Thus.. 2.May.2024
“هي الدنيا تُفرّق ساكنيها
وفي الذكرى تزيدهمُ اقترابا.”
-محمود شاكر.
يأتي الغروب.. مودّعاً
تزفُر الأشجار بعد وقوفها ليومٍ طويل
ترجع الطيور إلى أعشاشها بسلام،
يمسحون عن أتعابهم نهاراً طويلا..
الجميع أدّى مهمّته قبل حلول العتم، والشمس راحت تطلُع على مكانٍ جديد، ألقَت بنورها على حركةٍ ثم تركت جميع الأحياء للسكون..
لا يحلّ العتم مرةً واحدة، ترتّب الشمس رحيلها بالألوان، الأغمق من الأصفر، ثم البرتقاليّ فالأحمر.. تغمقُّ قليلاً قليلاً قبل أن تودّعك.. تبرر لك أنها راحلة، ليس لسوء ما فعلت ياصغيري بل لحُكم السماء.. لأنه وجَب وقت الرحيل..
العُشب كان حليفها في الصيف ويكون طفلها في الربيع.. يقدّم لها الورد ويسامحها جفافهُ بالشتاء، يختبئُ خلف الأبيضِ فيخبوا شعاعها..
الشمس ترحل .. وتضمنُ مع جمال رحيلها قُبلةً لبني البشر.. حيث في الليل بعدها تثورُ الشجون ويغنّي الناس وتُقدحُ قريحة الشعراء ويسهرُ العاشقون .. تتركُ هي للّيلِ مهمّة الفؤاد؛ أشجانه.. ومهمّة الروح؛ ارتفاعها.. ومهمّة الجسد؛ نسيانه..
حينما ترحل الشمس تتوقّف حياة البصر، وتُقدحُ شعلةَ حياة البصيرةِ وتشتعل.. أفكارك في الليلِ ليست هي أفكارك بالنهار ناهيك عن أفكارِ لحظة الغروب تلك، لحظةُ السحر تلك، لحظة مجدِ المودَّع تلك..
في الليل.. يزور القمر.. يخبُر أن أمنا الشمس ستعود، وأنه بضوءه سيكون الحارس حتى ولو ثرنا عليه واختبئنا منه وتشاغلنا عنه.. للقمرِ طاقةٌ هادئة ووديعة تشبهُ الأحضان..
الشمس قبل عودتها علينا، توقظُ الطيور أولاً.. ثم توقدُ اللون الأزرق في سماءنا وتبعثه، ثم رويداً رويداً تصبّ نورها على عيوننا وأفئدتنا وأرواحنا وتثير خبايانا التي غطَاها الليل وتفتّشُ عنا.. ثم تحلّ على جمالٍ في مكانها الصحيح.. الأحمرُ فالبرتقاليّ فالأصفر والأبيض.. تعود لتُحيينا..