Mon.. 6.May.2024
يقول الشاعر عبدالله الأنصاري:
“نصيبك في الدنيا فؤاد مسافرٍ
وروح من الحارات جاذبها الدهر
خرجت إلى الدنيا وحيداً مجنّحاً
تفتّش عن كتفٍ يُصان به العُمر
وجربت حتى اسمرّ وجهك صابراً
وأُشربت حتى قيل: أغرقهُ البحرُ
يظنّ لك الأقوام حظاً ولحظة
وظنّك أن النفس أولى بها الستّرُ
مددت إلى الأيام ترجوا نديها
فكان لك الحقّان : ماؤك والجمرُ.”
التكرارات..
تكرار التسبيحات اليومية،
الأفكار التي تتكرر على النفس،
الوشوَشةُ في يومٍ ساكن، تتكرر
تغاريد العصافير في الصباح، لا يبدوا في ألحانها المعادة اختلافاً كبيرا، تتكرر..
القصة التي استمعناها قبل النوم مراراً، نعرف خاتمتها ولكننا نرتاح لأنها تتكرر..
أغنياتنا المُفضّلة، ألحاننا المختارة من الموسيقى .. نختارها، نطرب لتكررها كلّ مرة..
الأيام التي نصحوا عليها ونحن نعرف تماماً من نكون، تتكرر..
الصلاة، بأفعالها وما نقول فيها؛ تتكرر..
البيت حينما يُعاد من أول القصيدة إلى آخرها، نستلذّ تكرار معناه..
الحقيقة أن قصّة حياتنا معبّأة بتكرارت لولا الاختصار لصارت جميع التفاصيل مُحبطة .. نحنُ ربما بشكلٍ ما نحافظ على التغيير، نتكلّم عن الأشياء التي تغيّرت فينا، نقبضُ على القَصص المختلفة والمشاهدات العذبة التي لامستنا في أيام، ولكن اللغز، السؤال، الحقيقة تنطوي غالباً أمام تلك التكرارات التي لا يعرفها سوى نحن من خلال علاقاتنا مع الأشياء وانعقادات الكلمات في صدورنا ومدى أثر التكرار ووعينا عليه..
حينما نتأمّل في حقيقة المطر، فالقطرات تتكرر حتى إن كانت حديثة عهدٍ بربّها وكلّ حبةٍ منه كانت وحيدة ومختلفة، إنما أُشير لفعل السقوطِ والإنهمال.. احساسٌ يتكرر على الأرض ، وفي كلّ تكرار دهشه، وفي كلّ هطولٍ نعمة، وفي كلّ كرةٍ فرح..
الفصول كذلك، لا جديد .. الثلج يهطُل على أماكن بعيدة، والبرد يتكرر على الصحراءِ المتجرّدة، الورود تزهرُ في الربيع، في الخريف يتساقطُ الشجر والشمس في الصيف تذيبنا من القيظ.. دورةٌ تتكرر، تعرفها الأرض ويلمسونها النباتات والبشر على حدٍ سواء..
من هو ذا الخارج من التكرار ولو غيّر أمكنته؟ لربما يرتحل المرتحلون لشيءٍ ثابت وجدوه في نفوسهم ولو تغيّر شكلُ الأرضِ أو البشر من أمامهم، لربما استطاعوا قتل تكرار المشاهدِ ولكنهم في نفوسهم عرفوا دورات تكرر الشعورِ فقبضوا عليه، واستأنسوا به، وحمدوه..
من هو ذا الذي ينفكّ عن التكرار ولو نما وانتمى، وإنني أُفكرُ أن بعض الدهشةِ يخبوا خلف شعور الشُكر على الرحمة .. أن نستشعر حجم النعمة في التكرار.. أن يدهشنا من ذواتنا حجم أن نعود وندور ونتقلّب ونتكرر ولا نتغيّر..
لا شيء يا صديقي يقطعُ فكرةً مؤذية تعود على نفسك وتتقافزُ على عقلك كطفلٍ صغيرٍ يقول لك: أنا هُنا، ورؤيتي حاضرة ، بقدرِ ما يجعلك تغمضُ عينيك وتتنفّس وتعترف بحضورها وتصغي لإلحاحها وتكونُ في جوابها والأخذِ بها حكيماً..
تأتي الحكمةُ من الصبرِ على أصدائنا في هذه الأرض، من الوعيِ على التكرارات، من رؤية الحياة من بوابة الرحيل، من الإصغاء والاستماع جيداً لكلّ ما بوسع الأرض أن توصله إليك وأن تقوله..
التكرار نعمة، التكرار رحمة، ولا يكون لهُ وصول .. وهذا أجملُ مافيه؛ دورانه.