Tue.. 18.April.2023
27.Ramadn.1444AH
يقول جبران خليل جبران :
“إن الجمال سر تفهمه أرواحنا وتفرح به وتنموا بتأثيراته، أما أفكارنا فتقف أمامه محتارة محاولة تحديده وتجسيده بالألفاظ ولكنها لا تستطيع. هو سيّال خاف عن العين يتموج بين عواطف النَّاظر وحقيقة المنظور. الجمال الحقيقي هو أشعة تنبعث من قدس أقداس النّفس وتنير خارج الجسد مثلما تنبثق الحياة من أعماق النّواة وتكسب الزهرة لوناً وعطراً…”
ويقول :
“ما أجهل الناس الذين يتوهّمون أن المحبة تتولّد بالمعاشرة الطويلة والمرافقة المستمرة. إن المحبة الحقيقية هي ابنة التفاهم الروحي وإن لم يتم هذا التفاهم بلحظةٍ واحدة، لايتم بعام ولا بجيل كامل.”
وأنا يا صغيري قد جلست إلى الصمت بين الكلمات، والصمت بين الآخرين، وقلّبت أحداث حياتي بين الواقع المشهود والأحلام القريبة، وأخذت أنظر من زوايا يعرفها البعض ولا يألفها آخرون، وحاولت بكلّ ما أستطيع أن يكون لي في توليف النفوس على ذوات من أحبّ؛ يدّ، وما كانت يدي يوماً عابرةً بذلك الوصل إلا على من قبِل واستطاع وشابهت نفسهُ مبتغاي بالوصول ولمس طريقه طريقتي..
وإني يا صغيري لا أعوّل كثيراً على صحّة الأشياء التي تنوء بي على هذا الدهرِ وحجم القلق الذي يغتالني قبل النوم ومن كلّ جانب، ولكنني أتلمّس في العلم طريقاً أتوصّل به الى الحكمة، وفيها وإليها يسيّرني حدسي الذي أحياناً يخطئ وأحياناً يصيب، ولكن الإستماع له يورثني حريةً في النفس أشتهي أن أكون في مدارها وأحبها .. أحاولُ دائماً فكّ رابطتهِ عن الهوى،
وقد لا ندرك أنه من خلال انفتاحنا على الناس أو انغلاق أدراج ذواتنا ودرجاتنا عن الآخرين أننا نزيد من تعميق سحرنا الخاص وتنقيح رؤيتنا الخالصة تجاه الحياة، فحينما لا نُشرك فيما نفكّر أحداً، ولا نأخذ الرأي عن كوامن ذواتنا في أيّ مناسبة، نجد أننا في دواخلنا أيضاً نتحرر بين رابطةٍ نبتغي أن تكون فينا ثابته وأخرى مع آخرين تعطي ولكن من منحىً آخر يقاربنا في الإعتقاد ولا يساوينا في العوالم الكامنة..
الآن أعرف يا صغيري الحبيب أن السرّ لا يُكشف إلا من خلال مصداقيّة الابتغاء وحقيقية السعي وأمانة الذات أمام نفسها .. أنه محجوبٌ على من لا قلب له للإحساس به ولا أُذن له لإصغائه ولا عين له لرؤيته .. أن الشجاعةَ يا عزيزي مقرونةً بأدقّ الأشياء لا بأوسعها ولا أكبرها ولا أعلاها بل هي الحجاب والستار الذي يكشفُ عن نور كلّما اقترب الإنسان إلى ذاته خطوة، وبين الخطوة والخطوة للنفس مسيرة أعوام .. وحياتنا يا صغيري قصيرة، قصيرةٌ جداً على أن نُحبس فيها من حلاوة التذوّق والتقدّم والخطو..
أتمنّى أن تملأنا يا عزيزي الشجاعة التامّة، لنسعى ونكشفُ ونميل وتهدأ عواصفنا وتسموا نفوسنا ونغترف فنقترب ونحبّ ونُحَبّ فنتقرّب.
Wed.. 19.April.2023
28.Ramadan.1444AH
يا الله .. كم يعيد النهار للإنسان شعوره بالحياة ، نتفتّح مع الشمس كمن يتفتّح عهد طفولته القديم على أكبر الأشياء التي يحبها..
كائنٌ وكونٌ وفضاءٌ وسَعَه .. لونٌ مضيء من خلفه سماءٌ زرقاء وسحبٌ تتوزّع، بيضاء كما قُطن وجلالٌ ربانيّ يعطي للمنظر حُسناً علويّاً لا يستحسنه إلا من يملك من الخيال ما يتعدّى السماوات ومن الإيمان ما يرنوا إليها..
ونحنُ البشر نتطلّع دوماً لأوطاننا التي خلونا منها على الأرض أو خلونا عنها، نرى السماء في كلّ مرةٍ ناشدين تحررنا أمام أفقها، هاربين من ضيقنا إلى وُسعها، طالبين من الغيم أو أفلاكها المتقلّبة أو ألوانها خلال اليوم أن تكون لأحلامنا وصلاً ولآمالنا كفائة..
الحالمون، الأنبياء، الشعراء والشاردون .. يتمسّكون بالتطلّع للسماء ليس لأن فيها وُسعاً أو لأنها المهرب العزيز للعينين فقط، بل لأن خلفها يقوم دائماً حجم السؤال على شُحّ الإجابة .. نراها لنتطلّع أكثر، لنتسائل أكثر، لنسبّح أكثر، لنشعرُ ببعدنا أكثر .. فلو كانت السماء موطن الروح منا فما يعنينا واقع الجسد ؟ هي تخفف دوماً سجننا الأرضيّ بأيّ حالٍ كان وكنا..
شوارع الحارة تمتلئ بالمياة التي لا تقدمُ من مطر، ولكنها تسيل من أحواش البيوت التي تتجهّز للعيد .. تشبه في أنوارها المنتشرة في هذا الوقت من الليل حين خروجي مدينةً من خارج هذا الكوكب، مشّعةً بالخيال، تتزيّن من أجل التقليد لا من أجل الزينة، كصبيّةٍ حسناء أهدتها الحياة ثوباً أخضراً فأحبّت أن ترتديه في ليلةٍ قبل نهار العيد، فصار في انعكاس أفلاك عينيها باللّيل أجمل.
أشبّه وجودنا المعزول هنا أحياناً بمفاجئة الإنتقال، وكأننا حين نرى العائلات وكثافة التجمّعات والسيارات التي تقف حول البيوت، ندرك متأخّراً وحدتنا في هذه المدينة الصغيرة، أو لعلها ليست وحدة الشخوص والعلاقات بقدرِ ما هي وحدة الطبع والإستطباع الذي تربيّنا عليه،
ورغم كلّ هذا، لا أملك في زحام الليلةِ إلا أن أتطلّع لجمال الأنوار على الشجر وسُعار السائقين السريع ووود الشوارع المنثور وزحام الصفوف عند المحلّات، وأبتسم .. لأن خلف كلّ شخصٍ حكاية، خلف كل انتماءٍ غاية، وخلف كلّ قصةٍ يحكيها الزمن لنا والوالد عن قِدمها تستطيع أن تتبنّى هذه المدينة دائماً جديد الأشياء..
ثم أرجع لمنزلنا الذي يبدوا منكفئاً على نفسه، وأفضّل الانكفاء بذاتي أيضاً في لحظةٍ ساكنه، والهروب إلى خلوتي حيث منها تبدوا المدينة ذات أصواتٍ عالية وأنوارٍ ساطعة مقارنةً بالليالي التي تكون فيها مهربي الهادئ عن كلّ شيء.. أجلس إلى نفسي وألمس قلبي وأستشعر دواخلي لأتفكّر بكلّ الذي فات، وبكلّ ما هو آتٍ وأشكر الواهب على سعة العطاء على قدر حجم المنع وبهاء الوجود على قدر أحزانه ونعمة الإحساس على قدرِ ما تمسّني وتميلني بريحها، ونعمة الفضول على قدرِ ما تحرقني المعرفة.. ونعمة أن أكون هنا والآن على وجه عيدٍ جديد يعيد لنفسي نفسها..
أدعوك يا صديقي في هذه المناسبة السعيدة، لأن نجعل الإختلاف يرقّينا ولا يغيّرنا لخواطر آخرين، أن نسطّر منه حكايتنا الخاصة بآمالنا الخالصة، أن نُحييه ولا نخجل منه، أن نجعله سِمةً لا عالة، أن نجعلنا منه ما نتمنّى أن يكون خِلاف نقمنا لما يُحدثه.. وأن نلاطفه صغاراً ونحمله شباباً ونحكيه شيوخاً ونشعل من فكرته قناديلنا للمضيّ حيث لن نكون يوماً كما كلّ أحد.