Fri.. 2.Feb.2024
“إنني أحب هذه الحياة حباً لا تكلّف فيه وأريد أن أتكلّم عنها بحريّة: إنها تمنحني كبريائي لكوني انساناً. ومع ذلك، ما أكثر ما قيل لي: لا شيء يدعوا للفخر. بلى، ثمّة ما يدعوا الى ذلك: هذه الشمس، هذا البحر، قلبي المتوثّب بالشباب، جسدي بما فيه من طعم الملح، والمدى الامحدود الذي يلتقي فيه الحنان والمجد في الصفرة والزرقة. فلأوقفَ قوّتي وطاقتي على تحقيق ذلك. كل شيء هنا يتركني بِكراً، فأنا لا أتخلى عن شيء من ذاتي، ولا أتحجب بأي قناع؛ يكفيني أن أتعلم بصبر علم الحياة الصعب الذي يفوق كل فنون الحياة.”
عن شعور بقعةٍ دافئةٍ من أشعةِ الشمس، يرتمي عليها جسدُ البردان فتغطّيه..
عن شعورِ أن تكون مكفولاً محمولاً بين ذراعيّ أمسكَ وكأن الغد لم يوجد بعد..
عن شعور الرحمةِ حينما يغتال كلّ فكرةٍ سيئةٍ كانت تجول، ثم يمحيها فتراك تتحوّل للواجب..
عن شعور الإلفةِ بالابتسامةِ حينما تأتي بعد حديثٍ طويلٍ من يشاركك فيه كان يصغي لكلّ حرفٍ تقوله..
عن شعور الاتساع حينما يضيقُ كلّ ما بيننا فنتذكّر فكرةً طيّبةً واهتماماً عزيزاً فنرنوا بتقديرنا إليه..
عن شعور اللحظةِ التي نتوصّل فيها تماماً لموقعنا المناسب في الحياة بعدما طالنا الضياع عُمراً، فنستكين إليه..
عن الشعور الذي تجدُ فيه ضآلةَ ما يملأك .. فتتمسّك بكلّ قطرةٍ منه راغباً أن تكون اهتماماتك هي وسادتك الدافئة من الحياة..
عن شعورِ السكينةِ بعد صَخبٍ والراحة بعد خوفٍ وكلمة الحنانِ بعد طول جفاء..
هل هو ذلك فنّ ممارسة الحياة؟ أم هو فنّ وجودنا البشريّ فيها..!
أتفكّر يا صديقي أحياناً..
هل نحنُ لنا، أم لهم؟
إلينا علينا أن نولي العيون أم إليهم؟
كيف نُخلق ونحن بهذا الانفصال، بتلك الوحدة، وكيف تحتجب الوحدةُ بوشاح الصِلة الذي لا يكون دائماً هو الاتصال..؟
كيف مُنحنا اتصالاتنا من بين البشرِ وكيف قد كانت لنا عزاء..
أتفكَرُ وأخاف أحياناً من تلك السلوةِ العزيزة التي تحتضنني هنا.. في عُمق الانفصال عن جميع الاشياء والشخوص، وعُمق الاتصال الداخليّ.. لذلك يدور فيَّ سؤالي؛ لمن نحن؟ ثم أتفكّر بمنهج الإسلام وأراجع القول أننا حينما نكون للاخرين فنحنُ نكون إليهم ليس من أجلهم، بل لذات الأجَلِ الأبعَد.. في الإسلام هنالك دوماً تفسيرٌ يُعنى بالسماءِ من حيث لا يكون ما نقدّمه أرضيَاً محضاً.. فمن كان له الوصلُ ثقيلاً ليتذكّر أبعاده، ومن كان له الانفصالُ بالنفسِ صعباً ليتذكّر آمادهُ السماويّة فتهون الأقدارُ على قلوب أصحابها شيئاً فشيئاً..
لجميع تلك المشاعر يا عزيزي أستطيع القول بالهوينا.. على النفسِ ونفورها من ذاتها، على الروح وتوقها لسكينتها، على مجامع الدواخل وتحدياتها؛ سنكون بخير.