صديقي العزيز..
تعال، ودعنا نتحررُ من خلال الكتابة، نعلّي موجة الصوت بالمجاز، نرقُص مع السجع ونتمايلُ بالمرادفاتِ الدقيقة..
تعال، حتى أُعلمك من خلال القلمِ مافقدتهُ في نفسك.. سأجلّي لكَ المعنى، سآخذك في رحلةٍ طويلةٍ من الأصوات، أُعرفكَ على المتضادْ فيك والمتناغمِ منك وجزئك العميق الخفيّ..
تعالَ للكتابة..
ففي الكونِ ياصديقي أصواتٌ لا تسمعها إلا في الوصوفِ، كانقباضةِ القلبِ وحرارةُ الخجلِ الظاهرِ بحُمره، ودهشةِ أول المطرِ على خدِ طفلةٍ تشهدهُ للمرةِ الأولى، علوّ الشجرِ وعِزّةُ صمت العَالمِ أمام الجاهلِ وجنينُ القصصِ من التأمّلات الطويلة التي تنجُب قصيدة، وطفولتنا كجميع البشرِ حينما نلجُمها بواجبات النضوجِ..

تعال إلى كوكبةٍ من كلمات.. تُخلَقُ كلّ يوم، تبزُغُ مع كلَ شمسٍ بفضلٍ ورحمة، ومع كلّ كتابٍ تُغلقهُ ثمَة آخرٌ مخبأٌ فيك.. لا تخرجُه سوى الكتابة..

صديقي العزيز..
دهشةُ هذا الكون الذي أُخلُق فيه كلّ يوم لا تخطئُني، وكما أُحبُ في المشاهدات أن تختلف القصّة في كلّ حلقة، حلقاتي تكون في تسلسل أيامي تبدوا في المشهدِ واحدةً ولكنها في مخبَرِ الشعور والمواجهة، قصصٌ تتبدّل كلّ يوم وكلّ ساعة وكلّ لحظة.. ففيما تراني أُسافرُ يوماً للشمالِ من العالمِ وأضيع بين الثلوجِ في قصةٍ ما، تراني في اليوم التالي في عُمق التاريخ أبحثُ عن اصول الشعر الجاهليّ وعادات العرب.. تُتقنُ الحياة ياصديقي، تتوسّع، تنهضُ وتختلف من خلال الرغبةِ في ايجاد ماهو جديدٌ على هذه النفس، واللحاق بما في وُسعه أن يملأها.. كلّ يوم.

صديقي الحبيب..
نحنُ أجرامٌ صغيرة.. شُقْت وحُجبت بالفضول عن السماء.. كان لنا هنالك بيوتاً وأهلاً وروحاً وفضائل، لم تكُن الخطيئةُ جزءً منا.. نزلنا فكان النزول دُنيا، نحنُ الذين نتوق للسماء نشعرُ بالفصلِ عن جزئنا الأوّل ورحمتنا الرغيدة.. نُحسُ أننا هنا مكبلون أيّما حملتنا الأرض وكيفما كان شكلُ حيواتنا، ليس لأننا ياصديقي خليُّون من أخطاء البشر ولكن لأن جميع جميع هذه الدُنا لا تكون لنا بحجم مايراها البشر.. أشاهدها دائماً من بعيدٍ فتصفوا لي جميع أحقادي، ويلين الماضي بين يديّ ويعبرُ بي الزمن.. لا أعافرُ فيمضي كلّ شيءٍ لي ومن حولي حسبما يقول له الله كُن فيكون..

دعني ياصديقي أنزلُ بك قليلاً من صفحاتي.. أتواضع حتى لا أرتقي فيك وأشعُرك أني فريدةٌ في هذا الكون فنحنُ جميعنا واحدٌ من واحد.. نحنُ واحديّون في طفولتنا وسماويّتنا قبل أن تصبغنا الشمس وتطبّعنا الأرضُ وتكبّلنا عادتنا..
عليك نقاءً وسلاماً دائماً ياصديقي.. كُن بخير.

أضف تعليق