ولمست الخلوّ الساكن، شعرتُ به يأتي إليّ، يقضّ مضجعي، الوحش الذي حاولت بشتى الطرق أن أهرب منه منذ طفولتي، وحاولت أن أعبئ نفسي حتى أطفوا؛ وأشاهد السماء دوماً.. لم أكن أبتغي أن أمارس السباحة مثل الجميع وأعترُك مع ماء الحياة.. كان الطفوُ والصمت الذي يعبّئ أذناي من الماء، وملوحة بحر الحياة التي تجد مكانها إلى انفي وفمي كافيان، مادُمت أشاهد السماء؛ أطفوا باهتماماتي ولا أثير ضجّة السباحة أو أتعرّض وأعترض كثافة الماء..

كان هنالك شيء يثقل نفسي حينما أشعرُ بالواجب تجاه أحدهم، الطفوُ لمدةٍ طويلة يجعلك تدمن تلك الخفّة التي تبدوا على جسدك ولو كنت ثقيلاً على اليابسة، أنت في الماء بوساعة الاهتمامات تستطيع أن تطفوا وتفقد وزنك، تفقد أذنك، يغمرك السكون في حضرة الأزق والأبيض والعتم والنور، تسترخي عن يديك، عن رجليك، تطفوا فحسب..

غريبون نحن البشر، قد نحبّ ما قد كنا نهرب منه.. ها هو الماء يعلو واهتماماتي تصير ثقيلة، ورغم مناعتي وحبي للأفق أستطيع الآن أن أشعر، عليّ أن أستقيم في مواجهة كثافة الماء وأسبح لبعض الوقت، عليّ أن أختلط من جديد وأمرّن عضلاتي على التقبّل وأمارس إيماء العقل والحديث والحالِ وأمتهنُ الفهم والمواراة والمشاعر الظاهرة والمشاعر الباطنة وعليّ؛ عليّ أن أسبح،

غريبون نحن البشر، قد نحبّ ما قد كنا نهرب منه..

هاهي ذراعاي تمتدّ وكأنني سمكٌ يعرف أسرار البحر منذ مدّةٍ طويلة، هل فادتني قرائاتي؟ هل كانت الكتب لي أخشاباً أتسلّق عليها فتيسّر سباحتي أمام هول الماء الذي يمتدّ لآخر الأرض ولا ملامح لليابسة؟ من الذي يساعدني سوى عناية الله ولطفه العظيم؟ أجدُ في نفسي وبذلي لها سكوناً رغم التعب، يبدوا في قلبي كلّ أمرٍ في مكانه، أبدوا رغم الحركة الدائمة الدائبة في مكاني الصحيح.. هنا سكونٌ كما هنالك سكونٌ ولكنني هنا أمارسُ، وهنالك لا أتحرّك، هنا أطبّق وهناك أتعلّم فحسب، هنا أكون جسداً بروح وهنالك أكون روحاً بلا جسد، فمن أنا ومن هم وما هي هذه الحياة وما يكون مجاز الماء ولماذا يستنزفوننا البشر، لماذا نبدوا مليئين بالروح خالين بشهوة الجسد، ولماذا تبدوا المغريات أحلى من بعيد؟

هل تضمُر العضلات في نهاية العُمر فنعود للطفو؟ ها أنا أشاهد الجميع يسبح، حتى والدي السبعينيّ -رحمه الله- لم يبدوا بأنه يميل للهدوء والراحة، يبدوا قد أدمن الجسد والروح على حدٍ سواء.. والدتي الستينية تحبّ طفو الروح ولكنها أيضاً تسبح، ماهذا العالم الذي يرغمك أن تكون مالاتكون، ويحببك فيمن لا تكونه..؟

تبللت يا صغيري؟

تعلّمت السباحة؟ 

آذوك بالتحرّك؟ 

مِلت مثلي إلى الطفوِ أم أحببت العمَل؟

سيحرّكونك.. ستحبّ الذي كنت تكره، وقد تكره الذي كنت تحبّ، ستولد من جديد، ستتغيّر وسيكون لك الفضول في أن تُسبر أغوار نفسك الجديدة أكثر.. البحر لا يُدمي واليابسةُ لا تُغرق، السكون يزيد روحك والسعيُ قد يضيف إليك الكثير.. فتعلّم أنلا تتعلّم، أو تعلّم كثيراً ولكن لا تحسم نفسك، فكما كلّ الفصول؛ ستتغيّر.

أضف تعليق