“تسير على الطريق، لاتردي ماذا سيجلب لك الغد، ولكنك تتيقن أن الله معك، وأنك محاط بالذين يحبونك بصدق دون انتظار شيء، وأنك تحمل العزيمة رغم التعب، ولأجل ذلك، لأجل ذلك كله، تعرف أن الطريق وإن طالت ستلين، والغد وإن تأخر سيأتي، حاملاً معه ليس فقط المشقة، ولكن الزهور.”

في بداية الإسبوع كنت قد استمعت رسالةً من رسائل الحب للكاتبة إليزابيث غيلبيرت والتي قال لها فيها: “هناك قول مأثور لديكم، أيها البشر، مفاده أن الإنسان يضع الخطط والله يضحك – وهذا ليس صحيحًا بالمعنى الدقيق للكلمة، ولكن أريد منكم أن تفهموا طبيعة ضحك الله. انها ليست ضارة. انها ليست سخرية. الله لا يضحك في أكمامهم، وهو يراقبك تتبختر في الشارع معتقدًا أنك في طريقك إلى السيرك بينما في الواقع أنت على وشك الوقوع في حفرة. وفي الواقع، في بعض الأحيان، وقعت في حفرة عندما ظننت أنك في طريقك إلى السيرك – ونعم، كان الكون يعلم أن ذلك قادم عندما لم تكن أنت تعلم ذلك. هل كانت تلك خدعة قذرة؟ أم أنها كانت قصة أفضل؟عزيزتي، من يحب القصص الجيدة أكثر منك؟ حسنًا، الله يفعل ذلك، على ما أعتقد. وكم ستكون قصة حياتك مملة إذا عرفت نهايتها دائمًا؟ كم هو شاق أن تستيقظ كل صباح، وتخطط لبداية ووسط ونهاية كل لقاء، وتحصل دائمًا على ما كنت تتوقعه، مخططًا له؟ الخطط قصيرة المدى، والخطط طويلة المدى – كل واحدة منها ناجحة بشدة، وتم وضع علامة على كل عنصر في القائمة دون تغيير على الإطلاق. فكر يا صغيري، هل تريد حقًا أن تعيش في مثل هذا العالم؟”

ثم ارتطمت صباح أمس ببيت أبو العلاء المعري الذي يقول فيه : “تقفون والفلك المسخّر دائرٌ، وتُقدّرون فتضحك الأقدارُ.”

وكنت قد شعرت في نفسي بغربةٍ لم أعهدها.. رأيت الغرفة كأنما أحس فيها بمفارقةٍ وحُلم، وحقيقةً يسري الخوف أحياناً في النفسِ مسرى النَفس، ولا أحد يستطيع أن يضع يدهُ على مواطن المخاوف فينا ليس لأنها لا تُرى فحسب، بل لأنها تهبطُ أحياناً من حيثما لم نحتسب، ومن دون سبب.. أستطيع أن أكون بوثوق العالمِ وفي غمضة عينٍ يتبدّل حالي من رحمة العلوّ إلى ضيق الخوف ويبدوا حينها المكان ضيّقاً حرجاً على نفسي ويرتجفُ قلبي ولا يقدرُ لساني على الإفصاح، وأحسّ فجأةً أنني في مكانٍ سأغادرهُ ولا يصلح أن أكون فيه.. شعرةٌ واحدةٌ هي المفارقة بين ما أستلطفهُ وبين ما أخشاه، مايبقيني على صمت هو استشعاري لقربِ الحافةِ مما قد يجرّني للإنزلاق لذلك أحبسُ دائماً نفسي عن تماديها..

بطبيعة الحال، كنت لأحب أن تبقى لديّ الأمور مبسوطةً والأحوال عاديةً والمشاعر ليست تسيطر حتى على جسدي وطريقة تفكيري وتحرّكاتي، كنت لأحبّ لو بدى كلّ شيء مقدورٌ عليه، ولكنني من خلال اعترافي بالضعف أقدرُ على نفسي، وأعرفها أكثر مما أتكبّر عنها وأصارحها لست أهذّبها فحسب وأمهّدُ لها من الطريقِ ما يعينها لست أرغمها .. أشعر معها في أُنسٍ لأنها لاتشعرُ معي بالخطر.. ولست آخذتها إلى مكامن الاحتراق بل أحاول أن أفتح لها دوماً من الأبواب ما يملأ هوائها ويقررُ وجودها ويجعلُ النسيم عليها يعبُر بوساعة.. لست هنا للوعظِ فيما تُجبلُ عليه النفوس فالطرائُق بقدرِ ملامح الخلق ولكنني أستطيع القول أننا من خلال بناءٍ واحد، كُلٌ على حِده، نستطيع أن نُشكّل نفوساً أكثر صحةً ومجتمعاً أعلم بنقاط قوّته وضعفهِ وعالماً أفضل حالاً مما هو عليه.. لطالما أسرتني الآية ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.

وأنا أحاول من خلال علاقتي فيها أن أجعلها أفضل، أن أشاهد الأمور بطريقةٍ أجمل، أن أحبسها صبراً وأجمعها شُكراً وأتأمّل من خلالها الرحمة كيف تتنزّل والحب كيف يُوهب والقدرةُ كيف تكون مكفولةً والعجز كيف يكون معجوناً فيها خصوصاً وقت تبدّلها حينما تلعبُ في الذاتِ لعبتها وتتشقلبُ بالمشاعر عليكَ وكأنما ما بنيت ولا هدمت.. ولكن غاية المؤمن أن يحاول وأن يستجمع قلبه فالطريق إلى معرفة الله لا يحسبُ بالأميالِ ولكنه يزيدُ وينقص بحضور هذا القلب وعلى قدرِ رغبتنا بالنوايا أن نحسّ ونعرف ونقرأ ونترجمُ الأقدار حسبما أنه من خلالها أعلم وأرحم فينا.. وسواءً وافق القدرُ قصةً نرويها أو موعظةً نصبرُ فيها يبقى ما استقرّ في القلبِ من مضيّها علينا هو الزرعُ الذي سيجول في نفوسنا ويصول قبل أن تنزعهُ لحظة جزع.. وهنا لا يكون الخوف من التأخرُ في هطول المطرِ ولكن أن لا تكون معنا بذور صافية ننتظرُ من خلالها الرزق حتى اذما جاء وإن تأخّر؛ يُزهر.. ماتعتقدهُ في الله هو كيس بذورك، رزقك بين يديك، والمطر قادمٌ لا محالة .. فاصبِر وارضى حتى تُعطى فتشكُر، وكن بخير …

أضف تعليق