Sun.. 31.Mar.2024
21.Ramadan.1445
“بهذا القلب رأيتُني كلَّما كبرتُ صغُرَت الدنيا في عينيَّ، و كلَّما تقدَّمتُ دانيتُ أطرافها العليا فأصبحتُ أشعر حقٍّا أن هذا العمر إنما هو سُلَّم إلى السماء لا إلى غيرها؛ و من هذا القلب اعتادت بعضُ سُفُن الأقدار أن تجد فيه حلقة ثابتة متينة تشدُّ إليها حبالها إذا هي أرست على شاطئ الدهر بأحمالها، فالناس يتناولون منها خِفَافا و ثِقَالا، و لكن الحلقة المعذبة لا عمل لها إلا أن تهتز و ترتجَّ من الألم و الشدَّة و العنف.
و في هذا القلب أعرف موضعَ كل شيء إلَّا نفسي، فما أدري أهو من الضَّعة بحيث صارت فوق أن تنزل فيه، أم هو من السموّ بحيث صار نفسًا وحدها؟ و لكنَّه على الحالين أشقاني بهذه النفس و طوَّح بي و بها في مَهَاوي الأحزان إلى قرار بعيد.”
-الرافعى
كلّما كبرت تعلّمت كيف تستكين أمام المجهولِ وترضى بالخفيّ ولا تنازع الأمور حتى تعلم ما تحتها.. النضج يعني أن تعلم أنك لا تعلم ولكنك متزنٌ أمام جهلك، لا تردّه رغبةً في تعبئة فجوة ثقةٍ بينك وبينك ولست تقصد العِلم حتى تقوّي حجة لسانك.. سيكون سعيك منك إليك وإلى أشياء أسمى وبنوايا عليّه، لستَ تنظرُ للأمور من فوقها بقلق ولستَ تعوم حتى تصل لغايةٍ ما.. ستتحرّك حتى ولو لم تعرف كم بقي عليك وما هو مدى أُفق ذلك البحر.. تعومُ من أجل العومِ أما الإدراك فسيأتي كمحصّلةٍ تعينك في الطريق.. تصالحك مع ضعفك هو محطة انطلاق.. اهدأ، لن نحيطَ بكلّ شيءٍ علما..
التقدّم في العُمر يجعلك لا تأسى على ما كان ولن تحاول تصحيح كلّ ما يحيط بك.. سترى أن النظر بعين الشُكر آملُ في تحقيق الرضى من عين الامتعاض والتصحيح والمقارنة..
التقدّم في العُمر يجعل لك هدفاً واحداً في الحياة.. وهو أن تعرف أن المَقصدَ فينا يؤدي إلى أركانك بالثبات وقلبك بالسكينة وروحك بالقرار.. ثمّة انطلاقةٌ تأتي من رغبة التوكيد على أننا رائعون حينما كنا في الصغرِ وكأنما نحاول القول أننا جديرون بالحب.. ولكن الذي تقابله حينما تكبر أن المشاعر الرقيقة جداً خفيفة وهادئةٌ جداً لا تحتاج لكثيف الأفعال حتى تظهر بل هي منك وفيك وعليك أن تنصت.. أن تهدأ فحسب
ثمّةَ جسورٌ من الوصل معكَ يا إلهي .. خيوطٌ رفيعةٌ وأوقاتٌ مباركةٌ وسماوات عالية .. ثمّة قراءةٌ ماتعةٌ خلف سطور الأقدار.. أراك فيها وأرتفعُ من خلالها عمّا سواك.. ما أعظمك..
يا رب..
ألهمنا الرُشدَ في ساعات الفزعِ واجعلنا في أسمائك آمنينَ مُطمئنّين غير آبهين بصعوبةِ الحال ولا فداحة الأخطاء.. سَرّي فينا توكّلنا عليك حتى نغدوا من بحور الهموم آمنين.. ومعكَ أقوى..
يا رب..
احتوي شتات هذا القلب واجعلهُ من السائرين خلف مايرضيك، حبِب إليه مواطن رحمتك ونفّرهُ من مواطن عصيانك ولا تجعل له قياماً وحركةً وأُنساً إلا في قربك ووصلك وطاعتك ودربٍ يرضيك عنّا..
يا رب..
عظّم في نفسي أموراً تحبّها وأبعد عني مايضرّني ولا ينفعني وآمن خوفي باسمك الكبير ووضّح لي حجم الأشياء كما تكون لا كما تبدوا وألهمني الصبر في المصاعب والحكمة في المصائب والكلمة الطيّبة في توصيل الأفكار وتوضيح الحال وتفسير الأمور..
يا رب..
واجعلنا نصغي لحجم الأصوات الوفيّةِ في دواخلنا تلك التي توجّهنا للرحمةِ منك والحكمةِ والثبات على الأمر.. اجعلنا منها في قرب وبلّغنا من الرؤيةِ غايةً واسعة تقودنا إليك..
يا رب..
ألهمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدنا علمناً واستقنا من نور فضلكِ ما يضيءُ لنا طمأنينة الطريق وآتنا نفوساً تلهجُ بالذكر وتديم الشكر ولا تستغني بجحودٍ عن أمرك وارزقنا البصيرة على الحال والمراحلِ والأمر..
سنعوم يا صديقي ونعوم.. سيظهرُ لنا شاطئنا ولو بعد حين.. سنحاول ونقاوم ونرتجي ونؤمّل.. سيكون الأمل سبيلنا للوصول واليقين هو زادنا في الطريق.. وسنكون بخير.