بيتك، عقلك، وجودكَ فيه.. هل أحسنت تصميم دواخله؟ هل يكون البيت منزلاً لأفكارك يُنزلها حسب ما تكون، يحبّها حسبما تكون كما العائلة أو هو منزلٌ دائم الضجيج سريع الإنفعال، أم هو منزلٌ مكبوت، يغطسُ شيئاً فشيئاً في وحلِ نفسهِ ولا يكاد يطيق صدى ضجيجهِ المكتوم..! 

أحدهم قد وصفَ قلبه لأحداهنّ فقال؛

قلبي يجلسُ على كُرسيٍّ مفتوح، يراقُب أفكارهُ كأنه يشاهد بناته، يحسّ أنه الأب لجميعهن، يحسّ أنه غير مريدٍ للسيطرةِ عليهنّ ولكنه يريد الوجود دائماً في قلوبهن، الحضور في واقعهنّ كيفما كان.. بحبٍ وبرحمة، دائماً بحب ورحمة.

صديقي العزيز..

من كان آخر النازلين عليك..، الساكنين عندك؟

كيف ترى يا عزيزي منزلك وهو يتصدّع، أو يتصاعد.. وكيف تكبُر في قلبك الأفكار.. وهل وقعت في حبّها يوماً، في حُبّك..!

ما هي محطّتك، كيف هو شكلُ القناعةِ التي تتوكأ عليها عصاك، وهل وجدَتك، وجدّتها؟ 

الحياة يا عزيزي من أيّ ثقلٍ هي تحملك، ماذا تمنحك وكيف ترويك..؟

هل أبهجك فيها بنسجيّ الخزامى وأصفرُ دوّار الشمس.. هل عجبتَ للضوءِ أم هو أحرقك.. نضجت أمام الصبرِ أم هو نضّجك، جزعت أمام المُصاب أم هو كبّرك..! كيف يعاشُ يا عزيزي آنيّكَ وتحت أيّ وَميضٍ من الأملِ تبرقُ عيناك..؟

سعيُكَ يا عزيزي مالذي يعنونه.. وكيف وطّنت نفسك في الآمال وهل هي استوطنتك لتكون لك يوما؟ وإلى أين تصلُ آماد سعاداتك، رضيت بما أوتيت أم لا زلت تبحثُ عمّا لم تؤتاه بعد، وهل تبحثُ عنك..؟

كيف هي الحياة يا عزيزي في الجانب الآخرِ من سِراج الواقعيّ، في خيالك.. هل يكون العُشب أكثر إخضراراً والناس أكثرَ حُباً والأقدارُ أكثر احتمالاً..؟ ماذا ينبئك خيالُ الطفل فيك وما يا ترى يعلّمك، هل يكون ملاذك في ليالي الطولِ، وهل يُضحكك حينما يعطيك فكرةً عابرةً في عُمقِ انغماسك باليوميّ، وهل تسمعُ قهقهاتهِ حينما تتعثّرُ بالجمالِ فينتشي..؟ 

قد لا أعلمُ يا صديقي يوماً أيّاً من جواباتك.. ولكن أسئلة العوالمِ تفيضُ بي دوماً للكشفِ عمّا تنطوي عليه برائتي الأولى وأنا أحبّ النقاء الذي قد يحملهُ السرّ ويربيه الخيال.. أحبهُ ملفوفاً بالسكوت، زاهياً بالأبيضِ محفوفاً بالإشارات الكبرى..

وحتى ألقى عينيك يا عزيزي.. أتمنّى أن يدهشكَ بئرُ دواخلك بالحب.. دائماً.

ليست في الظلّ، ليست في النور، وحتماً ليست في العتمِ ولا السطوع.. إنما هي حالةٌ من الارتقاء الساكن ياصديقي يدوّي صدى ارتطامها في أعاليك.. هي ليست نشوة وليست شعور وإنما هي حقيقة.. تلمسها ولا تلمسها ولكنّ ملئكَ يحسّها، تغدوا بعدها كلّ آمالك عدماً وواقعك ليس إلا سُلّماً للصعودِ أما آنيُّكَ فخلودٌ في زمنٍ تشعرُ فيه أنك لحقت على الكون، تتنفّس في ذات اللحظةِ التي يتنفّس بها.. أنفاسكما ممتزجانِ حدّ أنك تشعرُ بالكُلّ والاشيء في آنٍ واحد.. النجوم تغدوا أوطاناً، العمَى يغدوا بصيرة، الخلائق يغدون على اختلافهم واحداً، مجرّد أبواب للشعور، مجرّد أبوابٍ للعبور.. وأنت تسلّم على هذا وتحتفي بذاك ولكنك في عُمق يقينك تعلم؛ كيف لا تحبّ وكيف لا تكره وكيف تتّزنُ رغم الوعود الكاذبةِ والدلال الصادق ورغم الألم.. لأنك وَعيت في لحظةٍ انبثقت سواءً فيها مع الكون بالنّفَسِ أنك أعلى من المعروف، أكبرُ من هذا الجسد، أسمى من همومك اليومية، أرقى من مشاعرك، أنبلُ من سوء ظنونك، أرفعُ من خياراتك، أمجدُ من واقعك، أشرفُ من ذنوبك، أهمُّ من أحزانك. هي الحقيقة يا عزيزي التي تأتي يوماً بعد أيام طويلة من الانغماس في الاشيء، تنقُلك من عُمق توهّمك إلى عينِ بصيرتك حتى تعيد فيك تقييم ما تكون وما تريد ومن تكون…

في العالم الكبير هنالك أضداد.. في العالم الصغير هنالك متشابهات، وطفرات.. 

في المدينة هنالك فرص وخيارات، وفي القرية هنالك أخلاق وأحادية تفكيرٍ وهُويةٌ متأصلة..

في الضخامةِ اختلاف، وفي الضئالةِ إلفة..

في الدوائرِ نكوّن علاقات، في العلاقات يكون لنا أشباه، بين المتشابهين يكون لنا أصدقاء، بين الأصدقاء يكون هنالك مفضّلون.. هل فضّلت يوماً من علاقاتك الذي لا يشابهك؟ كمرآة، كحدٍ آخر؟ كشموليةٍ واحدة..!

بإسم الرحمن الرحيم.. ليس بإسم الوفاء نظلّ أحياناً طائعين لا كارهين ومقبلين حاضرين لا مدبرين.. ذلك أن البُعد الآخريّ في نفس لحظة الخوف من الاختلاف ما يجعلُ الحديث يمرّ بسلاسةٍ ودون غشاء..

في داخلي أشياء تكبُر.. 

في داخلي أشياء تتلاشى، 

في داخلي أشلاء متكسّره بعد حروب، ولكنني صنعتُ منها تحفاً وزيّنت فيها حديقة صدري وأنبتُ من خلالِ شقوقها الشجر..

في داخلي امرأة.. بعضها طفلٌ ونصفها أنثى وكثيرها يميلُ للحكمة، من تلك الحكمة التي لا تعي الحدود وتحفّظ الهُوية أو خصوصيّة الثقافة.. تكون وحدها لوحدها في عالمٍ بعيد.. قد لا يكون مكتملاً ولكنه بالنسبة لها هو عرشها الكونيّ على حياةٍ بائدة.

في الطفولة بعض حقيقة، في النضوج حقيقةٌ مختلفة، ولكن الوعيّ يشملُ كلّ الحقيقة حتى تغدوا الطفولة والنضوج فيها سواء.

يا ترى كيف تكون؛ حينما يصبح كل شيءٍ سواء..!

لا يتشافى القلب حتى ينفتح، ولا ينفتح حتى يعترف، ولا يعترف حتى يغترف، ولا يطلب الاغتراف حتى يعي حجم ضعفهِ ونقصهِ وفراغه.. حينما نأتي من جانب الاحتياج نُحصّل، وحينما نأتي من جانب الضياعِ قد نلقى، ولكن وحده الكبرياء المقيت هو الذي يُخرج الكائن من الجنة والعبدَ من الرّحمة ويطرُد مجامع الشعورِ ويُحلّها على استعلاءٍ لا يليق بالإنسان.. ذلك أن الشعور بالضعفِ يا صديقي قوّة، ومن يتركهُ يترك إنسانيته على قارعةِ الطريق..

هناك تكون الأسماء حدود.. قُصر معرفتنا بالمشاعرِ حدود، ضلالنا أمام الاتساق في جميع تخبّطاتنا حدود، تعدد مرجعيّاتنا حدود.. اجبار ذواتنا على رواية قصةٍ لم تكتمل؛ يحدّها.. وعاقبة الحدودِ أنها تجعل تجربتنا أقصر وامتدادنا أكثر إنحساراً وشواطئنا ضيّقة ونفوسنا غير قابلةٍ للتمدد، وأنا ياصديقي أريد أن أجعل من صدري سماء.. كما كانت لي الحياة سَعةً وأفقاً وارتقاءً وسماء.. ولا أريد أن يحدَها الحسمُ أو تؤطرها المشاركة من حيث تملأني قصص الآخرين ولا أرى لمجراي سدوداً بعد..

الماءُ كائنٌ حيّ.. بل وينبضُ بالحياة، بل ولا يتوقّف.. ونحنُ من خلالِ الرواية نكونُ مع الماء جنباً إلى جنب في صيرورتنا الدائمة، ولكن ما يختلفُ عنا من الماءِ أنه يعرفُ طبيعته، يتصالحُ مع اختلافهِ ويعرُف تعدد منابعه.. جزءٌ منه صافٍ زلال وجزءٌ عذبٌ وبعضهُ مالح ولكن ذلك لا ينفي مائيّته.. سيولته.. ازرقاقهُ او اخضرارهُ أو شفافيّته..

لنا كما الماءِ كينونةُ أصلٍ وكلّ ما دونها لا يهمّ.. واحديّتنا أمام الأوصاف تبقى، ونحنُ ممن يضلّنا الكرب ويحدّنا الوصف وتأسرنا المشاعر.. حتمٌ علينا أن لا نعرفَ لاستهلالاتنا مدىً، أن نكون يوماً في الرطوبةِ ويوماً في السماءِ ويوماً في الغيمِ ويوماً في المطرِ وبعضاً في البحرِ أو لروايةِ البذور في عُمق اليابسة.. يوماً نكون البئر ويوماً نتسلّق الدلو على ملكٍ من العابرين علّنا نرقى بالرحمةِ كما صار ليُوسف.. البقاء لمن يعرُف طبيعةَ مجدهِ في حجم ضعفه..

صديقي العزيز.. 

سيكون لنا من الأقدارِ والأعمارِ والتجاربِ ما يكون.. ولكن العاقبة دائماً في حجم النماء والتوسّعِ والمدى.. وهذا ما يكون هو الأبقى.

لو لم يتعب الرعاة على الجبال، لو لم يتألّم الراقصون، لو لم يسهر الرسّامون والنحّاتون على أعمالهم، لو لم يُقصي التأمّلَ في الحالِ شعراء العالم، لو لم يَقضي الممثلونَ أوقاتهم في اتقان التقمّصِ، ولو لم يهجرِ الكتّاب عوالمهم إلى العالمِ الداخليّ من القَصص.. لما كان هنالك فنون ولظلّ الإنسان يهذي بدواخل الروحِ ولا يألف كيف يترجمها، فالفنون تُرجمان للغةِ الروح..

صديقي العزيز..

نحنُ حينما نصبوا لحياةٍ بلا ألم نكون كمن يبتغي شعراً بلا معنى وأصواتٍ بلا اختلاف وذائقةٍ واحدة.. حينما نتقبّل الألم جزءً من تجربة الحياة الكاملة نتقنُ تماماً رقة استقباله وقت المجيء واستيداعه وقت رحيله.. وكأنما هو يأتي دائماً على غَررٍ ليُخبرك أن ما كنت فيه من لهوٍ لم يكن ليُخطئه..

مع الألم يا صديقي نميل، ننكفئ، نحاول، نسعى، نبحث وندور.. لست هنا حتى أمجّده ولكنه يصنع فينا أشياء ويكبّرنا في أشياءَ لولا حضورهِ بعد الله لما كانت لنا مخاضات وأطفال وعائلة من الانجازات الداخليّة تعلمناها وكبّرناها وزرعنا من رؤوسها أشجاراً فينا عالية.. لكلّ ألمٍ قصّته التي أحيَت في دواخلنا أشياء؛ كانت قوةً في المواجهةِ أو حياةً في الاحياة، أو زرعت فينا حِسّاً تجاه من نكون وكيف نختار أن نكون.. الألم مُعلّمك الذي قد لا يكون رحيماً ولكنه الذي لن يجعلك تنسى قيمة الدَرسِ في حياتك كلّها..

صديقي العزيز..

من يدركُ الحياة يعلم، أن أقاصي المشاعر واحدة.. رأسُ البهجةِ باطنه الألم ورأسُ الألم باطنه بهجةَ التحرر من الخوفِ حول أصعبَ ما قد يكون.. 

الدلالُ والقمعُ يُخرجانِ شخصيةً واحدة تميلُ ولا تكون..

في بطن الصراخ سكينةً وفي بطن السكونِ ضجيج..

من خلال فعلِ الهدوء ياصديقي أرفعُ صحنَ النفسِ عالياً بينما يدور حولي الأطفال ويجرّون من اهتمامي بإلحاحٍ حتى يحصلوا على قطعةٍ واحدة.. في الحياة، يدي التي تفصِلُ راحة النفسِ بالهدوء والصمت عن إلحاح الرغباتِ بالمواجهة؛ هي طريقتي في تجنّب تفرق قطعي وتبعثُر وجهها.. طبقي ثمين يصعبُ عليّ مشاركته مع أيّ أحد..

كرمُ النفوسِ يا عزيزيَ فنّ.. ألاحظه وأحاوُل أن يكونَ لنفسي عادةً وأتعلمه.. صدري واسعٌ للحياة رورحي تتوق دائماً لجلال المشاهدةِ ورقّةِ إبصار العُمق الغائب عن العيون العابرة.. 

هنالك اقتباسٌ يقول :

لربما يا صديقي هو ذلك الذي نحاول التقاطهُ من الشعورِ حينما نتملّك أوقاتنا بحجمها كما تكون، بطبيعة جريانها الدائم، لربما نحنُ حينما رتّبنا في رؤيتنا الحياة استطعنا أن ننهضَ بعامِل الكسبِ على عامل اللهاثِ حتى صار نمطنا بطيئاً، بطيئاً جداً على سرعة الحياة.. لستُ أكرهه بل أعززه في داخلي كقوّةِ حضور.. أو هذا ما أحاوله على الأقلّ..

حتى يكون لنا يا صديقي الألمُ مرادفاً للأمل، والمشاعرُ حتميةٌ للنفس، وتتساوى في عينينا موازين الحياةِ والشعورِ والرضى بجميع ما نملكه ونكونه.. أرجوا يا صديقي أن تجد طريقتك في التعامُلِ مع كلَ هذا بلا خوفٍ ولا ريبٍ ولا تخّبط، وانما بامتلاء وثقة المتوكّلين الشاهدين.. 

حتى ألقاك.. أرجوا أن تكون بخير.

صديقي العزيز.. 

لا مجال في الحياة للوقوف، لأن جميعُها ماضٍ.. فإذاما يوماً انتبهت وجدُتني أعيد التوكيدَ على قناعاتٍ صارت مع الأيام راسخةً وجزءً من اليومِ والقلبِ والممارسةِ والحياة.. ما عُدت أخجل من القول أن بعض أوراق الأحلام قد تطاير وبعضها يكون تحت يديّ مما أحاول الإبقاء عليه يا عزيزي، ليس لقُصر الهمّةِ بل لاستطالةِ أُفق الهمّ.. وكأنني قد كُنت أبحث عن غُصنٍ فأوتيتُ حقلاً وشجر، وصرت مشغولةً جداً بإنعاشِ كلّ زاويةٍ في المزرعة.. وهناك، عند الشجرة الكبيرة ياعزيزي توقّف نبضُ قلبي فعرفتُ من الدنيا حُباً شملني عن كلّ محبوباتي قبله وأرداني على ركبتيّ للاعتراف أنه هوَ هوَ قد كان غايتي في كلّ الأحلام والمنشودِ وما أبحثُ عنه .. علمت حين توقّفت أن سعيي سيتغيّر، وستكون السقايةُ لي حالاً بعدما قد كان لي من البحثُ عن درب الهُدى أحوال.. عليّ الآن الإلتزام بمهمّةٍ واحدة، وما دونها يأتي تباعاً.. جاء أم لم يأتي، وكيلي الله.. وذاك هو اختبار إيماني..

صديقي العزيز.. 

لقد تحررت حينما اعتزلت صراعهم ونجوتُ بنفسي.. كنت أظنّ أن كلّ شيء يهدأ حالما نُغلق الصوت جاهلةً بأن المتحدّث يستمرّ حتى ولو كان سكوته من اختياري ، كما قلت لك .. لاشيء يتوقّف في هذه الحياة، كُلها ماضٍ..

هل تعلم يا صديقي حجم أن تنتبه لشيءٍ واحد؟ أن تتعلّق أفكارك القلقه والخائفة والمُحبةُ والراجية والصغيرة والكبيرة والعاليةُ والهادئة، على طاقةٍ واحدة..؟

أن يستوي في ميزان عينيك كلّ ما هنالك، وتفتح النور على ما هُنا..؟ 

أن تتفحّص حجم ما يكبُر في داخلك ويموت كلّ يوم..؟

أن تأخذ بين يديك طفلَ الرغبات وتدفنه بالتراب لأنه ما عاد يخدمك؟

أتعلم حجم أن تختار وعيَك بينما يغرق الجميع في الاوعي وأن تدرك برد الحقيقة بينما يستمتع الآخرون بدفئ الزيف؟ 

هي أشياء يا عزيزي لا تقال، أعطيك منها الزُبد أو ما أستطيع توريته .. ولكنها في عُمق المحسوس، عمق المخفيّ، عمق الملموس.. هي في كلّ شيءٍ من حولي وفي جيوب الخفاء أيضاً.. هي اللعنةُ والحظّ والنعمة والنقمة والنور والظلام..

هي لأنها هيَ، وهي لأنها لا تتغيّر.. تدور، تربّي، تمضي، لا تتوقّف نعم .. لكنها لا تتغيّر..

أشتاق ياعزيزي لضوئك الحاضر في النور.. لجلال ابتساماتك، لجمال رقصتك التي تؤديها مع الحياة، للطافة الأشياء في عينيك، لاستصغارك للمواقف العابرة.. أحبّ فيك قوةً تختلطُ معها الرحمة وطفولةً تمتزجُ فيها الشهامة وروحاً أستطيع من خلال بوحكَ عناقها بالصوتِ والمعنى..

أعلم أنك الآن في البعيدِ مما يُشغل الأيام ويشعلها.. وأنا ياعزيزي في أيامي مدىً ورحمة وانغماس.. أحرّصك أن تبقى كمن تكون، أن تعلم أنها لا تتوقّف، أن ترى المُضيّ بقلبٍ سليم.. وحتى ألقاك لعناقٍ قديم، أتمنى أن تبقى بخير….

أن نجلس تحت شجرة الحياة الكبيرة، ونتحدّث ولا نأبه بالوقت الذي يمرّ.. أن نتحدّث طويلاً وبعُمقٍ حول مخاوفنا الكثيرة.. أن نعيش كلّ فصلٍ كما يكون، بمساحاته كلها.. أن نرتجي المغفرةَ مع الذبول ونقاوم الصقيع ونُمثرُ في ربيعاتنا حتى تميل أوراق غصوننا باحتمال الثمر..

أن نكون نحنُ، مع نغم الحياة.. نضّمها حيناً ونرقّ عليها حيناً وتؤدّبنا في أحيان، تُخرج منا عصارتنا، ترينا عصارتها، تفاجئنا بالأقدار في أحايين وتضمّنا في أخرى.. من جانبٍ تُشعرنا أنها أحنّ أم، ومن آخرٍ تردينا كما حبيبٍ مُجافٍ..

ننام بين غصونها كما تحنو على طير، نحلُم بأن تكون لنا السماء عنواناً كما كانت لكلّ الطيور طريقاً ومرحلة..

نعانق الأُفق بالأمل… 

أن تكون لنا يا صديقي من الحياة علاماتٍ منها نقرأ للحال حتى نُفيق.. دروبٌ هي الحياة، أغصانٌ كثيفة تأخذنا إما لمحاسنِ الارتفاع أو محنة السقوط.. ما أثقل وقع السقوط وما أحلى الطيران فيها.. 

حينما تسقط؛ يبقى لديك مكانٌ واحد ووحيد.. هي السماء التي تراها، أفقك الذي تعزوا إليه بلا قلق.. وعزلتك التي تشافيك من كلّ هذا العالم؛ طريقك إلى الله..

دعنا نقتسم الحكمة ياعزيزي بين وبين، لك حلاوة الثمرةِ ولي منها الريق الطيّب والفال الحسنُ وحماسة الانتظار.. دعنا نشاهدُ روعتها سوياً، دعنا لا ننخدعُ فيمن بوسعه أن يستغرقَ في جانب الأخذ والتناوُل وبين من يسحره الجمال.. دعنا نراها كما هي.. مكتملةً، بهيّة وراضيه، مغريةً ولكن ليس على الدوام.. من حيث يكون الإكثار غصّة، والتخلّي كِبْر، والقليلُ المتخففُ هو أوج الكمال..

دعنا نمشي يا عزيزي قليلاً قليلاً وعلى مهلٍ مع أوسع أقدارنا..

دعنا نمرّ بكلّ شيءٍ على حضور،

دعنا نستغرقُ في جلال الصمت وسط كمال الأفكار واحتدامها حيناً..

دعنا نقدّر جميع تلك الأصوات التي تمرّ وتلك التي تترك في عبورها أثراً في كياناتنا.. لنتلمّس ياعزيزي مشاعرنا كما هي بكلّ خباياها كما لاتُبديها علينا النفس سريعاً..

دعنا نقاوم انفعالاتنا السريعة ليس من مكانِ جحودٍ ولكن من بوابةِ ثقةٍ وعلوٍّ خفيف.. يشاهدُ ما يكون ويشهد عليه كما هو..

قد يكون في الحياة يا عزيزي ما لا يُفسّر.. فكُن لي ومعيَ من الحالمين.

صديقي العزيز..

أتفكّر بالأُنس الذي يأتينا ملئاً من بعضِ من لا يقتربون لنا بالدمِ ولكن لهم في الروح مكان، وفي النفس باب، بل وأبوابٌ منها يدخلون بلا وَجل.. وعليها ومنها وفيها يحكون ويحاكون أجزائنا.. لا يبعثرون المكان بل يزيدوه نوراً ويضاعفون مشاعرهُ ويستقبلونها كما تكون.. يرضون بقليلنا ولو كان صغيراً، يحبوننا كما نكون، يعتزّون بصداقتنا، يشاركوننا الطريق ولا نشعُر بجانبهم بالحاجةِ لشرحِ ذواتنا من جديد.. معهم لا نشعر بالحاجةِ لترتيب دواخلهم وكأنهم يأتوننا مستعدّين حتى يكونون إلى جوانبنا فحسب.. لا نرتبكُ معهم من الكلمة ولا نخشى مما قد نقول..

على الجانب الآخرِ قد يأتينا ضيوف في منازل الروح.. شديدوا الضجيج، يكونون هنا بنيّة أن نصلحهم، يأتون بعد انعطاب جميع أدواتهم طامعين بسكينتنا التي عكفنا عمراً لترتيبها.. مزعجون، عنيدون، مبعثرون في دواخلهم.. يحاولون اسكاتنا لأن محاولاتنا التي تنطوي على عُمرٍ من الأسئلة يفهمونها كمثاليةٍ زائفة.. ضوئنا الساكن يستفزّ بعثرتهم، هم لا يريدون إيذائنا بل وقد يحاولون جذبنا لعاصفتهم ظناً منهم أن هدوئنا مزحة.. وأنا يا صديقي أرتبك، في خِضمّ كل ذلك.. أرتبك، لأن منزل قلبي يحاول كلّ يوم أن يتطهّر من أخطائه وينقّي مدخلاته.. لأن عقلي كلّ يومٍ يستزيد، ولأنه طامعٌ بالراحات على التعب.. أتعرف يا صديقي خوف الوالدين من أصدقائنا حينما نكون في مرحلةِ التكوين؟ هكذا أخاف على نفسي من محيطي في كلّ مرحلة.. قد تجدني قليلة الخِلطةِ شحيحة الأصدقاء ليس لأني أعكفُ على عزلتي كما العابِد على روحه ولكن لأن منزلي يقعُ في الرفّ الأخيرِ العتيقِ من الكتب، ومصطلحاته قد تكون صعبةً بعض الشيء لقارئ الحياة المبتدئ، يتعبه الكتاب كما تشقيه اللغةُ والكتاب بذاته يتعب من محاولات قارئه ليفهم، فلا المتصفّح السطحيّ اكتفى من فكّ شفيرته وتركه يركنُ في هدوءه ولا الكتاب استطاع أن يجلّي معانيه لقارئه البسيط، لذلك يعيشان على سواء، القارئ السطحيّ وكتابه، على طاولةٍ من فراغ سحيق بينهما.. هي المسافات يا عزيزي ما تربكني.. المسافات بالفكر بيني وبين جيلي التي تشعرني دائماً بغُربة اللسان أو مسافةِ المنطق…

أحب تلك المقولة التي تقول : “علّك تجد من يتحدث لغة قلبك حتى لاتُمضي عُمراً في محاولة الترجمة.” 

وهذه التي تقول : “الزرع يكون دائماً هو الأينع بالاخضرار حيثما تقفُ وتسقيه.”

هو الوقوف ياصديقي.. حيثما نكون، والسقايةُ كيفما نستطيع، بهدوءٍ وكلّ يوم، حتى تتنامى أعشابنا، ونخضرّ.. حتى يميزُ الله لنا مكاننا في هذا العالمِ من خلال الاخضرار اليانعِ، حتى نستكينُ للكيف، ليس بمن يكونون حولنا فحسب.. 

ومع الكتابة.. أجدُ روحي معروفةٌ لك جداً، وتحبّك جداً وتستشعرك بشكلٍ عميق.. أراها حُرةً طفلةً فسيحةً بالوجود، أكبرُ من حضن لغةٍ واحدة وأوسعُ من المنطقِ وأكبرُ من الحب.. إلى الكتابةِ أمضي كمن يرفعُ رأسهُ للسماء ويتفكّر هروباً من منطقِ الأرض ويباسها.. ومع اللجوءِ ذاك أراني كلّ يومٍ بالشعور أهطُل مطراً وأشافي دواخلي بأبسط الكلمات، ليس لأني بذاتي شافيةً وحاشا ربي، بل لأنه برحمتهِ يُرسلُ على لسان روحيَ ما أستطيع من خلاله بالمعنى أن يكون لي شفاء وبالكلمةِ أن يُحقق كتابةً م ، لا أصنّفها من الأدبِ ولا من الفكر، ولكن أستطيع القول أنها تكون نابعةً من مكانٍ قصيٍّ في بئر روحي تواسيني مرةً وتبكيني مرات ولكنني معها بالعهدِ والوعدِ والطقسِ حتى تُخرجَ لي الماء، ولا أتركُ دلوها حتى ترويني، حتى أستقيم..

ولأجلِ أن ألقاكَ ياصديقي بخير.. 

أتمنى أن يكون حولك دائماً من يعرفُ كيف يقرأك، ويستحلي عذوبة روحك ويكون قريباً منك.. ويؤانسك.. 

حتى ألقاك،

كن بخير.

صديقي العزيز..
تعال، ودعنا نتحررُ من خلال الكتابة، نعلّي موجة الصوت بالمجاز، نرقُص مع السجع ونتمايلُ بالمرادفاتِ الدقيقة..
تعال، حتى أُعلمك من خلال القلمِ مافقدتهُ في نفسك.. سأجلّي لكَ المعنى، سآخذك في رحلةٍ طويلةٍ من الأصوات، أُعرفكَ على المتضادْ فيك والمتناغمِ منك وجزئك العميق الخفيّ..
تعالَ للكتابة..
ففي الكونِ ياصديقي أصواتٌ لا تسمعها إلا في الوصوفِ، كانقباضةِ القلبِ وحرارةُ الخجلِ الظاهرِ بحُمره، ودهشةِ أول المطرِ على خدِ طفلةٍ تشهدهُ للمرةِ الأولى، علوّ الشجرِ وعِزّةُ صمت العَالمِ أمام الجاهلِ وجنينُ القصصِ من التأمّلات الطويلة التي تنجُب قصيدة، وطفولتنا كجميع البشرِ حينما نلجُمها بواجبات النضوجِ..

تعال إلى كوكبةٍ من كلمات.. تُخلَقُ كلّ يوم، تبزُغُ مع كلَ شمسٍ بفضلٍ ورحمة، ومع كلّ كتابٍ تُغلقهُ ثمَة آخرٌ مخبأٌ فيك.. لا تخرجُه سوى الكتابة..

صديقي العزيز..
دهشةُ هذا الكون الذي أُخلُق فيه كلّ يوم لا تخطئُني، وكما أُحبُ في المشاهدات أن تختلف القصّة في كلّ حلقة، حلقاتي تكون في تسلسل أيامي تبدوا في المشهدِ واحدةً ولكنها في مخبَرِ الشعور والمواجهة، قصصٌ تتبدّل كلّ يوم وكلّ ساعة وكلّ لحظة.. ففيما تراني أُسافرُ يوماً للشمالِ من العالمِ وأضيع بين الثلوجِ في قصةٍ ما، تراني في اليوم التالي في عُمق التاريخ أبحثُ عن اصول الشعر الجاهليّ وعادات العرب.. تُتقنُ الحياة ياصديقي، تتوسّع، تنهضُ وتختلف من خلال الرغبةِ في ايجاد ماهو جديدٌ على هذه النفس، واللحاق بما في وُسعه أن يملأها.. كلّ يوم.

صديقي الحبيب..
نحنُ أجرامٌ صغيرة.. شُقْت وحُجبت بالفضول عن السماء.. كان لنا هنالك بيوتاً وأهلاً وروحاً وفضائل، لم تكُن الخطيئةُ جزءً منا.. نزلنا فكان النزول دُنيا، نحنُ الذين نتوق للسماء نشعرُ بالفصلِ عن جزئنا الأوّل ورحمتنا الرغيدة.. نُحسُ أننا هنا مكبلون أيّما حملتنا الأرض وكيفما كان شكلُ حيواتنا، ليس لأننا ياصديقي خليُّون من أخطاء البشر ولكن لأن جميع جميع هذه الدُنا لا تكون لنا بحجم مايراها البشر.. أشاهدها دائماً من بعيدٍ فتصفوا لي جميع أحقادي، ويلين الماضي بين يديّ ويعبرُ بي الزمن.. لا أعافرُ فيمضي كلّ شيءٍ لي ومن حولي حسبما يقول له الله كُن فيكون..

دعني ياصديقي أنزلُ بك قليلاً من صفحاتي.. أتواضع حتى لا أرتقي فيك وأشعُرك أني فريدةٌ في هذا الكون فنحنُ جميعنا واحدٌ من واحد.. نحنُ واحديّون في طفولتنا وسماويّتنا قبل أن تصبغنا الشمس وتطبّعنا الأرضُ وتكبّلنا عادتنا..
عليك نقاءً وسلاماً دائماً ياصديقي.. كُن بخير.