Tue.. 19.Mar.2024
9.Ramadan.1445
“وإني أحذرك صاحبي من كل علم يكون على طبق الوجبة السريعة، وكل كلمة تكون منقولة لا مخبورة، وكل متحدث يخبرك سبب حديثه بغاية حديثه، وتخبرك مداومة حضوره بغاية حضوره، ويخبرك منطق كلامه بقلة صنعته، ويخبرك تكثر فنونه بقلة بضاعته، وإني أحذرك من كل نصيحة لم تمتحنها بالتجربة، وكل تجربة لا تزيد من رجاحة عقلك، وكل كتاب لم يرشدك إلى غيره، وكل مجلس لا تجد فيه السكينة، وكل صاحب لا تكون معه كما تكون مع نفسك.”
– رشاد حسن
المطر انتهى.. ولكنه ترك البلل يمتدُّ على الأرصفة وفي السقوف وطيّن تراب النباتات الصغيرة في المنزل وأبقى اجتماعهُ على قطرات السقف حيّةً بينما تعكّر حينما انهملَ على حاوية النفايات.. وبينما كانت غايته في الزرعِ أن يُنبت بعد الله ويُزهر ويُطيل، كانت غايتهُ في غيرما مكانٍ أن يثيرَ الحب أو يغسل قلباً مريضاً أو
يُسيّلُ إلهام قلم..
المطر صيرورةً في حدّ ذاته وأنا أتفكّر بالبلل الذي خلّفه في هذه الليلة التي تبدوا هادئةً جداً بعده.. عذوبةً لايساويها شيء وأنا أسمع قطرات السقف تباركُ أوارق النباتات من أمامي، وأتفكّر اذاما رحَلنا، فما نوع البلل الذي سنتركه في نفوس الناس، وفي الحياة عنّا يا ترى..!
فصيرورة طينتنا كما ماء السماء، ستتوقّف يوماً..
هل سينبُت من بللنا الشجر؟ وهل ستنفلقُ البذور وهل سيكون بعد رحيلنا رواء؟
صديقي العزيز..
العهد الإنسانيّ يتجدد مع الحياة، ويسقيها ألقاً خاصاً بها كلّما شَهدتُ مواطناً للجمال.. في الطبيعة والتجارب وفي بعض حياةِ الشخوص ما يشبه الجمال للخالص، فما هو الجمالُ بالنسبة لك؟ هل هو ذاك الذي يغذّي قلبكَ وبصرُك وعقلكَ، أم هو ذاك الذي يثيرُ حماستك أو ابتسامتك أو هدوئك..!
أعتقد أن باختلاف انبعاثاتنا لتقييم الجمال تختلفُ طرائقنا في الحياة.. لذلك تكون العلوم الإنسانية دقيقةً جداً وعصيّةً على التحديد في الفهم..
ليس بالضرورةِ أن يكون الجمالُ منطقياً ولكنه يجذبك،
البراءةُ جميلة مثلاً ولكنك لا تستطيع وصفها أو تحديدها في الناس، هي تأتي وتحسّها فحسب ممن يكون أمامك في الأطفال أو في بعض البالغين، تستطيع القول أنها النقاء الملموس ولكنها أيضاً ليست كلّ ذلك..
قد تكون أشياء عادية، أشياء يوميّة، ولكنها تحرّك شيئاً ما فيك فتعّزوه للجمال.. بالأمس كنت في خلوتي وأخذتُ أشاهدُ عودةَ الجيران من خروجهم الذي بدى كما نزهةٍ طويلة محمّلةٍ سيارتهم فيها بالأغراض، نزلت الأم والخادمة، كلتاهما بغرضٍ واحد، ثم نزل صبيٌ يبدوا من تململهِ أنه قد نام في الطريق، الأب نزل ومعه بعض الحاجاتِ وأبقى على باب السيارةِ ودخل منزله، قلقتُ لأنه لم يخرج إلا بعد خمسة دقائق.. بعنايةِ يفتح الأبواب كلّها، يخرج الأغراض كلّها على عتبة باب منزله، ينحني بطيئاً وبلا صوت، يحملُ طفلةً نائمة، تبدوا ابنة الخمسة سنوات.. يحملها على صدره ويدخلها بكلّ هدوء الشارعِ إلى المنزل ويترك السيارة مفتوحة.. لا أعلمُ لماذا ولكنني هنا وجدت دمعتي تسقط وقلبي يتفتّح، أغراني ذلك الحنان، تذكرت لحظة طفولتنا حينما ننام في مكان ونصحوا في مكان، تفكّرتُ في كلّ لحظات الوالدين التي أتعبتهما ولم يكونا ليتحدثا عنها، ليس لأنها لم تكن بل لأنها بالحُب أدركتهما بشكلٍ فطريّ، بلا شروطٍ يعملانها ولربما لو كنت لتشكرهما عليها أبخست في حقّ والديّتهما..
يرجُع الأب بعد أن دثّر ابنتهُ في سريرها الدافئ، يحمّل جميع الأغراض للداخلِ وأخيراً يُغلق جميع أبواب سيارته ويقفلها ويدخل باب منزله، يقفلهُ، ثم يُغلق النور الخارجيّ..
هي لحظةٌ عابرة، خدمها هدوء الشارع، وفضولي تجاه موقفٍ عاديّ وإحسان الوالد الفطريّ ولكنّ مشاهدَ عابرةً كلتلك، آمنةً كتلك، أتشرّبها ولا أنسى فضلها.. يُقال أن المهددّين بالأمنِ والمهددين في حيواتهم لأجيال ثمّ يعيشون ليروا انعكاسات من حاولوا قبلهم بمنحهم الحياة الكريمة، تكون متعتهم بالحياة أكبر، ليس لأنهم يعيشونها كناجين فحسب، بل لأنهم يعيشوها بشكلٍ مُضاعف. عنهم وعن من سبقهم..
صديقي العزيز..
تظلّ فينا أشياء ناقصة حينما نحجُب اليوميّ عن مشاركتنا .. نعم، نحنُ نزهوا باللحظات الفريدة حينما تكون بهجتها من عُمق أرواحنا ولكننا بالمشاركةِ نكبُر، كنت أظنّ أن حلاوة الأمورِ ستكون أجمل ما يكون حينما تكون مخبّأةً وتمتصها من جالِ روحكِ على خفاء، ولكنني اليوم أعتقد أننا حينما نشاركُ سُكرها الأصدقاء تكون أحلى.. ليس لواجب المشاركة ولكن لبُغية اتّساع المعنى.. ذلك يجعلني أشكر الله على رحمةِ من يكونون حولي..
صديقي العزيز..
بالأمس استمعت لأستاذتي الطيّبه أناهيد السميري في محاضرةٍ لها عن رقّة القلب كانت تتحدّث حول إهدار المشاعر، وللمرة الأولى أحسّ من كلامها أننا عن جميع ما نضع نفوسنا فيه من مواقف، مسؤولون حقاً.
كانت تقول: مهمّة القلب أن يشعُر.. ولكن القلب شيءٌ باطنيّ تؤثّرُ فيه الجوارح الخارجية، فمهمة البصر أن يُبصر ومهمّة الأذن أن تسمع.. الآن، أنت لا تستطيع محاسبة حضور قلبك في الصلاة على سبيل المثال إذاما كانت عيناكَ في الإبصار لا تستحثّه على أن يخشع ويشهَد حالة وجوده، أيّ: يرققه. ولن تستطيع استحضارِ رقّته وحضورهِ في الآيات اذاما كنت تستمع طيلة اليوم لما يُغفلك عنها.. فتأتي حينما تأتي للصلاة تكون من جوارحك مشغولاً بعيداً عن باطن قلبك..
كانت تقول، حتى يجتمع القلب نحنُ مسؤولين عمّا نفعله بالبصر والسمعِ والوقت طيلة اليوم.. هل نحنُ ممن يتوقون للّيلِ حتى يأتي موعدُ خلوّنا مع الله في الصلاة ونحضر بقلبنا عليها كلّها، أم نحنُ ممن يؤدّون واجباً لا يشعرون بعده لأنهم لم يشعروا قبله بأهميّة أن يكون جميع ما فيهم مجتمعاً عليها..؟”
تشعرُ بعظمة الإسلام حينما لا يجعلُ لفكرك مجالاً للشكّ أنك مختارٌ أولاً ومسؤول ثانياً تجاه كلّما يروح فيه وعيك.
أخيراً يا صديقي.. آمل أن يرويك ماء السماء، وتعطيك الحياة من الجمال أحسنه، وأن يكون قلبُك عامراً بالحب..
وأن تكون بخير.. دوماً.