيهم.. لستُ أحاول الاستماع لها، أسألُ نفسي أن تميّزها، ولا تدخل في جدالها لأنها تظل غير طبيعية..
أحبّ أن أتبنّى ما يخدمني.. الحياة يا صديقي طويلة، وشاقّةٌ على من لا يستطيع الحسم فيها من خلال معرفته للذات.. حبه لها، وتسييرها كما النهرِ المنساب من خلال الطين والسدود والمناجل إلى ما بوسعهِ أن يباركها.. يقولون أن الانفتاح حريةٌ مطلقه، وأشعر أن الإطلاق في فعل ما نريد يساوي الشَعث..
خبيثون وطيّبون.. منساقون وأحراراً، صالحون وغير صالحين.. أبناءً وبناتً، وآباءً وأمهات.. حينما أفكّر، للجميع تكون هذه تجربة الحياة الأولى . وللجميع يكون في هذه الأولى مبتغى، أن نُرى، أن نُحِب، أن نُحَب. ولقد استمعتُ تمثيلاً بالأمسِ رحيماً لذات الفكرة في وثائقيّ عن شاب قرر أن يترك سُبل التواصل الإلكترونيّ وأن يصوّر العابرين ويمتهنُ حديث الشوارع، كان يقول:
“أتخيّل هذا العالم كسفينة في الأفق، وحينما ترسوا السفينة عليك القيام بمهمّة سحبها إلى الداخل .. هذه السفينة مليئة بكل الأشياء البديعة التي نطمح لها في هذا العالم، اللطف، الحب، الرحمة.. جميعنا نريدها ولكن بعضنا يشعر بأنها بعيدة المنال، لا يعتقد بأن الأمر يستحق لجلبها.. لكن كلما ساهمنا أكثر في تقريبها وشدّها سوياً كلما أسرعت بالوصول.. لذا حينما يراك الناس تقوم بذلك العمل يعتقدون بأن عليهم مساعدتك بطرق هم يعرفونها ، هي ليست عملية سهلة، هنالك جهد لذلك هنالك عمل من أجلها أحياناً يتمزق جلدك من السحب مثلاً وقد تبدأ الأمواج بالارتطام أكثر قليلاً كلما اقتربت من الشاطئ، لكنني أؤمن أننا سنصل إلى هناك.. ربما ليس بشريط حياتي ولكنني سأسحب بقدر ما يمكنني ، كما هو الحال بالنسبة لك. الأمر مجرد عبارة بهذا العالم الجديد.”
هل نعيش يا صديقي حسب القيم التي نحب؟ هل نحن نستيقظ كلّ يوم ونقدّم الأفضل مما استطعناه بالأمس، وهل نشعر بالاستقرار في هذا العالم السريع الذي يلحّ على تطوّرك باستمرار..؟
لستُ طامعةً بالتحوّل ولكنني جارةٌ للمعرفة، والعلم.. ولستُ أمتهنُ السفر لأعرف الآخرين ولكنني أؤمن بتزيين المكان والرضا بالنشوء فيه والتذكّر، التذكّر دائماً لأننا من خلال القصص الماضية نعرفُ وندرك أين نتوقّف ..
حتى ألقاك يا صديقي، ونفتحُ دفاتر الأيام ومواطن التذكّر.. لن يهمني إذاما كنا صغاراً بسذاجة الحب أم كباراً فيما بعد الأربعين وبلوغ الشكر، سيهمّني أن تكون أرواحنا في المكان الذي نكون فيه حاضرة.. سنجلس في طاولةٍ من الصدق ونتبادل ماآلت إليه حيواتنا ، قد يشاركنا بعضٌ من صغارنا وقد لا يعرف أزواجنا عنا أيّ شيء.. إنما قصّتنا، ستكون مكتملةً بالعلم والمعرفة والذاكرة..
أحبك جداً…