هي سماء واحدة، كلّما فتحت الباب رفعت عينيّ ورأيتها، مرةً كان في خاطري الحريّة، مرةً كان في خاطري السحرُ والشعر، مرةً كان في خاطري فرح أو إلهام.. وبعيداً عن منازل القمر التي تبثُّ في نفسي الجمال من فرط حُسنها ؛ كانت ترتدّ السماء عليّ دائماً بالثبات والسكينة، السكينة التي تقول أنني دائماً هنا، والثبات الذي يقوّي أضلُعي في التوقِ والطلب.. من خلالها كان لي من كلّ فكرةٍ مهرب ومن كلّ بلاءٍ بعد الله عافية، لم تكن السماء جسماً وأجراماً وزُرقةً أنظُر إليها فحسب.. كانت لي مخرجاً يؤنسني، رفيقاً ينادمني، وصفحةً بعيدة تسرقني من وحدة عزلتي إلى دهشة الكون وتمدني بالكلمات والرؤى والخطوب، وتحاكيني .. وقد كانت لي دوماً عافية..

يقول الشاعر الألماني راينر ريلكه، في رسالة: “لا تبحث الآن عن الإجابات التي لا يمكن أن تُعطى لك، لأنك لن تستطيع أن تحياها. والأمر يتعلق بأن تعيش كل شيء. عِش الأسئلة الآن، ربما يجعلك ذلك تعيش يومًا ما، بالتدريج، في الإجابة، من دون أن تلاحظ.”

ولربما هو ذلك ما أفعله الآن بالضبط.. أحسّ بأنني داخل الغيم أو فوق السحاب بشكلٍ ما، أعلم أن حياتي الآن ووضعي الحاليّ هو ليس كلّ ما هنالك، أعلم بأنني مُقبلةٌ على مرحلةٍ ما، لا أعلم كيف ستكون، ثمّة ضبابيةٌ تحاوطني، وأسئلةٌ تنام وتستيقظ معي، ولا أعلم أكان الأمل أم الرضى ولكنني حيثما أستحضرُ من خلال أسئلتي الخائفة تسليمي لله، إيماني به يؤتيني ثقةَ أن ما سيفعل بي ويوجّهني إليه سيكون هو الأحكم فيما يشاء، وما سيجعلني أقوى وأرضى، فليأخذني لأقصى الأقصى؛ سأجدني بخير..

تأمّل يا صديقي فيما حولك بالأشياء الساكنة، بالمواطن التي تكون في حياتك اعتياداً وشاهدها معي للحظةٍ وكُن عليّ من الصابرين..

في حقيقة الأمرِ أنت لا تنتقل، أنت تتنقّل بالشيء الذي داخلك وبما مَعك.

في حقيقة الأمرِ أنت لا تتغيّر، إنما تتشكّل وتتكوّر وترى الجوانب التي لم تراها منك بعد، وهي من تكوينك.

في حقيقة الأمرِ أنت لا تحتاج.. أنت تشتهي، وترغب، وسواءً تمّ تلبيةُ رغبتك الآن أو بعد حين، تُراك ستكون بخير.. فعدى احتياجك الأجوف من النوم والأكل والمخرج، أنت بخير.. صدّقني..

في حقيقة الأمرِ أنت لا تفشل أو تنجح، أنت تهوي في عقلك وحسب، تدور في دوّامتك، لن يعبئوا بما حصل في الحقيقةِ بل سينظرون في مدى تماسك عينيك ومدى تقبّل روحك، إن انهزمت فأنت عدوّك ومتى قاومت فأنت بطلك. قصّتك تعود إليك فحسب، وما المشاعرُ فيها إلا نفحٌ من النسيم، والحقيقةُ هي الثابتة.

في حقيقة الأمر أن اختلاف الحال لا يُغيّرك، لأنك من خلاله تتشبّث دائماً بمواضع ثباتك حتى تعود لما قد كنت عليه .. لربما تغيّر الحال يجعلك في داخلك أثبت مما قد يغيّرك!

في حقيقة الأمرِ نحن لا ننسى، إنما نتعلّم مما قد فات، نهضم الحقيقة أو ندرك أشياء تشبهها، نراكم جبال معارفنا ولن يطرأ عليك الذي تعلمته قبل الأمس وستعتقد أنك قد نسيته، ولكنه جزءٌ منك، تتذكّره بعد حين.. لن تعبر عليك التعاليم معبَر النسيان ولكنها سيّدة التذكر فانتبه لما تضعهُ في رأسك..

تلك هي الحقيقة كما أراها.. تأمل في السكون من حولك وجميع ما يجلُب لك الطمأنينة، دائماً سترى أن الحقيقة ثابتةً رغم جميع الأشياء التي تتغيّر.. لا تأخذني جواباً الآن، امكث في أسئلتك الخاصّة حتى ترنّ معك الأجوبةَ في لحظة تذكّر، فتلك أنا وأنت أنت..

أضف تعليق