يقول جبران خليل جبران :

ويقول :

وأنا يا صغيري قد جلست إلى الصمت بين الكلمات، والصمت بين الآخرين، وقلّبت أحداث حياتي بين الواقع المشهود والأحلام القريبة، وأخذت أنظر من زوايا يعرفها البعض ولا يألفها آخرون، وحاولت بكلّ ما أستطيع أن يكون لي في توليف النفوس على ذوات من أحبّ؛ يدّ، وما كانت يدي يوماً عابرةً بذلك الوصل إلا على من قبِل واستطاع وشابهت نفسهُ مبتغاي بالوصول ولمس طريقه طريقتي.. 

وإني يا صغيري لا أعوّل كثيراً على صحّة الأشياء التي تنوء بي على هذا الدهرِ وحجم القلق الذي يغتالني قبل النوم ومن كلّ جانب، ولكنني أتلمّس في العلم طريقاً أتوصّل به الى الحكمة، وفيها وإليها يسيّرني حدسي الذي أحياناً يخطئ وأحياناً يصيب، ولكن الإستماع له يورثني حريةً في النفس أشتهي أن أكون في مدارها وأحبها .. أحاولُ دائماً فكّ رابطتهِ عن الهوى،

وقد لا ندرك أنه من خلال انفتاحنا على الناس أو انغلاق أدراج ذواتنا ودرجاتنا عن الآخرين أننا نزيد من تعميق سحرنا الخاص وتنقيح رؤيتنا الخالصة تجاه الحياة، فحينما لا نُشرك فيما نفكّر أحداً، ولا نأخذ الرأي عن كوامن ذواتنا في أيّ مناسبة، نجد أننا في دواخلنا أيضاً نتحرر بين رابطةٍ نبتغي أن تكون فينا ثابته وأخرى مع آخرين تعطي ولكن من منحىً آخر يقاربنا في الإعتقاد ولا يساوينا في العوالم الكامنة..

الآن أعرف يا صغيري الحبيب أن السرّ لا يُكشف إلا من خلال مصداقيّة الابتغاء وحقيقية السعي وأمانة الذات أمام نفسها .. أنه محجوبٌ على من لا قلب له للإحساس به ولا أُذن له لإصغائه ولا عين له لرؤيته .. أن الشجاعةَ يا عزيزي مقرونةً بأدقّ الأشياء لا بأوسعها ولا أكبرها ولا أعلاها بل هي الحجاب والستار الذي يكشفُ عن نور كلّما اقترب الإنسان إلى ذاته خطوة، وبين الخطوة والخطوة للنفس مسيرة أعوام .. وحياتنا يا صغيري قصيرة، قصيرةٌ جداً على أن نُحبس فيها من حلاوة التذوّق والتقدّم والخطو.. 

أتمنّى أن تملأنا يا عزيزي الشجاعة التامّة، لنسعى ونكشفُ ونميل وتهدأ عواصفنا وتسموا نفوسنا ونغترف فنقترب ونحبّ ونُحَبّ فنتقرّب.

ونحنُ البشر نتطلّع دوماً لأوطاننا التي خلونا منها على الأرض أو خلونا عنها، نرى السماء في كلّ مرةٍ ناشدين تحررنا أمام أفقها، هاربين من ضيقنا إلى وُسعها، طالبين من الغيم أو أفلاكها المتقلّبة أو ألوانها خلال اليوم أن تكون لأحلامنا وصلاً ولآمالنا كفائة..

الحالمون، الأنبياء، الشعراء والشاردون .. يتمسّكون بالتطلّع للسماء ليس لأن فيها وُسعاً أو لأنها المهرب العزيز للعينين فقط، بل لأن خلفها يقوم دائماً حجم السؤال على شُحّ الإجابة .. نراها لنتطلّع أكثر، لنتسائل أكثر، لنسبّح أكثر، لنشعرُ ببعدنا أكثر .. فلو كانت السماء موطن الروح منا فما يعنينا واقع الجسد ؟ هي تخفف دوماً سجننا الأرضيّ بأيّ حالٍ كان وكنا..

شوارع الحارة تمتلئ بالمياة التي لا تقدمُ من مطر، ولكنها تسيل من أحواش البيوت التي تتجهّز للعيد .. تشبه في أنوارها المنتشرة في هذا الوقت من الليل حين خروجي مدينةً من خارج هذا الكوكب، مشّعةً بالخيال، تتزيّن من أجل التقليد لا من أجل الزينة، كصبيّةٍ حسناء أهدتها الحياة ثوباً أخضراً فأحبّت أن ترتديه في ليلةٍ قبل نهار العيد، فصار في انعكاس أفلاك عينيها باللّيل أجمل. 

أشبّه وجودنا المعزول هنا أحياناً بمفاجئة الإنتقال، وكأننا حين نرى العائلات وكثافة التجمّعات والسيارات التي تقف حول البيوت، ندرك متأخّراً وحدتنا في هذه المدينة الصغيرة، أو لعلها ليست وحدة الشخوص والعلاقات بقدرِ ما هي وحدة الطبع والإستطباع الذي تربيّنا عليه،

ورغم كلّ هذا، لا أملك في زحام الليلةِ إلا أن أتطلّع لجمال الأنوار على الشجر وسُعار السائقين السريع ووود الشوارع المنثور وزحام الصفوف عند المحلّات، وأبتسم .. لأن خلف كلّ شخصٍ حكاية، خلف كل انتماءٍ غاية، وخلف كلّ قصةٍ يحكيها الزمن لنا والوالد عن قِدمها تستطيع أن تتبنّى هذه المدينة دائماً جديد الأشياء..

ثم أرجع لمنزلنا الذي يبدوا منكفئاً على نفسه، وأفضّل الانكفاء بذاتي أيضاً في لحظةٍ ساكنه، والهروب إلى خلوتي حيث منها تبدوا المدينة ذات أصواتٍ عالية وأنوارٍ ساطعة مقارنةً بالليالي التي تكون فيها مهربي الهادئ عن كلّ شيء.. أجلس إلى نفسي وألمس قلبي وأستشعر دواخلي لأتفكّر بكلّ الذي فات، وبكلّ ما هو آتٍ وأشكر الواهب على سعة العطاء على قدر حجم المنع وبهاء الوجود على قدر أحزانه ونعمة الإحساس على قدرِ ما تمسّني وتميلني بريحها، ونعمة الفضول على قدرِ ما تحرقني المعرفة.. ونعمة أن أكون هنا والآن على وجه عيدٍ جديد يعيد لنفسي نفسها.. 

أدعوك يا صديقي في هذه المناسبة السعيدة، لأن نجعل الإختلاف يرقّينا ولا يغيّرنا لخواطر آخرين، أن نسطّر منه حكايتنا الخاصة بآمالنا الخالصة، أن نُحييه ولا نخجل منه، أن نجعله سِمةً لا عالة، أن نجعلنا منه ما نتمنّى أن يكون خِلاف نقمنا لما يُحدثه.. وأن نلاطفه صغاراً ونحمله شباباً ونحكيه شيوخاً ونشعل من فكرته قناديلنا للمضيّ حيث لن نكون يوماً كما كلّ أحد.

حين يتم مشاهدة التجارب عن بعد، لا يبقى لكينونتنا مكان فيها بقدر ما يبقى للدرس المستفاد حجماً بحجم الذاكرة، تلك التي تسعفنا يوماً وتخوننا أياماً أُخر..

أتذكّرُ من قد قال لي إن العيش من الذاكرة أعزّ وأبقى في حياتنا اليومية، وأتذكّر أني قد تسائلت يومها كيف للإنسان أن يرضى بمحصّلةِ ذكرياتٍ عابرة ويتغافلُ عن كونه ابن اليوم، فالمرحلة ..! 

ثم ابتعدَ أحبابي .. وقد غرّبتنا هذه الأرض، 

لأتذكّر تماماً ذلك القول .. فبجعبتي ذكريات عن ذات الحُب، تشعرني بالرضى أني قد جرّبت احتماله على الأقلّ يوماً وأنه كان عذباً صادقاً شفافاً لطيفاً وأتى على مقاسِ قلبي ومايستطيعهُ من محبَة، هنا تكون الذكريات صندوق رضى لا مرجع مطمع ولا بؤرةً للأحزان .. هي مُحصّلةٌ تذكّرك، أنك ولو يوماً ما .. قد جُذبت من طاقته وانجذبت في مداره وحامت روحك بخِفّةٍ حول كوكبته وسكرتَ من دوّامته ..

سترضى حينها ولو كان الذي بقي لك منه مجموع ذكريات، سترضى لأنه قد كان لك، وقد كنت فيهِ ولم يكن من الخيالِ بقدرِ ماكان واقعاً بأحاسيسك،

صرت بعده تعرف اللين، تُرك قلبك الذي أحبّ ومال، صرت تعذرُ المُحبّين، صرت ترى ذنوب الحُبِ بنور البصيرة، صرت تعرف الضعف الإنساني تجاه ميل القلب وجنوح الخواطر، صرت تعرف النشوة وخفّة الحب وبهجة الكلمة الواحدة وتغيير حالٍ بالتفاتةِ قلبٍ إليك .. صار قلبك أليَن وطينتك أسهل للتشكّل حين ترى محنة الآخرين، لتعلم بعدها أن الحُب، بعيداً عن نهاياته واحتمالاته، لا يأتِ إلا بخير..

وسواءً كُنا أبناء اليوم بذاكرة الأمس ، أو أبناءً لأحلامنا وتجاربنا الجديدة .. يهمّني ويعوزني أن نكون دائماً: (نحن)، بقدر ما لتلك الكلمة سبقٌ فينا، بقدر ما سنحاول معرفتها وكشفها ودراسة أطوارنا فيها،

مهما ساقتنا جميع أقدار الله وسَعةَ إمكاناتنا إلى مالم نتنبأ يوماً؛ الأهمّ أن نسكُن لمن نكون.

الذكريات المكيّة التي تزاحمني حينما يطرأ ذكرها كمكان، كثيرة ومتفرقة ومتنوّعة من حيث لا تشبه تجربةٌ فيها تجربةً أخرى .. مكة متعددة بعدد الوجوه التي تمرّ عليها والشعوب التي تسكنها والوادي الذي يحمل جبالها، تضيق بقدر شوارعها الملتوية وتتسع بحجم بقعة الحرم الذي يكبُر كلّ عامٍ معنا وكأنما نصغُر..

لا أستطيع الإلمام بحجم الكعبة المشرّفة، ولكنها في عينيّ ومن فوقها السماء بملائكة البيت المعمور تشبهُ القبلة والبوصلة التي تهوي إليها أفئدة المسلمين حول العالم .. لها طاقة جذبٍ عميقة ومواطن سلام يتوسطها الدفئ الغامر .. تدور حولها فلا تحسّ بالدوار بل وكأن المزيد في هذا الحال يشفي .. وكطفلٍ إكتشفَ للتوّ مركزيّة جسده فحام حول ذاته دائراً؛ تكون الكعبة لقلب المسلم .. علامةٌ وهَديٌ وقبلةٌ وهُدى .. عندها نحن دائماً نصل. لبقعتنا المكتوبة حسباً في هذه الدنيا .. ولولا الزحام العميق لوجدت من يجلسون بلا مللٍ للارتواء بدهشة المشاهدة..

الحرم الطاهر يصبّ في اتزاني صباً كأنما يعلم حجم الوجوم الطارئ على قلبي، يحرّكني ويهزّ مسلّماتي ويوقظ شيئاً في نفسي لا ينطفئ .. يساويني ويعيد قصّ احتمالات غروري وتشذيب مطامعي فألتحم مع روحي اتحاد المحبوب بعد طول غياب، يفترش الأرض ويقبّل الأرجل ويبارك الخطوَ ويتقرّب بالفصاحة ويميل هياماً بالفضل المُعطى سَلفاً والفضل المنتظر .. فيحاول مع حسن الظنّ الشكر على الحالين قبل واثناء وقوعهما في أرض نفسه..

لا نتخيل حينما نجاوُز حدود الحرم ونشاهد وعورة هذه الأرض أن من خَلفنا رقعةٌ مقدّسة في وادٍ يغيب عنه الزرع في أرضٍ لا تشبه فلات العروبةِ وصحاريها ولكنها تشبه جميع المقدّس الذي يريد له الله أن يكون..

ها أنا أنتِ يا مكة .. ها هو جسدي يتسامى فيكِ ويقشعرُّ تارةً ويستقر .. آتيك بحجم جميع القصص التي تذكرين وكلّ المقدّس الذي تكونين وحجم الروايات التي تكون على أرضكِ والشعوب التي تطأكِ، آتيك إحساساً وقلماً قبل أن يمسّ جسدي بركتكِ ..

ضمّيني بالدهشة واغسلي قلبي بالدمع وباركي خطويَ إليه بالقبول وكوني لي منك على نفسي من المبصرين .. واحمليني خاليةً مني إلا إليه.

ويذكر رسول حمزاتوف في داغستان بلدي :

“تحدث أحياناً بين المتزوجين حديثاً مشاجرات. في مثل هذه الأمسيات يأتي أصدقاء الطرفين، وعلى الأخص أصدقاء الزوج، إلى تحت نوافذ البيت ويأخذون في العزف على المزمار. وأنغام المزمار هذه تجعل الزوجين الشابين ينسيان خلافاتهما الصغيرة.

وأنا أيضاً كان لي صديق طيب هو المصور والموسيقي أمين تشوتويف ، وكثيراً مااضطر في سنوات زواجي الأولى إلى أن يأتي ويعزف تحت نوافذي.

أي أمين تشوتويف، لماذا لا تأخذ كمانك الآن وتعزف تحت نوافذ العالم لتخمد نزاعات عصرنا فتهدأ؟

كان لي في إحدى لقاءاتنا في شيكاغو نقاش حامٍ مع زميلٍ أمريكي. كان النقاش قاسياً، لاسبيل فيه الى الاتفاق على مابدا ، لكن الأمريكي قرأ فجأةً فيما بعد أبياتاً لأخيه الذي فقده في ألمانيا أثناء الحرب الأخيرة. وأنا من جهتي قرأت أبياتاً لأخي الذي قتل هناك أيضاً وفي الوقت نفسه.

وبين صوفية محمد الفيتوري السودانية وسلاميّة رسول حمزاتوف الداغستانية، وعلى مفارقة الثقافتين رغم شاعريّتهما، كان لديّ ميلٌ لأن أتذكّر أن الإنسان هو الإنسان كما أن الأشياء ليست هي الأشياء من منظور الفيتوري..

تأمّلت طويلاً وبخصوص الأحداث الأخيرة في عالمنا العربي، رجوع سوريا وزعيمها ارغاماً وأحداث السودان اليوم التي أجهل الكثير من أسبابها سوى خوفي من الدم ووقوفي مع الشعب في كلّ حال.. أشعر أنني بحاجةٍ للإعتذار.. من كلّ طفلٍ  عرف الموت بأقسى أشكاله وتعرّف على الظلم قبل أن يرى معنى الحرية والبهاء والحياة البسيطة والشكل الطبيعيّ للأيام أو للطفولة..

أشعر بحاجةٍ ملحّةٍ أيضاً للإعتذار منّي، فرغم جميع ما أعرض له نفسي من الشعر والأدب وقصص التنمية وبرغم حساسيتي تجاه الشخوص والناس، لا أزال أصدّق فيمن خذلني وأحاول أن أتلمّس الطيّب في الخشنِ والناعم خلف الخُبث..

أيستطيع الإنسان أن يعود رغم القسوة إلى إنسانيّته..! هذا ما يفعله التصوّف فينا يا صديقي.. يعيد الروح إلى مكانها ويرتّب القلب ليكون الله هو الواحد المعبود الأوّل، وما دونه هباء..

وبشكلٍ ما ترتبط الصوفية بأقسى تجارب الإنسان من القتل أو الحرب أو الموت، لتجد الرهافةُ دائماً بابها المفتوح ولو على طرف بين قطبيّ أعتى مالا نستطيع احتماله وأكبر ما بوسعنا أن نناله من وحي الروح على خواطرنا المحمّلة بالكسور الدنيوية التي ما إن تأتي الحقيقة حتى تنخل منها الكثير وتُبقي ما له فينا أثرٌ حقيقيّ، 

عن الأثر يُحمد دائماً خفيف الخطى بليغ الأثر، ولكن كيف يأتي للخطوةِ أن تبقى على أرضٍ رمليّة إذاما خفّ وجودها؟ وكأن ثقل الخطوة ياصاحبي يكون موازٍ لمدى عمق الأثر، ثقل الجروح موازٍ لتعميق تجربتنا الإنسانية، ثقل التجربةٍ موازٍ لتعلّمنا للدرس، وثقل الدرس موازٍ لعمق حصافةِ العلم الذي نحمل وامتيازهُ بالتجريب عن الكلام؟ 

ما أحاول قوله ياصديقي أن لقسوة الظرفِ أن تولّد لدى الإنسان روحاً شريفةً في دوافعها تبتغي أن تقاوم، بعيدةً عن الأسى المرهون بسهولة كلّ ما قد يكون حولها..

قد يكون أقسى ما قد نواجه هو تبرير وجودنا على هذه الأرض.. قد يكون أقدس ما نواجه على حدٍ سواء، هو تبرير وجودنا على هذه الأرض..

الشعرُ والأدب، الحساسية والكلمات، التصوّف والحرب، مبتغى الدنيا أو الآخرة.. جميعها أمور يا صديقي متعلّقةٌ بالمبدأ والبوصلة، فيها يُفرق أمرك إذاما كانت لك منها دوافع محمودة.. وعلى عكسها تنكصُ دائماً على قدميك خاسرا ولو أعطتك الدنيا جميع ألقابها..

لا شيء في الأدب يوازي صدق القلب في حضور الكلمات حتى ولو أبكتنا ولا شيء في المعركة يوازي صدق قضية الجنديّ في قلبه حتى ولو مات ولا شيء يوازي في خلوة الصوفي نقاء حبّه لربه حتى ولو فنى.. جميعها تتعلّق بنقاوة الدم وصدق الدوافع؛ فإذاما أهداك الله يا صديقي حياةً تتحلّى بالصدق، فبعيداً عن أيّ ظروف، ستكون بخير؛ لأن قلبك سيكون بخير.

وما زلت يا صغيري على قيد النبض وعهد الحياة، أعدك أن أكون حاضرةً في أيامنا كلّها ..

وأنا يا رب ..

لست خائفةً من تقطّع الأحبال أو الأوصال .. أنا خائفةٌ من هذا الشعور الذي لاينطق، وذلك الغضب الذي لا يضجّ وتلك الذكرى التي لا تُنسى

أنا خائفةٌ من حجم الخوف الذي يمنعني من تلقّي سُلّم الأقدار والحياة كما يكون، أخشى أنني أعرف التذكّر أكثر مما أتقن العيش .. 

ونعم ياصغيري .. فلقد أحببت الحياة، أحببتها بشكلها العميق .. وكنتُ فيها ومن خلالها دوماً معي .. لذلك رفضت لها أن تعبر ولا تتوقّف .. كنت أريد أن أتذوقها برويّه، أستشعرها، بجميع بواعثها

ولقد تقدم بي الزمن لأرى أن الحكم عليها من خلال الأيام وليس المراحل، حكمٌ جائرٌ وسريع .. وأنها، وأنها تدور وتدور ..

يا لدوارنها الذي يشعل النار فينا ويخمدها ..

يا لانقلاباتها التي تكون حليفنا يوماً وعدوّنا في أيامٍ أُخر ..

يا لضياع النبض في لهاثِ عُشاقها ..

يا لغدرها وكرمها، حذقها وبرائتها، تعاستها وأفراحها ..

يا لضجيج أحلامها .. يالصمت مقابرها ..

وإني يا صغيري لست أسأل من تخلّى أن لماذا قد سمح لموج الحياة أن يهبط على وعوده فينساها، وشخوصه فيتركهم، ويفرّق فيما بين يديه أو يُفرّط .. الراحلون يا صغيري هم ودائعنا فيما تركنا فيهم من اختلافٍ وإئتلاف، فيما شعرنا حولهم وتركناهم يشعرون، هم لحظةٌ من لحظات انعكاساتنا في هذا الزمن بفترةٍ ما، لنبقى في ذكرياتهم للأبد ..

وأخيراً ..

فمادام في العمر من تقديرٍ لا نعلم له نهاية، فلكلّ هذا الوقت مقادير ستصبّ في بواطن إدراكاتنا من حيثما لن نعلم كيف أوصلتنا إلى فكرتنا المطمئنّة أو أودعتنا إلى أسلوب عيشٍ يشبهنا أو جعلت منا شخوصاً أفضل، وكلّما أقبلنا عليها بوجهنا الصافي أصدّق أنها ستصفو لنا وحدنا وسيعلم الله بأيّ صفحةٍ من هذا القلب نحن نحاول ونجاهد أن نكون .. وحسب اجتهاداتنا عند الله نكونُ

وبشكلٍ ما، تستعيد الحياة يا صغيري في عينيك رونقها .. ذلك أنك حال الضيق لم تحاول تعديلها، كنت معها حينما كانت تخوض فيك نواميسها، شاهدتها تسري فيك ولم تقاوم ضبابها الذي غشّى عن عينيك رؤية ما يجدر أن يكون، وفي ذلك الضياع المهيب البارد تولدُ من أعماقنا رغبةٌ مُلحّةٌ لمقاومة ما كُنا نرفضه؛ كلّ ألمٍ يقوّينا ..

وأنا يا صغيري لا أعلم ويعجبني جهلي تجاه التطرّف والإطلاق .. تجاه معرفة الشراسة، تجاه أن تخاض الحياة بالمؤامرات والمعارك، تجاه أن تُحبس تلقائيتنا في سبيل تحقيق أذىً على صعيد النفوس .. هي النفوس يا صغيري التي أخشى كشفها للحدّ الذي أترك لها أن تتوسّع في ساحتي أو أتوسّع في ساحتها حدّ أن تكبر الهُوة فنعود غرباء ..

أحتمي دائماً بمسافة الأمان الفاصلة .. حتى يُعرف الحد، وتتقن الراحات، فبين المقاصد والكلمات تختبئ دائماً نيّة البلاغة، وبين الناس وألسنتنا فيما نحدّثهم تخبوا نيّة الإحسان أو الضرر، والله يا صغيري من فوقنا عليم ..

الروح تتجلّى كلما رقّ مطلوب القلب وارتقت فينا غايات عقولنا عن سفاسف الأمور؛ تكون حتى ذكرياتنا تجاه ما قد حلّ سليمةً من الأذى، لن تقوى فينا ذاكرة الألم بقدر ما نضفي عليه من المعنى ليكون كما مرحلة، وأسمى آلامنا ما يأتي لنا بالرسائل الخفيّة ليخبرنا عن ذواتنا وما نستطيع .. وما أكبر ذلك المدى فيما نستطيعه من وحي الروح يا صغيري، بدأ بها الله في الأنبياء واختتمت في تكليف البشريّ البسيط على أحوال دواخله وأمره .. وتلك الأمانة هي غاية الغايات حتى حينما نودعها إلى الرفيق نؤتى نتائج جهدنا وجهادنا الداخليّ بالجوارِ أو العقاب .. 

أرجوا أن يكبر فينا يا صغيري إيماننا للحدّ الذي يجعل نفوسنا  تهون وكبريائنا ينكسر وعجلتنا تستطبئ وحكمتنا ترتقي وتدوم ..

كن دائماً بخير يا حبيبي ..

إلهي .. تقدست وتعاليت 

فارغين، إلا مما تسمح لنا بحمله 

وتائهين، إلا مما تسمح لنا بإيجاده 

ومهمومين، إلا بما تطرحه من أكتافنا باليقين ..

اللهمّ إنا حائرين فدُلنا ومتخوّفين فأرشدنا وضعفاء لا نرجوا أن نتقوّى إلا بجنابك وحسن رعايتك ..

أدعوك .. أن تُظلنا من حرارة التيه وتدفئنا من صقيع المشاعر وترتّبنا في فوضى الحياة وتؤتينا منها

ما تراه لنا الأخير والأنسب وتجعلنا فيها وعليها من الحامدين فضلك السائرين حسب أمرك المجيبين لدعوة أنبيائك بالتوحيد لك .. لا إله إلا أنت.

الخَلف في نفسك وعملك عليها هو حين تفعل بك الاشياء الصغيرة كلّ مالاتفعله بك عظيمة الأثمان 

لتعود وداعة بسماتك للخروج على ليل وهدوء وسماء وكوب شايٍ معطّر .. هناك حيث لا شيء أثمن من حرّيتك، من روحك في سماءٍ لا تطولها مداخلات الأشقياء 

غريبةٌ هي النفس يا صاحبي .. ففي حين يُسهمون بكلّ الثراء أجدني كلّما وجهت وجهي شطر السماء؛ سَموت وزاد ألَقي واتساعي وتفتّحت أسراري عليّ بشوق وحضور .. أعرفني كطفلةٍ امتلأت فيها الحياة وامتلئت هي بالحياة حدّ أن صار الشقاء صدفة، والسكون سِمه ..

أعلم أن الأشياء لا تسقطُ في عوالمنا عبثاً، والشخوص وملامحهم لا يُقدّرون علينا بشكلٍ عابر بل توزن الموازين وتنصبّ الأحداث في حالنا صبّاً دقيقاً ولو كان على نفوسنا كثيفا .. دقيقاً بالمقدار عميقاً في الأثر سماويّاً في التنزيل .. ونحنُ القالب لقدرِ ربنا نتشكّل كيف يشاء، نتسع أو نضيق نتقدم أو نتأخر نخطئ او نصيب .. لا نزال نحمل المكتوب بما في وسعه أن ينبت الأرض ويجريها في سواقينا كيفما أراد ..

ولا أعلم لماذا أن كلّما تقدّمت وتكشَف لي المخبوء زاد أمَلي في الخفيّ وزاد عليه اتزاني رغم ظلام الرؤية ..! أولا يزال الإنسان يبتغي ويأمل من هذه الدنيا ما يفوته حتى لو رضيَ واستقرّ وشبع بكلّ جوانبه فيما بين يديه؟ أليست الفرص ذاتها هي ما يحيينا تجاه القادم ؟ أوليس الله سبحانهُ قادرٌ على شقّ الظلام من كبد الحِلكة واستظهارِ النور ، كلّ يوم ..! أوليس الذي تكون النفسُ بين يديه بقادرٍ على أن يُحيي فيها ما فات ويعالج ما مضى ويرتِقُ المجروح منها ويداوي عضال أمراضها ..!

لذلك فالأمل هو سرّ الإيمان  .. الأمل الذي قد يبدوا حالماً في مواضع، وطفولياً في مواضع أخرى وسريعاً عجولاً متخبطاً في أكثرها .. هو ذاته الإيمان أن ما يؤذينا يدفعنا للأحسن وما يشقينا يعلّمنا وما يكسرنا يقوّي عظامنا وما نحسّه يلامسنا يزيدنا تعلّقاً بكلّ ما هو إنسانيّ، حقيقيّ ويجلبنا للحياة .. الأملُ في النفس والحال والمئال .. الأمل في سير الإيمان وزيادته ومضاعفته .. الأمل أن الحال ستكون أحلى وأطيب .. وأن الله قادرٌ على أمرنا، علّامٌ بمن وهب ولمَ وهب وكيف يهبُ للمحتاجِ دقيق أمر حاجته وعذوبة تفاصيل مراده؛

ولو بعد حينٍ يا صاحبي .. ولو بعد حين ..

: وماذا كان منك ؟

-مرت جميع العواصف .. وبقيت هادئة. وملامحي تشهد على حجم هدوئاتٍ مضت.

وفي اقتباسٍ لفضة من رواية ثلاثية غرناطة وهي تقول لعليّ :

“أحياناً أقول إن الحياة تقسو بلا معنى ولاضرورة، وأحياناً أقول حظنا منها، وإن ساء؛

أقل قسوة من الآخرين، أقل بكثير.”

مرحباً أيها الصمت .. أحييك من مكامن السكون، تاركةً للكلمات أن تتفكّر بك اليوم، وتنساب معك ..

أشهدك .. تحلّ أحياناً كصديقٍ حنون، وتقسو أحياناً كعدوّ حين لا نطيق مجالسنا .. ومعك بيننا وبين ذواتنا تكون حكايا، 

هنالك صمت السيارة حين تحملنا فكرةٌ ما،

وهنالك صمت الاستحمام حين يغمرنا الماء

وهنالك صمت ما بعد الركض أو أداء الواجب اليوميّ وهو صمت عذب مغمورٌ بالهدوء ومغموسٌ بالجزاء العذب

هنالك صمت الألم حين لا نستطيع الردّ على قليل الذوق

وهنالك صمت النغم حين يُطرى أعزّ مانملك

هنالك صمت مسافة التفكّر في الجلوس بين صديقين بعد حديثٍ عميق،

وهنالك صمت اللحظات الأولى من مقابلةِ شخصٍ جديد؛ صمت مربك..

وأجودُ أنواع الصمت بل وأحبها إلى قلبي وما يكون عبادة، هو صمت التأمّل والخلوات .. حين تكون العين غنيّةً في نظرتها للملكوت والسماوات، فتتخدّر معها للحظة قدرتنا على الحديث وتسكن معها جميع أصواتنا الداخلية ويحلّ محلّ الصمت السكون ويطفئ في حضرته كلّ فتيلٍ من مشاعرنا المشتعلة مبقياً للهدوء حقّه بالتبدّي .. لنكون ..

أزعم أني أحبك أيها الصمت .. ذلك أني أحضى بالقليل منك خلال يومي، ولربما يكون مدى العذوبة ذاك يأتي من مقدار الشُحّ فيك، فبعض الأشياء في حياتنا جوهريّة مزاجنا في حبها تأتي لأنها نادرة. 

لا أحاول أيها الصمت أن ألقى إجابة، إذاما كنت جميلاً أو زائراً خفيفاً أو ثقيلا .. ولكنني أعلم أن ثمين الأدب وعظيم الأفكار وغزير العلوم وما وَصل إليه بشر، وماسيصل ؛ جاء كإرث من باطن الصمت وحسن الإستماع لحفيف الحياة ، فالتفكّر ..

ففيك ومن خلالك نستطيع استماع أصوات كما لو نسمعها أول مرّة كما لو نحيا لحظتها أوّل مرة .. أتذكر ما قد قيل لصديقٍ مستوحش في مكانٍ جديد، أن يعيش يوميّات أصواته كبدايةٍ للإستيطان، فالأذن تستوطن قبل العين وتألف مكانها قبل الجسد من خلال الانتباه ..

صوت فتحة الشباك في بداية يوم، صوت صفقة جناح الطير، اختلاف تغريد طائرٍ عن طير، عوادم سيارةِ الجيران،

الهواء على الأغصان، صوت القطط، صوت ذبابةٍ عابرةٍ في نهار، صوت المدفأة بداية إشعالها 

صوت مدرسة الأطفال، أصوات أقدام تمشي، أصوات متحدثين أغراب عن لغتك، وانسياب الكلمات فيما بينهما

صوت الصباح، صوت الأصيل، صوت شجرةٍ يعود الطير لأكوارها عند الغروب، صوت الليل، صوت إغلاق الشباك في نهاية يوم ..

للحياة ياصغيري فنون ، وبعض تناقضاتها تكمّل أغنيتها التي تبعثها كلّ يومٍ بين يديك ، كما رقصةُ الصمت والصوت .. 

أرجوا أن يكون صمتك تفكّر، وحديثك نغم .. وأن تستوطنك جميع الأمكنة حيثما تألف أصواتها لتكون لك الخيار الأحبّ والرحيق ذو النعمة المُطلقةِ وأن تكون بخير ..

البارحة كان في خاطري مسألة .. يكون فيها التجاوُز فن .. من حيث أني لا أعلم، لماذا أو كيف يحدث ولكن اليدين خاليتين إلا من اليقين بالله أن كلّ مسرىً يسري في النفس لسبب .. 

وكأنما تكون مواطن المتوكلين أعشاش ؛ فأسراب حمام ..

اختار الصمت على الكلام؛ لأن الله يجزي الصابرين،

ولأن للحياة ألف صوت وعميق صمت ولكنها تتحدّث، كل يوم بلُغة الصباح الجديد .. ومن كان بوسعه أن يُنصت؛ فسيستمع :

اللطف منزلٌ مُطمئن والرحمة سقفه الدافئ .. 

جودة الحياة في سرّ حضورها حين غيابات الآخرين ..

الانتباه للذات يزيدها، ولا يُرخيك ..

الوقت سلعةٌ نادرة ..

الضغوط قيمةٌ عابرة تعلّمك أن مااخترته لذاتك قد كان بها يليق ..

ليس هناك من ترياق يداوي اللؤم في بعض النفوس.

قد تحلوا الكلمات أو تسوء ولكنّ الطيب منها يصعَد، والعاقل منا يعرف مواضعها أما الحكيم فيعرف ما يأخذ منها أو يترك ..

ساءت الأحداث أو تغيرت الطرقات، انفتحت الجروح أو اندملت مع الوقت .. الثابت الوحيد في كلّها هو أنت ؛ فتعلّم معايشتك برحمة.

الضعف فينا أساس تكوين، أما القوة فهي درع مكتسب والمسكين من يفرح بالكَسب ولايدرك التكوين .. أجبن البشر أظهرهم للقوّة.

خيارات كثيرة تشبه أن تمضي حياة كاملة لشخوص مختلفين في أوسع بقاع الأرض وأقصاها وأصغرها، عظيمٌ هو الله بوسع هبة الحياة في أن يعطي لكلٍ منهم يوماً جديداً حتى النهاية، قصةٌ جديدة وإحساس مختلف ومواقف وأمل ويأس ومقاومة واستسلام وتسليم ورضى ورحمة .. سيعطيك على طول العيش أحاسيس جديدة وأيام أخرى، ليس من وحي المدد بل من وحي الإختلاف .. والله سيّد العارفين يعلم المدى .. 

سيهبك من الحكمة بقدر انصاتك للحياة وانصافك لسكون صمتك على الكلام الذي لا يكون أجمله إلا الذي لك ولَه، وبين دواخلك. 

يقول دايفد واقنر في سطرٍ من قصيدته (الضياع)؛ 

لا شجرتان تتشابهان لدى الغراب

وأخذت أتفكر في طريق العمل الذي حملني بالفكرة مع هذه القصيدة .. لاشجرتين، كما لا إنسانين، كما لا عصفورين، ولا غابتين ولا سماء يومٍ عن يومٍ تشبه الأُخرى .. ليس بالنسبة للغراب فحسب؛ بل بالنسبة لقانون البشر .. وإن الامتعاض من اختلاف بعضنا في أحايين، لا يكون سوى امتعاضنا من ذات ناموسِ الحياة الخالد في عدم التشابه ، يذكرني ذلك أن حالة الاختلاف هي العاديّ، وأن تشابهنا مع أحدهم؛ مناسبةٌ نادره .. يا لكثرة النُدرة وجمالها في حياتي..! 

العصفور حين يأسرني ويغنّي إلى جانب شباكي؛ لايتكرر .. حتى وإن ألفت الصوت واستشففتُ المعنى من مواساته..

النغمة التي أعيدها وأعيدها؛ لا تتكرر، لأن لحظة استجابتي لها بالوجود؛ جديدة .. لأني حينها أكونها وليست ما يكون..

النخلة التي يدهشني طولها إثر كلّ زيارة؛ لا تتكرر .. لأن دهشتي هي ما يجعلها..

لامصادفات .. الرحمة في عطاءات الشعور هي ما يتكوّر، يتدوّر، ويجعلنا نكون.

صغيري الحبيب .. 

خذ الحياة كما هي .. أو حاول .. حيث لا قَدر يشبه نفسه، ولا يومان يتكرران سوى في اضافتهما عليك مما تستطيع حمله.

صغيري الصغير ..

عليك أن تتعلم، أن لا تُبقي فكرتك عن فكرتك هي ما يسيطر عليك.. وأن تجد المنزل للبقاء في حجرة الشعور الذي فيك، حتى تلاطفه، حتى يستجيب أو تجدك من خلاله .. غضبك أنك غاضب أو حزنك أنك حزين أو حنقك حين تتوه لن يزيد الشعور فيك سوى عِلةً لنفسك .. أرجوا يا حبيبي أن تريحك مشاعرك وتجد لها منازلك وتعرف حجرات زيارتها جيداً .. وأن لا يطول عليك الغمام .. 

تذكر فؤادك حتى تسموا، تذكر نورك حتى تنجوا، تذكر روحك حتى تكون.. 

واعلم في عمق الدوران وروح السير وقانون الوجود ؛ أن هنالك من يحبك، من أوجدَك قبل أن توجِدك الأمهات .. فـكُن له يا حبيبي الصغير من الشاكرين.

وأما الكتابة فهي وسيلتنا التي من خلالها نحاول امتهان حقنا الشرعيّ بمنح الشعور صوت الكلمة، وتغطية التجربة بلحاف المعنى، ونخل القلب مما يتعثّر فيه من زحام الأيام .. ليبقى الحرف حليفنا الأبديّ أمام أسقام الفكر والفؤاد بوجودهما البشريّ .. 

وكما يقول أبو نواس مخاطباً نفسه:

“يا نُواسيُّ تَوَقَّر

وَتَجَمَّل وَتَصَبَّر

ساءَكَ الدَهرُ بِشَيءٍ

وَبِما سَرَّكَ أَكثَر.”

صديقي العزيز ..

تقدّست أسماء الله .. ما وصلتنا إلا لأسباب، وما كان الحب الذي نتوق إلى ملء فجوته في أرواحنا الناقصة ووجودنا المحمّل بالأسئلة سوى سبيلٍ مبدأه فضول، وختامُه أبديّة..

حيث التمنّع، يشبه أضعف ما فينا من مخاوف .. 

الضحك، لغة العالم المشتركة ..

الرغبة، تشبه الغريزة وحالة طفولة ..

الحكمة، تشبه تعباً لذيذاً لمعركةٍ بعد انتصار ..

أما الابتعاد، فهو يُشبه الوَهم بالانعتاق من أصواتنا .. 

صديقي العزيز ..

الوجود، في هذه اللحظة .. في هذا الحال؛ يحمل الكثير من التجدد المتراكم لأشياء لم أكن لأتقبّلها من قبل، ولكنها هنا سارية .. وهنا أكون فيها من المُساومين على روح الحياةِ الجيّدة ؛ لقصص في خيالي تستحقّ أن تُروى ..

أُسقي حديقة المعاني في قلبي كلّ يوم .. بانَ صبري وتفتّحت زهوري وطال عشبُ انتظاراتي ولكنني أشذّبه بالأمل .. أحببت جذوري الضاربة في الأرض أكبر من نتاج سطحها الذي يشاهدون، وعليه يقيسون .. ثمّة ما في الدواخل والدوافع، يا عزيزي، ما يكون عالماً واسعاً يذهلني دوماً دوره في التفرّع بكل انسياب من حيثما لا تمسّه يد الحرث ولا يطولُه موس الموساة .. 

نعم نعم، هي تلك السنين من الجذور التي مالنا عليها من سبيل سوى في حبها وقبولها والاعتراف بالا منطقيّ في اتساقها .. وما أحلى النبات الذي يشرق فينا بعد طول التعب لفهمها وتطويعها وسياستها بالشكل الذي نحب ..

وأخيراً يا صديقي، فلكلٍّ منا جروحه التي يساوم عليها ومن بعض الرسوّ على اندمالها ينطلق .. لذلك تطوّرنا أخطاءنا، وتعلّمنا الحقيقيّ منا والزيف من دوافعنا .. أما جروحنا فهي ما يُخبر عن تقدّم ، ومسير، وعيش .. ذلك أن من السائرين من يدرك لذة التجربة رغم آلامها لبحثه عن جودة الشعور في رواية القصة ..

ملأ الله طريقك بالوصول الى أطراف حقول المعرفة وعبّده بجودة الغايات وباركك بالصبر ورفع في إدراكك المعنى .. 

وحتى ألقاك في موعد رؤية .. أرجو أن تكون بخير.

كنت أرى دعواتي تشرق في الصباح الحيّ؛ وأبتسم، سبحانه .. سمعني وشاهد حالي واستجاب ..

صديقي العزيز ..

حين يهدأ الزورق على جال الكلام .. هل يبقى للماء من فُرصةٍ لتقبيلة..!

حين يترنّم عسيف النخيل الصحراويّ على نسمة صيفٍ لطيفة .. هل لبهجة الجذع أن تكون أوسع؟

حين يُفصح المحبُ عن قدرِ المحبة، هل للنور أن يكون أكبر ..!

حين تتداخل الأصوات الوتريّةُ بعذوبة؛ وتنساب كما لحنٍ واحدٍ وتجعلُ مافينا يتحرّك، هل يبقى للماضي أو الآتي من وجود ..!

حين ننغمس في باطن الحياةِ كـ حَب النوى، ثم يسقينا كلُ ساقٍ ولكننا نعلم أن ماء السماء أنمى لذواتنا وأقدَر؛ فنحجمُ حتى يأتينا الغيث؛ هل يتبقى بعد اليقين منّا من خوف ..!

حين ندخل أوكارنا في الكلام بوعي حجم المسافة بين الحقيقة والخيال، ثم نولّدُ ألف معنىً ومعنى؛ هل يبقى حينها من يأسٍ يُعجزنا ..!

حين تكون الأمانيُّ بحراً على هامش الفكرة والغروبات مواطن وقوفنا على أطلالها بالخيالِ القريب؛ أيقدرُ بعد الله من أحدٍ أن يسلب عذوبة الفكرة منّا ..!

حين ننعمُ بالوعيِ في حالنا ونقترف الحضور على الغياب ونحاولُ السير سعياً بقلبٍ يرتعش من الضجيج ويطمئنّ في العاديّ، هل يبقى لأحدٍ علينا مِن منّ ..!

حين نبني على النفسِ درعاً وورداً وبشرى من الأملِ المتحقق .. أن لا تنزاح عنّا أمانينا؛ يآ رب، حتى تكون ونكون فيها .. هل يبقى بعد ذلك من رجاءٍ أكبر على الأيام يقوينا ..!

صديقي العزيز ..

شعور السكينة بعد الركض الطويل، يبدوا صامتاً ولكنه لذيذٌ بالتذكّر .. أبدوا كمن يعود رويداً رويداً الى منازله وأحطّ على قلبي بحذر .. أتمسك بفؤادي الذي بين يديّ، قطعتي الثمينة من العالم وجوهرتي التي هذّبتها طويلاً حتى تعكسني وتكونني وترتدّ عليّ ..

جسدي ساكن .. لكنّ ملامح الأحلام تلهث .. يسعني القول أن ما بين يديّ من ذكريات بوسعه أن يعوّضني عمراً من الوجود .. ولكن الحال أن الوجود ليس كما التذكّر، ففي حين نأمل أن نكون مستقبلاً رحيماً نجد من وازانا بماضيه، وأغلق عنا دفاتر الانتظار، وتجاوزنا للبعديّ وولّى ..

لكن لا تخشى يا صديقي ..

ها أنا من جديدٍ أعتلي نخلتي، أجني ثمار وحدتي وأجابه الأيام كما يجب لمن يأكل التمر أن يكون، حالياً خالياً محباً للاعتزال وهائماً في دواخله وسماواته، رفيعاً في عوالمه .. 

أتذكرك كمن يتذكر أن لديه روح .. و جُلَّ ما أتمنى أن تجد جذور يقينك من جديد .. أن تتذكّر المعنى وتلزم الحقيقة في الصعود ولا تنسى شيئاً قد كان لك أن تتذكره .. أنلا تنساك .. واحذر أن تصدّ عن قصتك محاولاً أن تبني من جديد .. العُمر يا صديقي يكون بقدرِ اعترافاتك كلّها، لا تخشاها بل اخشى أن تثكلك، أو أن تغرق فيها طويلاً .. واسبح بهدوءٍ حتى لاتفقد مجدافك، جدّف بين الرجاء واليقين، الرحمة والتجربة، الحقيقة والخيال، النسيان والتذكر .. لتتموّج الرحلة في بحر هذه الحياة على أمل أن نقابل برّ أماننا بعد عُمرٍ جزيل ليكون لنا الساحلُ ارتماء من واجه وقدّم وأقدمَ حدّ الراحة الأخيرة، الرجاء الأكبر ..

حتى نكتبَ بعضنا من جديد .. أرجوا أن تبقى بخير ..

Sat.. 15.Oct.2022

Tue.. 15.Nov.2022

صديقي العزيز…
تارة أريد أن أعرّف لك الحياة، وتارة أبتغي أن أسألك؛ ما هي…! لماذا هي، كيف هي، وحتامَ تكون…!
تارة أريد أن أصرخ بالحيرة، برغبة الحرية، بالشعور المرّ من أطرافها… وتارة أحب لو أبعدتُ عنها قبضتي،

ومنحتها صمتي الطويل ورقّتي وابتغيت منها السلام…

أتوق للتسليم للذي يُفضي إليه الأمر كله، واليقين الذي يكون أكبر من حجم السماء بثقة من يرتخي على كتف

والدةٍ حال النوم، والدة تحبّه، فتأخذ رأسه وتضعه على صدرها، ثم تضمّه لتدفئه ويشتمّ رائحتها فيهدأ ..

رائحةَ أن يكون له كل شيء، أن تُجمع له الدنيا من أطرافها، أن يبقى بخيرٍ -ولله المثل الأعلى-

أريد أن أخبرك عن حديث عواطفي ودقائق أمري ؛ أن أعلّمك عن الوقت والحال وأني لم أنسَ الكلمات ولا نفسي؛ وأني بخير.

هو الإبصار فقط على نقائصي و التعبير حال الصبر عن حالي والتقويم المستمر لنواياي

وتنقيح أفكاري من أن يصيبها العطب على طول الانتظار،

أقلبها كثيرا، أبثها، أنفشها، أسرّحها وأنظفها حتى لا أنساها ولاتنساني…

Tue.. 6.Dec.2022

فيَّ هدوء…
كما في السكون بعد مجلس ممتلئ، أعيد رؤية الأشياء من حولي وتسمية التُحفِ وأرتب المعنى القويم على نفسي
مركبي يعبر البحر بعد توقّف، هادئاً… كما الشجرِ بعد غزيرِ مطر، وكما النفوس حينما تخشَع فتبكي ثم تستكَينُ وتستكنّ…
هدوء… كمفتاح الدخولِ العابر لمنزلٍ جديد، تجلس في منتصف فراغِه محمّلاً بالخيالِ والمقاييس، بهدوء وليس حولك سوى إحتمالاتك..
هدوء.. كما بين العازف والعازف من اتفاقٍ على لحظة صمت قبل الشروعِ بلحنٍ جديد…
هدوء.. كما تصفوا السماء بعد غيوم… كمكتبةٍ مكتضّةٍ بالباحثين، كجسد رَقَد على مسمع الحبيب…
هدوء.. كما لا تنتظر شيئا ولا شيء ينتظرك…
هدوء.. كما نبعٍ داخل مغارة صخريةٍ لايسمعُ فيها سوى قطراتِ الماء القادم من السطح..

هدوء.. كما طفلٍ يَلثمُ صدر والدته بعد بكاء، ويشبعُ بعد جوع..

هدوء.. كما القطار بعد وصول، كما المحرّكات حين تُغلق..

هدوءٌ كما الثُلث الأخير من الليل، وأوّل ساعةٍ قبل الشروق كأنما تحبِسُ الطير أنفاسها،

كمنزلنا ظهيرة أيام الإسبوع حين كنا صغاراً.. 

هدوءٌ كما لحظات انتظار قهوة الصباح .. تنساب، فتتقطّر ..

هدوءٌ محمّل بالرضى، والسعةِ والأمل ..

Sun.. 4.Dec.2022

سأكون بخير ..

مادام على الأرض صوت عصافير، ماءٌ للغسيل، رائحة وردٍ وشجرٍ وشمس..

سأكون بخير..

مادامت السماء قريبةً من ناظريّ، مادمت أحسّ وأرى بجلالٍ وتفكّر..

سأكون بخير..

مادام الصُبح يعود، والأصوات تشرق في روحي والنور يعبّئني شغفاً، والأملُ حليفي..

سأكون بخير..

مادام النخلُ طويلاً والرحمةُ تسري في الأرض، والإيمان حيّ..

سأكون بخير..

مادامت القصص تُروى والكتبُ تكتب والأدب يفتح أبواب خيالي والكلمات أقفاص شعوري الفجّ ..

سأكون بخير..

مادام الشُكر على كلّ الأقدار ديني، مادام الاعتقاد راسياً في قلبي، ومادام الوَسط ..

سأكون بخير..

مادمت أشعر، فأبكي؛ فأكتب.. أو أضحك، فألهوا وأكتب.. أو يثقلني الهمّ، فأصلّي ثم أكتب.. 

سأكون بخيرٍ.. بخيرٍ مادام الدعاء في قلبي يخطُر والصلاة في مواقيتها حاضرة والجلال في قرب الله من ذاتي محسوس واللطف في يُسر الصيرورةِ ملموس والحُلم في تعاقب يوميّاتي يقترب..

سأكون بخير.

إليكِ : يا لحظاتنا الخاطفة التي شغلت في حيّز الزمان عمراً من التذكّر
إليكِ : يا كلّ نواميسنا التي تبدّلت لتكون مسيرتنا ألطف
إليكِ : يا مهد طفولتنا المحملة بأنوار الله، الضائعة بالبحث عن الصداقات حتى علّمتنا جوهرها
إليك : يا صوت رحمة الله في عصافير يوم جديد بعد ليلة مُفجعة
إليكِ : يا سُبلاً سَنح لنا الخيار بالتولّي عنها، فكانت هي واحتمالاتها ترِكاتنا من الحياة
إليكِ: يا كلّ مسرّاتنا التي أيقظتنا خِفافاً، وهمومنا التي أودعتنا الى النوم نبكي الضياع
إلى الله؛ كل وسائلنا للتخلّي، حوافزنا للوصول نجابتنا بالتلقي وسرعتنا للقبول
إلى الله؛ كل خطيئةٍ في الأرض جعلت مشيتنا أقوَم..
إلى الله؛ حسنُ توغّلنا في القديم الثقيل حتى استقامت رؤانا..
إلى الله؛ رغبتنا في التخطي، الهموم الشخوص النوائب العابرين الثقال علينا
إلى الله؛ من حيث يعلم كيف نكون ومن أين نمضي وماذا يناسبنا أن نكون..

صديقي العزيز…
حينما رجعت بالأمس لشهر مضى، شعرت بأن ثمة قَشةٌ واحدة باقية في محيطي، وكأنما هي التي أتشبّثُ بها من الغرقِ في موجٍ عاتٍ من الهموم ارتفعت على قاربي من دونما إنذار، من دونما تبقي لي أمل، كنت أنظرُ إلى السماء أسأله الأمل ليكون سلاحي، من حيثما يهبني سلاماً قليلاً حتى أنثرهُ على عواصف عواطفي لتهدأ،
لم اعلم يا عزيزي كيف أسبح وقتها.. ولأصدقك القول فيحصل للجسد أن يتجمد حال الخوف من التصرف البديهيّ، ليرمي العقل بسهام الخوفِ المشؤومة على كامل الجسد ليشعره بالعجز والرغبة في الترك بل والغرق خشيَة المواجهة..
وحدهم يا صديقي من يؤمنون بالله؛ يؤمنون بالأمل، بجدوى المقاومة، لأن الرؤية المرهونة بالنجاة أعلى من الشهوات فيما بعدها، لأن مابين أيدينا ليست مطامعنا وحسب، بل نحن؛ نفوسنا التي تكون أمانته بعيداً عن جميع رغباتنا.. هنا تكون النجاة اضطراراً وواجباً،

صديقي العزيز
أحب أن أذكر نفسي أن في جبال الهموم الآنية ما سيكون في البعيد أعظم، ليس بالأجور وحسب بل بالحكمة، بالنور، بالتقدم لجوانب دواخلنا.. أن الحصيلة التي تتركها فينا الأتعاب أعظم بكثير من تلك التي يكافئنا فيها الفرح، ومن حيث لا تبدوا المعادلة عادلة فهي إلى الحكمة أقرب.. وبالنسبة لنمائي الذي كنت أخاف اسراعه، فسأفضّل أن أختار توابعهُ في هذا العمر المرن عن أن يخرج لي كحسرات فيما بعد حين تكون أطرافي هرمت عن محاولات المقاومة ويبدوا جسدي أثقل..

نهاية يا عزيزي..
لا زلت لا أعلم، لماذا تكون المخاضات.. بل إذاما كان لها في العمر ختام ونهاية؟ ولكنني أعلم شيئا وحيدا، أن المقاومة لها بُعدٌ سماويّ أكبر من نفوسنا وما نرغب، وذاك يحفزني أن لا أكون أنا حين أقرر النهوض، بل أن أبقي على جميع تلك الأبعاد في روحي حاضرة ..
أرجو من الله يا صديقي أن تنتهي دروب مخاضاتنا بسماء .. أو يهطُلَ المطر

حتى ألقاك..