Wed.. 10.July.2024
“يأتي الصمت أحياناً بوصفه رفضاً، مثل تعفف عن القول بوصفه ابتذالاً، عن الكتابة بوصفها ابتذالاً، ليكون الصمت غاية اللغة.
وإذا كانت البلاغة هي موافقة البيان لمقتضى الحال، فما الذي يفوق بلاغة الصمت؟
أحياناً تبدوا الكتابة مثل طرطشةِ ماءٍ على الضفاف، وتحرشٍ أبديّ على حافّة ما يستحيل قوله.”
-بثينة العيسى.
يعجّل الله الرزق في الدنيا لسبب، ويؤخّر الرزق لأدب.. إن شعور الإستغناء والإستحقاق والكذب على لسان الأقدار التي تحركنا على مهلٍ وعَجل؛ أساليب للخائفين من الإيمان بفساحة الربّ الواسع الكريم.. لعلّ ما يجعل كلّ قدرٍ في هذه الدنيا مجال قُربٍ أو وسيلة اعتراف هو وجود النغم الخلفيّ للخلق والتكوين والتسيير والحكمة، الحكمة التي لا نفهمها، الحكمة التي لا نستطيع الخروج عن دوائرها ولو مكننا الله.. لأجل كلّ ذلك، احمد الله.. احمدالله يا صغيري أن وكيلك عزيز وأنت له عبدٌ أعزّك بوكالته وولايته وحده..
مرحباً يا صديقي وسأعجّل رسالتي لك اليوم لأنني أشعرُ بأمور مختلطةٍ على قلبي ومجتمعة فيه.. وإني كلما فتحت حال الحالِ لأرى، وجدتني قد وجدت بعد الفقدِ أكثر مما قد كان لي من قبله بالمكسب، ولقيتني وقد اطمأننت، لكلّ الميسّرِ وجميع المدبّر..
أخبرك، أنه ورغم استطالة الأيام الحارّه، أن في داخلي تبسّم، لم أقترب ولم يقترب لي أحدٌ ولم أُفضِ مافي دواخلي منذ زمن، وعلى العكس من الإفضاء والمشاركة أجدُ أن خلوّ الحالِ من ذلك الحال العريضِ بالقولِ مؤنساً بشكلٍ مشجّع، أقرأ كتباً طويلة وأنهيها بأيام، تثير في داخلي أسئلةً جديدةً حول عوالمٍ وشعوب لم أفكّر بها يوماً، أيامٌ هادئة وقراءاتٌ غزيرة تثير لحن وجودي..
لا أخفيك، ظننت لوهلة أن هذا الطول، وهذا الصيف، وهذا القيض الذي يحيل كلّ استطابةٍ لامتعاضة، أنه سيجعلني أرتبك أمام اللحظة، وأخاف من إتمام الأمور ولعلّي بفضل الله ورحمته قد تجاوزت نفسي بالإدراك والصبر .. الإنجازات البطيئة تشحنني لسبرِ أغوار صبري الذي انتقدتهُ دائماً.. الصبرُ على حالٍ دائمٍ يُفتّحُ لك أبواباً من السَعة، أنت الذي قد ظننت نضوب اهتماماتك مع الوقت، ها هي تشتعلُ من جديد! وتشغلك..
ما أحلى انشغال المرءِ في نفسه يا صديقي.. ما أعذب أن يُشغلك فضولك عنك، وعن العالم، وتكون من خلالهِ عبداً للمعرفة.. الفضول الذي لايوصلك بأحدٍ ولكنه يشبكك مع العلم، العلم الذي يطولك ويملأك ويشحنك ويذيبك ويرفعك ويطوف بك، العلم الذي يريك أن الحياة بكاملها صغيرةٌ جداً جداً أمام بحره، وأنك لو بلغت الزمن كلّه فلن تُعلوا مداه، علمٌ يبلغك ضعفَ عُمرك عن بلوغه .. وأنا أحبّ هذا الورث الإنسانيّ مما حاول الأوّلون أن يهمسوا لنا فيه، وبقينا في هذا الزمن عاجزين أمامه، ولعلّ للعلم مفاتيح أوّلها الصبر على عاديّة شكل ممارستك بين الناس وآخرها أن تكون المستلذّ الوحيد الذي يفتح كتابهُ في منتصف الليل وبسكون العالم طالباً دهشاته الخاصة .. ساعياً إليها، ساعياً لنفسه..
أحرصُ دائماً على أن لا أسعى خلف الشعور بقدرِما يكون سعيي خلف جودة المعنى، فقد يغريك أوّل الطريق بجمال مشاعره حينما يداعبك حفيف أشجار الفضول المتلاقيةِ في أطرافها وتعجبك من نفسك الرغبة وترى خطواتك تمتدّ بلا تعبٍ ولا خوف .. تخشى عليك أن تكون في المنتصفِ وقد فارقت الفضول وبقيت في تحدّي العزيمة، هل ستكمُل حتى ترى النهاية بعد النفق، أم سترجعُ لتتنعّم بجمال البدايات التي سحرتك رغم النهاية المغمورة، أن ترخي يديك للعلم يعني أن تتوائم مع شعورِ تعدد الطرق، مالا يُلغي الوصول الى الغاية ولكن التعدد سيجعلك متواضعاً أمام حالِ عدم الحسمِ الواحد للمعرفة. ستظلّ ياطفلي طفلاً أمامها، صغيراً على النظر بعين ثاقبة حيث لاتكون سوى في غابةٍ نمت جذورها منذ ملايين السنين وعُمرك لم يبلغ عقده الثالث بعد..
قد أستطيل ياصديقي بالحديث عن العلم وأنا لم أبلُغ شواطئه.. ولكن ما يغريني فيه هو هذا الصبر الطويل، هذا الصبر العريض الذي يفاجئك بوسط عاديّته بيوم فضول، فتسترخي بعد ما قد كان يمرّ ببطئ أمام واحةِ الاستزادة العريضةِ من المحبة، من المعرفة، ومن العلم ..
حتى ألقاك يا صديقي وجداً ووجوداً وبلوغاً.. أرجوا أن تكون على خير ما تحبّ، وخير ما أحبه لك..
كن بخير.