يتوكؤون على أنفسهم وكأن الغد أبعد ما يكون، حالمين كأنما لا نهاية، وتوّاقون بحجم الظنّ الحسن، مبصرون كأنما يشاهدون خلف الأشياء ووجلونَ كأنما يعيشون بقلوب أمهات العالم، فاقدين ويعطون مما فقدوا أضعافاً من الرحمة، ومُدركونَ على حجم اختيارهم للغفلةِ كأنما حَجَبهم تعاميهم عن السوء فلم يروا إلا خيرا ولم يقولوا إلا خيراً ولم يقابلوا إلا خيراً فكانوا هم الخير وكانت ديارُ قلوبهم سلاما..

حينما أجفلت الحياة كانت لهم جرأةُ الفضول تجاه الوُسع وآمنوا بالرزق الوافر، وحينما فُتّحت أمامهم الأبواب لم يطمعوا بالموجود وشكروا، شكروا لأنهم يعرفون أن الواهب أكبرَ حينما عبّأ ثغرات نفوسهم وجعل لدروبهم فيما يحبّون سبيلاً سالكاً..

طلبوا الطمأنينة، ولما سَكنت نفوسهم كانت وعاءً للحنان.. وكانوا من خلالها أسعد الخَلقِ بذواتهم قبل العالم، وبالعالمِ بعد الذات حتى بَدى أن جنّتهم متعدّيةً ظاهره. لا تبتعد عنهم ولا تخطئهم.

كانت لهم العزلة دواء، والخِلطةُ داءٌ يستحقُ التمهّل والتبلسُم والعلاج.. كانوا يضيئون العالم من خلال الانكفاء ويُشرقون من خلال الصمت ويضحكون إذاما تسرّبت من أعماقهم فكرةٌ مطمئنةً يكتبونها، وكأنما يرتفعون للسماء ويتنزّل من أقلامهم ماء الأرضِ وفحوى مقادير الحياة وأسرارها..

حقييّون؛ لا يخشون من حقيقتهم، ومتصالحين لا يخشون من تصالحهم، وطيّبين لا يخافون من طيبتهم أمام عالمٍ يوصف بالشراسة والشراهة.. كانوا يقتصّون من رقّتهم منطقاً يرون من خلاله وكانوا في مدى رقّة طبعهم أقوياء وكأنما خُلقت الرقّة في الطبعِ من جسارةِ القلبِ حتى اذاما قابلوا ذوّبوا النفوس وأشعلوا بين الذات والذات شعلةً للدفئ الخاصّ والمحبة الخالصة، تدوم بينهم وبين الناس مودةٌ لا تنطفئ بينما يبقى في صدورهم شُعلُ حنان دائم..

أشخاصي هم المكتفون باطناً، السعداء ظاهراً، الصامتين أكثر من المتكلمين، العارفين أكثر من المُتظاهرين بالمعرفة.. شخوصي هم الحالمين.

أضف تعليق