لا شيء، قد يغلب بهجة سكّان الصحراء بالمطر، لا شيء قد يحسّن مزاج غربيٍّ لَمسَ في حِلكة النهار غيمة .. ستخسر في كلّ مرةٍ تحاول فيها أن تُسبِر غورَ سرّ الماء.

صديقي العزيز .. أكتب إليك اليوم من مكانٍ قصيّ ، يُعنى بعمق الذاكرة .. من على تذكار الخيالِ في سفر ، أتلحّف زاويةً داخليّةً في المقهى ، وأراقبُ العابرين ..

ثمّة غلامٌ نحيل .. يمرّ راكضاً بالساحة المكتضّةِ ، قاصداً ضرورةً ما .. وهناك طفلٌ صغير يبدأ بالمشيّ حديثاً ، تناغي تعرّجات المسار قدميهِ المكتنزتان والمحتفيتان في آنٍ واحد بوعورةِ تجربةٍ جديدة ، يدميه السقوطُ تارةً ويردفه لسانه وتحيّةُ الجمهورِ تارةً أخرى ..

رجلٌ كرّس وقته لموسيقى الشارع ، يحمل أداةً واحدةً يتقنها ، وطبلةً متداعية .. يقصّ صوته المتواضع حالة الوجود بأسرهِ ، كقصّته التي تمرّ بهبوطٍ طفيف .. وهنالك كهلٌ على عتبة الباب الرئيسيّ للمدينة القديمة ، أثقلهُ طول الرحلة .. يبدوا أنه يمرّ بفترةِ سكونٍ ما ، غير آبهٍ بأيّ شيء ، لا يحرّك ساكناً .. عينيه تناجي بين فترةٍ وأخرى عنان السماء ، من يراه من بعيدٍ يظنّ أنه يدعوا بالدوام ، ومن يقترب يسمع همس المناجاةِ بالعودة ..

ثمّة شابةٌ تجلس بكامل أنوثتها ، تفترشُ إلى جانب حقيبتها المتواضعةِ كتاباً من الطراز العريق ، تفصّل في أوراقه ، تغوص في عالمهِ ، تنغمسُ في بئرهِ ولا ينتشلها أحد سوى شمس الغروب التي ستزور عمّا قريب ، ولولا الظلال الذي جعل على بعضٍ من كلماته حِلكه ، لما رفعت رأسها للسماءِ مستذكرةً واقعاً ملموساً يحيط بها ..

مقهىً في الزاوية ، تتنفّس فيه عبق الرائحة الزاكية ، من أمامهِ مخبزٌ يفتح أبوابه قبل شروق الشمسِ بساعةٍ كاملة ، يديره حفيد العائلةِ السابع ، عمرهُ بعمر المدينة .. تتدلّى طاولاته على زاويته بشكلٍ مستقيم تحمل زهوراً بقناني زجاجية صغيرة ، تُقطف كلّ بداية يوم ، توحي من أوّل نظرةٍ أنها ثابتة ، وما إن تجلس على إحدى كراسيه حتى تختبر وعورةَ الشارع الذي تستقيمُ فيه ، شيءٌ في فقدان راحاتها يعبّر عن أفضلِ تجربةٍ قد تكون للمكان ، حليب القهوةِ يأتي طازجاً بشكلٍ يوميّ من المزرعة ، ورغوته تبقى مكثّفةً حتى آخر الفنجان .. 

ثمّة أشياء يمارسها أصحاب هذه المدينة بشكلٍ يوميّ لاهثٍ ياصديقي رغم استبطائهم ، تمثّل موسيقى الحياة البشريّة فيه .. وتخبُر العابرَ الجديد عن حياة ، وحياةٍ لم تبدأ اليوم ، بل هي حياةٌ ممتدّة منذ قرون .. تحكيها طوبات المباني وجذوع الأشجار العريضة ..

أتأمّل في حالي ياعزيزي .. أتفّكر .. كم أحبّ التقدم في العمر ، أحب الشعور الذي يعطينيه من معرفةٍ لشخصي المتواضع ؛ للحياة .. أحب السرّ الذي يكشفه الكِبَر .. ولا زلت على ذات الرؤية يا صديقي فالعُمر يسري في دوائر وعي ، تتسع بمسافات دقيقة فيما بينها ، ولا يمكن أن تتسع دائرة متخطيةً حلقة من الوعي قبلها ، وكما تأثير الحجر على بحيرةٍ راكدة ، ستأخذ تلك الدوائر مساحاتها بالتموّج حتى تكتمل وتصل أطراف شاطئها .. لذلك فاطمئن ؛ جميع ما أنت فيه ؛ يجب أن يحدث. ويجب أن يكون الآن ، وقد لا تتعلّم الدرس ، وقد تقع من جديد ، ولكن دائرةً من الوعي لن تسبق لمجر المُراد ، ولن تتحدّى القدر ، ولن تجرؤ أن تستبق مع عقارب الزمن ..

وأدركت .. أن ثمّة اختبارات عميقة لن تجتازها بالنظريّ سوى حين تخوضها ، ستبدوا ساحة المعركةِ بعيدةً حتى تدخلها ، تعتركها ، تشاهدُ حميَ وطيسها ؛ وأهداف جنودها .. سترى فيها الخائف المتواري خلف الكلمةِ الجارحة ، والحزين المتخفّي خلف النكتةِ الضاحكة ستجد الطفل الضعيف المحتجب بدرعِ الثقة ومعرفة كلّ شيء .. ستشاهد الصامت المليء ، والمتحدث الفارغ سترى الجاهل والعارف، القويّ والضعيف ، الحقيقيّ والنصّاب ، الأبيض والأسود ، سيكونون جميعهم في معترك التجربة ، وكان عليك أن تشاهد .. ستدرك حجم المعنى خلف الاخرين بشكلٍ لن تدركه في ذاتك وحدها ، ستتعلّم أن الحقيقة فضفاضةٌ وقابلة للإتساع بحجم الأرض ، بحجم كلّ اولئك الجنود ، بعمق جميع تلك التجارب ، بمقدار الصحيح والخاطئ والعاديّ والمحايد والواجب والمُحسن .. 

فأجوا أن تتذكّر يا عزيزي ..

إن ضاقت عنك التفاسير يوماً .. فاعلم أنها من قلّة العلم به ، إنما الحياة التي أعطى ؛ بوسعها أن تكون أكبر .. وأن التفاسير التي لم تستطع ياصديقي تُرجمانها في نفسك هي ما لم تقدر على قرائته وليست فيما يضيق عنه أو عليه ، فارجوا منه دوماً مالا يضيق عليه عقلك .. لن تتصاغر مواجهات الحياة .. ستتسعُ أنت في تفسيرها ، وحين يحدث ويهدأ عقلك وتطمئنّ ، لاتنسَ أن الواسع هو من أعطاك فسحة النظر .. فلا تكبر في عين نفسك ؛ فتصغرُ في عينيه ..

وبعد طول المشاهدةِ ستحاول أن تتعلّم الرقص ، مع ذاتك في ساحة المعركة .. ولو كنت تشاهدها دوماً من بعيد ، وتبتسم .. سيغريك النزول في غبرتها ، حاول أن تبقى في مكانٍ فيها تستطيع رؤيتك منه ، ومدى تقادمك ومدى خداعك في الحرب ؛ فلكل حربٍ خُدعة ، ستتعلّم لعبتها ولو بعد حين ؛ فاسمح لنفسك بكلّ الوقتِ الازمِ حتى تدركها .. لن تغفلك الاشياء ولن يضيع في عينيك الوقت مادُمت تحاول من منطلق الجوابِ لا من وعورةِ الضياع .. 

تشبّث دوماً بحبل الله ياعزيزي وقم على ناصية المعنى ، و قاوم ..

وحتى ألقاك من مكانٍ جديد .. آملُ أن تكون دواخلكَ بخير ، وميلادُك القريب سعيداً وعُمرك الجديد مباركاً ماحييت ..

لا توجد آراء بشأن ""

اترك رداً على أروى المطرفي إلغاء الرد