Mon.. 1.Apr.2024
22.Ramadan.1445
“إني كلّما انفردتُ بنفسي، فتجرأت على درسها والتغلغلِ في أعماقها، بدت لي أرحبَ وأعجب. فما هذا المخلوق الذي يحويه جسمٌ صغير لا يشغل من الكون إلا فراغاً ضيقاً كالذي يشغلهُ صندوقٌ أو كرسي … ويحوي هو (المكان) كلّه، ويشمل (الزمان) وينتقلُ من الأزلِ إلى الأبدِ في لحظة، وينتظم (الوجود) كلّه بفكرة، وتكاد الحياة نفسها تضلّ في أغواره؟”
-من حديث النفس- علي الطنطاوي.
من هم أوّل حضورك على مسرح الكلام..! على مسرح الفكرة الحاضرة؟ من هم اولئك الذين جرّؤوا فيك فكرةً ناشزةً عن أخواتها وجعلوك من خلال الصوت أبقى وأقوى؟ هل تتذكّر كتاباتك الأولى، أفكارك التي جائت من حبل الليلِ والعمقِ وشقّت طريقها حتى لسانك بينهم، قلتها ولم تستحي من محضِ إنسانيتك الخالصة حينما فُتح الستار أمامها ، وكانت في نقصها وطعجاتها الواضحة فنّاً من خلال الأسئلة التي عززوها وأثاروا فيك واقعها لتنتقل من الخجلِ إلى الفكرِ فالتحليل والممارسة..؟
نحن مدينون لأولئك الذين استمعوا لنا حينما كانت كلماتنا تأتي من الخاطرِ بلا تنقيح.. الذين هذّبوا كلماتنا من خلال صمتهم وجعلونا من خلال الإنصات نسمع أصوات أنفسنا وكلماتنا.. المرايا التي من خلالها شاهدنا ذواتنا لأوّل مرة، كانت عيونهم قصّة وسؤالاتهم قصة وحبهم قصةً أكبر جعلتنا نشعر بجدوانا..
صغيري الحبيب..
حينما يكون لك من العالمِ انسانٌ واحدٌ عدى الوالدين مستعدٌ أن يستمع بإنصاتٍ إلى أنصافِ أفكارك؛ فأنت حاضرٌ في كلّ العالمِ يا صغيري.. لأنه لن يهمّ عدد الحضور فيما بعد، استطعت أن تقنع شخصاً واحداً في حبك، في استماعك، في جودة طرحك وهذا كافٍ..
أحياناً حينما نحصُل على حبٍ كبير ولحظةٍ كبرى وُلدت لنا من رحم الزمن بفضلِ الرحيم نقول، هذا يكفي.. ليس لأننا لانستطيع أن نحضى بحبٍ ثانٍ بل لأن الذي تحرّك فينا ورأيناه فاض في عيون الآخرِ ورغم انتهاء الحبّ علمنا أننا مسكناه حقيقةً، وكانت لحظة إمساك الحقيقةِ أجدر بأن يُحتفظ فيها طيلة العُمر عن رغبة الفوات ورغبة التغيير وطمع اللحظات القادمة.. أحب التمسّك بما كان، أحبّ الحمد عليه أنه كان..
أصدقائنا ياصغيري..
ليس بالضرورة أن يمنحونا المحبة في كلّ وقت.. ولكنهم سيعطوننا الطيب، يرافقوننا ولا يملكونا، يحسونا ولا ينغمسوا فينا، يشعروننا بالانتماء ولكنهم لا يلاصقون طبيعتنا.. الأصدقاء قد يكونون دروساً، وقد يكونون اختباراً، وقد يكونون تحديّاً، ولكنهم في نهاية الأمرِ وعامّتهِ رحمةً لك ونعمةً لوجودك.. على الصديق لا يُستنفذ الصبر ولكنّ كلّ شيء يتقوّم بالمصارحة.. الحب والإحترام في الصداقةِ يجدرُ أن يكونا مضمونين وما عداهما فلنا أن نختلف طيلة العُمر..
عوائلنا يا صغيري..
كلّ ما عداها فلا بأس.. ولكنهم هم الأجدرُ بالوفاء والحب والبقاء ولين جوانبنا.. بيوتنا يجب أن تنطوي على محبةٍ ومعرفة.. حتى تحبهم يجدرُ أن تعرفهم، حتى تعرفهم يجدُر أن تتقرّب بنيّةٍ صادقةٍ وتكشف عن نفسك، حتى تكشفُ عنك أريدك أن تكون شجاعاً.. ما خسر من كشف نفسه لأهلهِ ففي البيوت تنطوي أسرار العالم.. لست يا صغيري مختلفاً كما تظنّ فتقصى ولا أنت بملومٍ فتطرد، معهم ستكون لك المساحة الكافية دائماً وإن لم توجَد فسيوسّعوها حتى يكون لك من الانتماء نصيب، يقول الشنفرى:
“هم الأهل لا مستودع السر ذائعٌ، لديهم ولا الجاني بما جرَّ يُخذلُ”
ستجدُ ضآلتك دائماً يا صغيري . فأقبل ولا تخف.. الحياة تتطلّب منك على قدرِ الشجاعةِ الصبر، وعلى قدرِ الصبر الأناة، وعلى قدرِ الظهورِ عزلةً وعلى قدر الإنعزال ظهورٌ من ثقة.. فاصبر عليك حتى تؤتى وحيك وحتى تتعلّم دقائقك وحتى تستطيع أن تظهر بكُلّك.. افتح ستارك وأدِّ دورك وكن من الشاكرين.. سأحبك يا صغيري كثيراً وسأعشق أدوارك كلّها.