متــى فقــدت صديـــقك؟

“يقال إن المرء يستطيع الذهاب إلى أيّ مكان، إن كان هنالك دربٌ في قلبه.”

عندما كنت صغيراً كان لديك صديقاً تجلس معه في أوقات الفراغ، يتسائل وتردّ عليه أو قد لا تعبأ به، ولكنه كان حاضراً في يومك. الأوقات كانت لا تعنيكما، الأيام تبدوا أطول، كنت تلعب لأجل اللعب، وتنام لأنك متعب وتأكل لأنك جائعٌ فحسب، وأيّ لقمةٍ ستكفي، لم تكن مدركاً لأيّة أبعادٍ أخرى ولم تكن لتقارن ما بين يديك مع ما في جُعب الآخرين. صديقك كان حينما تطلّ من نافذة السيارة على الغروب في طريق؛ يعطيك خيالاتٍ كثيرة، وعندما تحدّق في ملامح السائقين عند الإشارة كان يثير في داخلك قصص الناس من حولك .. هو لم يكن فعلياً صديق، بل كان صوتك وحديث نفسك الداخلي .. كان يمشي تبعاً للحدس اليوميّ، يفعلُ في تصوّرك ما يريد .. القلق لا يعرفه، من خلال البطئ والتكرارات اليومية وخلواتك كان يسامرك، قد يكون رافقك في دهشتك الأولى حينما نثرت الرمل من بين يديك أو حاولت التقاط ماء البحر أو صعد معك للجبال أو رسمتما سوياً من السُحبِ صوراً وأشكال وهو يستطيع أن يرى كلَ شيء بصورة جديدة وبزاويته المختلفةِ كلّ يوم. ربما الآن تقلّصت زياراته على وقت النوم أو ساعات الأرق وظلّ يحفرُ في ذنوبك بحقه حتى يزعجك، أو لربما التفت عنه إلى جهازك لأن زر التشغيل/اللمس دائماً بين يديك، بطريقة تُشعرك أن اهتمامك في حدّ ذاته سلعة ..

كل شخص منا يمتلك حديثًا داخليًا، وتصوّر ما للحياة التي يريد عيشها، ورغبة في أن يكون أكثر هدوءًا في نفسه وعلى من حوله .. جميعنا نريد أشياء حقيقية ملموسة ومشاعر صادقة لا يتسرّب منها الزيف ولا تخدشها المشاركة .. مواقع التواصل الاجتماعي جزء من عالمنا اليوم .. جزء جميل وعزيز جداً، صار لدينا أصدقاء عالميين بالمعنى الحرفيّ للكلمة حتى ولو لم نبرح أماكننا. قرّبت لنا البعيد وأوجدت لنا مجتمعات ولربما بَنَت بين من لم يكونوا يجدون في حيواتهم أيّ نقطة اشتراك، جسراً ليتحدثا عن جديدها وخلقت لهما اهتمامات مشتركة، آنست كبارنا وعبّأت ساعات انتظاراتنا وسهّلت علينا الكثير من أتعاب الوصول والاجتماعات .. ولكن، هل صارت هي أداتنا أم شُغلنا؟ وهل صرنا نحيا من خلالها أو نحوّر خياراتنا حتى تتماشى مع حياةٍ فيها تفتقد للحقيقة؟ وهل قد نستخدمها للهروب من شعورٍ ما؟ أو أنها قد اتخذت حيّزاً بينك وبين صديقك/حديثك معك؟

في عالمها نفتقد السِياق .. لا يبدوا تسلسل الأحداث مهمّاً حتى يوصلنا لفعلٍ ما أو لإدراك نتبنّاه، وكأنما تكون الأمور مسكوبةً والأفكار تلقى من جيوب أصحابها بنقرةِ زرٍ للنشرِ والمشاركة .. وأنت لا تعلم أنك عرضةً لمحتوى من الفراغ والهشاشة إلا حينما تعود للكتب، فتجد كلّ فكرةٍ تجرّ أختها من جُملٍ تخدمُ مواضعها بالصفحةِ والفصلِ والخطاب ناهيك -ولله المثل الأعلى- عن بلاغة القرآن التي تجعل من كلّ ما تقرؤه بالمقارنةِ هباءً منثورا .. ما أحاول قوله إن عقولنا عضلةٌ تشتدّ وترتخي وتصحّ وتمرض، أما حينما نعوّدها على التمرير السريع على الشاشةِ من عالمٍ إلى فكرةٍ إلى عالمٍ آخر سيصعبُ علينا بعد حين أن نمنطق الكم الهائل مما نتعرّض له، وسيكون علينا أن نقوم بجهدٍ مضاعف لردّ الانتباه إلى مجراه الطبيعيّ،

أبدَعَ فصنَع فسوّى .. سبحانه، وجعل لعقولنا القدرة على التأقلم رغم كلّ أنواع المعلومات اليومية التي نتعرض لها، لا زلنا نبدع ونتقن ونضع الجميل على طاولة البشريّة رغم الألم الحاصل .. ولكن أيضاً لنفسك عليك حق. ويتحقق ذلك حينما تستعملها لا تستعملك .. اتخذت عادةً شهريّة للخروج من تطبيقات التواصل الاجتماعي كلّ سنة، وفقط حينما تبتعد تستطيع أن تلاحظ حجم تشتت أفكارك، إلحاح عقلك ويديك لتناول جهازك ولو لم تكن فيه تطبيقاتها، سرعةُ انقضاء تدفقك على عملٍ يحتاج التركيز، ورغبتك للانتقال إلى عالمها الموازي. الخروج من هذه الدائرة يعلّمني كلّ سنة حجم ما أستطيع أن أكونه .. بالزاوية الخاصة في عقلي، أجلس مع صديقي ونرى الوقت يمرّ، نلعب ونتخيّل ونحدد ألوان الشعور وألوان الحياة ولا نحسب الوقت.

صديقي العزيز .. كنت أفكّر في التكرار .. كم مرةً عاد رمضان مثلاً على من يكبروننا؟ وكم مرةً سيعود علينا؟ أفكّر في تطبّع الإنسان على ما قد مضى لهُ من حالٍ وأحوال بعد مُضيّ الكثير من المتشابه، كيف يُقبلُ على الدنيا وكيف يصدّ عنها، كيف يوازيها وكيف يطمعُ فيها ثم كيف يحبّها وكيف يمتلك الفضول والأمل تجاهها.. كيف يعيش وكيف يتعلم وكيف يتّبع ما يعلَمهُ وكيف يربّي نفسهُ وكيف يُبقي على حديثهِ حي، على أملهِ حيّاً يا ترى ..! وهل التكرار يجعلُ من أدواتنا أقدر على تعديل ما في بواطننا، أو هل الوقت وصيانتنا الدائمة للنفسِ سيكونان كفيلين بانطباعٍ جيّد لآلياتنا التي من خلالها نكون، ونمارس الحياة؟ علّ بعض الجوابات يا عزيزي لا يحملها إلا الوقت، الزمن هو ما يكشفها .. ولكنك في الحاليّ يكون قياسك راضخاً لمقدارِ سكونك الداخليّ، فحيثما وجدت سكينتك وجدت نفسك.

هذا العقل الهادئ بيتك، أنت مسؤول عمّن ستستضيف فيه، فكّر بضيوف المعلومات المكثفة التي تستقبلها كلّ يوم، والغرباء الذين تتابعهم واذاما كنت ترتّب بعدهم البيت وتنتقي بيئاتهم .. هل تستطيع مقارنة جهدك بجهودهم؟ أم يبدون بعيدين عنك بمراحل ما يشعرك بالإحباط..؟

يقول لوك بورغيس الريادي والأستاذ في ريادة الأعمال ومؤلف كتاب (رغبة المحاكاة في الحياة اليومية) : “لدينا باستمرار أداة تقليد في جيوبنا حيث يتواجد داخلها كل هؤلاء الأشخاص المختلفين، الرغبة المقلّدَة أو المحاكية هي أننا نتبنّى رغبة شخص آخر على أنها رغبتنا! عادةً دون أن ندرك أننا نفعل ذلك. لذا؛ فقد منحتنا مواقع التواصل الاجتماعي الملايين من النماذج المقلدة التي يتعين علينا الآن أن نتفاعل معها كل يوم. هنالك نوعان من نماذج المحاكاة، النوع الأول يسمى الوسيط الخارجي للرغبة، وتكون هذه النماذج خارج عالمنا لأنهم موجودون في مجال اجتماعي مختلف عنا وليس لدينا إمكانية تواصل معهم وبالتالي، بالتأكيد لا نستطيع أن نتنافس معهم. بمعنى أنهم خارج عالم رغباتنا لأنهم خارج عالم المنافسة. أما النوع الآخر من النماذج فهو يوجد داخل عالمنا، ويسمّون الوسطاء الداخليين للرغبة هؤلاء هم الأشخاص الذين نتواصل معهم وهناك إمكانية للتنافس معهم، وهم في عوائلنا وأماكن عملنا والذين قد يكونون أصدقاءنا، من السهل أن نقارن ذواتنا بهم وننظر إليهم كمقاييس. الخطر من وسطاء الرغبة الخارجيين “البعيدين” هو عدم وجود نهاية لتلك العملية المستمرة من رؤية الناجحين طيلة الوقت. كل الرغبات هي شكل من أشكال التسامي عن النفس؛ نحن نرغب بتجاوز الحدود، وصعود قمم الجبال، وأن نكون ذلك النوع من الأشخاص الذي لا نشعر أننا عليه الآن. وجود نماذج إيجابية للرغبة في التقليد هو أمر جيّد ولكن علينا أن نفهم حدود أي نموذج نتبناه ونفهم سيناريو كل من تجربتنا وتجاربهم في الحياة، ومن المهم أيضاً أن نكون على وعي بأن شخص ما نتابعه قد أصبح أنموذجاً داخليّاً للرغبة بالنسبة لنا. لأننا في تلك الحالة يجب أن يكون لدينا حدود. لأن كل الرغبات تأتي من شعورنا بالافتقار لشيء ما، وهذا من الممكن أن يقودنا إلى حلقة مفرغة خطيرة لأنه سيكون هنالك دائماً نموذج آخر للعثور عليه.”

أحبّ أن أتبنّى ما يخدمني .. الحياة يا صديقي طويلة، وشاقّةٌ على من لا يستطيع الحسم فيها من خلال معرفته لذاته، وتسييرها كما النهرِ المنساب من خلال الطين والسدود والمناجل إلى ما بوسعهِ أن يباركها .. يقولون إن الانفتاح حريةٌ مطلقة، وأشعر أن الإطلاق في فعل ما نريد يساوي الشَعث .. هل نعيش يا صديقي حسب القيم التي نحب؟ هل نحن نستيقظ كلّ يوم ونقدّم الأفضل مما استطعناه بالأمس، وهل نشعر بالاستقرار في هذا العالم السريع الذي يلحّ على تطوّرك باستمرار ..؟ 

عليك أن تعي دائماً أن لديك خياراً بديلاً عن الدائرة، لن يكون الاختيار أمتع الخيارات : أي أن تحجب نفسك عن مثيرٍ دائم، ولكنه سيكون خيار حكيم يؤدي بك لمكان جديد داخلك .. داخل بيتك، فأثمن هدية من الممكن أن تمنحها لنفسك والآخرين، هي أن تحمل ذاتك وتعرفها وتأنسها بشكل جيد. وعنّي، فلستُ طامعةً بالتحوّل ولكنني جارةٌ للمعرفة، والعلم. ولستُ أمتهنُ الدهشة حتى أتعرف على الآخرين ولكنني أؤمن بتزيين المكان والرضى بالنشوء فيه والتذكّر، التذكّر دائماً، لأننا من خلال القصص الماضية والقصص التي تمرّ من حولنا وتفاصيل الأيام الصغيرة نعرفُ وندرك أين نتوقّف، ومن نكون.

 لا تبتعد فتتوحّد ولا تقترب فتذوب .. هنالك دائماً خيط من المقدرة وحبال من القدرة وحريّة في الاختيار نشأت فيها. ما تكونه بينك وبينك لن يمليه شخصٌ آخر عليك، ولكن مالحياة سوى وقتك، وما وقتك سوى اختياراتك وما خياراتك إلا حياتك.

مرجع :

3 طرق للدفاع عن عقلك ضد تشويهات وسائل التواصل الاجتماعي

وأنا يا صديقي أصفحُ للحياة اليوم صفحاً جميلاً عن جميع وجوهها التي ناولتني وأنوارها التي سلّمتني وجروحها التي قد تكون وقتها أوجعتني، ولكنني من خلالها كبُرت ولم أكبُر..

أليس من المفارقة بمكان أننا قد ننشد الحياة والتجربة عمراً بأكمله، ثم حينما يقوم لنا كائنٌ فيها تُرانا ننشد الراحة منها والاختباء ..!

حسناً ياصديقي .. سأحاول أن أتموضع، وأجلس في منتصف الأشياء، بين الحاصل والأحلام .. وكيفما أكون بالقياس قد قاربت منتصف العُمر ومنتصف الحياة ومنتصف التجربة -والله وحده أعلم- وقد رضيت بها ولا زالت الأيام تقودني نحو اسئلةٍ أعمق في الحياة، فقد أكون بشكلٍ ما على مسارٍ ماضٍ رغماً عني، لربما لا نعرف ما قد يكون صحيحاً حتى تمضي أغلب الاشياء، لكن هدفي يكون دائماً أنلا أنغمس في التكوين وأنسى كيف كان أو من قد يكوّنه .. إن تلقّي الأحوال ياصديقي وخصوصاً الرحيم منها على محمل التسليم، يرعبني .

ها أنا أجلس في صدر الحياة وقد ابتدى في واقعي شيئاً مما يكون في عراكها الطويل .. أحبها مرة، وأتمنى الخلاص منها والتخفف مرة، ترضني مرات وتصدّ عني وجهها الحُلو مراتٍ أُخر .. تتمنّع فأحاول معها ببذل النفس، وتعطي فأخاف حينما تبتسم لي،

أهرب،

تلحقني،

تهرب،

ألحقها .. والزمنُ على سيره باقٍ لم يثبّت في صورته إلا الطفلة الكامنة فيّ، والطفولة الباقية مني علي الأيام، وجوهر البراءة الذي أحاول التمّسك ببواقيه في هذا العالم الذي يبدوا كما يدور ويدور .. وأخشى يا صديقي أن يلتهمني الجذب أو أتوقف في المنتصف ..

شيءٌ واحد يا عزيزي يعيد لعبور الأيام نسيمها في نفسي، إن امتداد السماء وابتعاد النجوم وسحر السكون وجلال الصمت ينبئني في كلّ ليلةٍ أن ما أبتغيهِ سيكون، لن أصل للنجوم لكني حينما أسمعها في الليل من خلال بصري أعرف أن ما أرجوه سوف يكونُ ، ليس لأن أحلامي سهلة بل لأني رأيت في الدنيا كلّ ما هنالك، شوقي يكون لأحلامٍ عالية ، وما نزهد فيه ؛ يأتينا.

للسماء في عينيّ مورداً يعبّئني ويجعل لوقوفي على الأيام جسراً من ألَقٍ وللسكون شوق وذوق ومعنى ولهدوء الأصوات محبّة ونسيمٌ عليل يشبه صوت البحر في يومٍ أزرق .. وكلما تذكرت جمال الشروقات التي لم أشهدها بعد أو الغروبات التي قد تحلّ على سماء حياتي من دونما انتباهـ، أتوقّف .. وأعود لأحاكي السماء حتى يزول عنّي رَوعَ ثقيل الأيام ويطمئنّ ما قد كان فيّ متنافرا .. أحنّ للروح كمن يحنّ إلى طبيعته الأولى رغم جميع ما قد تغيّر..

صديقي العزيز ..

وإني أخبرك أن هذا النهر الدافق من الحياة، الساري بلا توقفٍ للزمن قد يحمل فيه المتنافر بالفكرة ولكنه المضمون بالطبيعة المائية للدِفق ليبقى الماءُ صالحاً، معقولٌ فيها أن تحب الشخوص وتكرهُ ما يفعلون أو تحبّ ما يفعلون ولكنك لا تحترم من يكونون أو تحترم من يكونون ولكنك لا تقدّر ما يفعلون، والعدد يطول في هذا التنافر .. وأن الجزم ياعزيزي بالشعور دائماً ما يضعني في موضع عدم الإنصاف، حيث يأتي علينا من قد لا يكونون في إطار الرحمة ولكنهم في إطار المعاملة، وبعد الإلتزام فلنا مع الناس واجباتٌ كما لنا حقوق ولنا فيهم معايير كما تلزمنا الأخلاق .. كلّ ما أستطيع قوله لك الآن أن المعاملة مدرسة حياةٍ طويلة .. وأن لنا في هذا المجال حِمل ثقيل حينما نعامل الحياة بالشعر والشعور لا بالمنطق، ويثقلني القول بالواقعيّ أنها تحتاج بؤسنا الطينيّ بقدرما تتطلّب رقتنا الإنسانية ..

صديقي العزيز ..

لا يزال كلّ شيء بخير ولكنها طبيعتي أن أتبصر قبل أن يضيع مني الحُلم أو يجفّ المنبع .. أبقي على قطعةٍ مني في كلّ يومٍ بكتابة، نص، قصيدة، دعاءٌ وابتهالٌ روحانيّ، سماء تظللني عتماً ونوراً وحضوراً، طقوس تأخذني من أقصى الحرّ الصحراوي إلى ألطف نسيم الساحل الشتويّ لبحر الخليج .. حيثما هناك أكون أنا وجميع ذكرياتي وطفولتي بخير .. وكلّما استطالت عليّ الأيام أو اشتدّت عليّ دقائق الوقت والمعضلات، أغمضت عينيّ وشهِدت فيها على ربي وأقررت أن كلّما نكون فيه مَحض خيارٍ واحد ووحيد، إما انغماسنا في القصة أو رضانا عن واقعٍ ننتظر ما يتليه .. وفي الخيار الآخر فيكون قرار استغلال الأيام حتى في الإنتظار من الذكاء ما يضمن لنا أن لا تغيب الحياة عنّا ولا نغيب عن وعدها وأمانتها وعهدها فينا .. وإني كما أحبها آمل آمل أن تكون هي أيضاً من طيّبها علامتي على رضى ..

صديقي العزيز ..

الآن أعلم أن كلّ شيء مرهونٌ بالرحمة ثم بالفكرةِ تجاه الإيمان ثم بالرّغبة الملحّه لذلك الإيمان ثم باليقظةِ فيه ثم بمحاولة فهم جوانبه ثم بمعالجةِ أجزاء نفسك التي لا ترتضيه ثم يكون العمل عملك والطريق طريقك لتتركَ منك ومن فكرتك الأثر، كان ذلك في محيطك أو في كتابتك أو فيما تتلقى وتكون ، حيث تبقى فكرة الإعمار صافية دائماً في ذهنك وقريبة إليك من نفسك وواجبةً عليك منك كشُكرِ وجود ..

أرجوا يا عزيزي أن تجدك هذه الكلمات وأنت على أفضل حال.. ابقى دائماً بخير، وعلى عهد الحياة.

ودائماً يرجــع السؤال للسؤال يا صديقي .. أن ما قيــمة الإنسان حين لا يقــاوم، أو يســعى ..!

سأعصي سرعة الوقت، وأضرب بموازين طمعي عرض حوائط الحياة كلّها ثم سأسمح للمجرى أن يتدفّق في محلّه من جديد حسب السرعة التي يريدها .. سأهيّئ له المكان والمساحة وسأفرغ له بضعاً مني وبعضاً مما أعرف وسأقوّض له أن يسيّر الموازين حسب تلقائيّته، كل ما أستطيعه تجاه القضاء أن أميط عنه تعلّقاتي الضاربة في الأرض، والجذوع التي سقطت عمداً أو من دون قصد، علّها حين تحسّ بجزمي على المسير؛ أن تركب موج مائي أو تستقرّ في ذاكرتي على جاله أو بعيداً عنه حتى يسري كما يشاء ..

للكلمات مكانٌ بين النجوم .. تومض أملاً حينما تتوشّح سماواتنا بالظلمة، وتجلوا همّاً حينما تبتعد طيور السلوان وتدهشنا من ذواتنا بالكثرةِ حينما تبدوا كلّ الأحداث ساكنة ..

الأحداث رغم كلّ هذا يا صديقي من حولنا لا تبدوا ساكنة، فبين ما نراه وبين ما نحاول أن نتناساه ثمّة حيوات تعاش وتُقصى .. عوائل، طفولةٌ مُجهضة، كوارث، مشاحنات .. والكثير من الألم .. ولا نجد على هذا الهامش إلّا أن نبحث في دواخلنا أن كيف نضعُ للأشياء الممتدةِ حدّ، وماهو العمل المتعدّي عن النفس في هذا العالم المتعدد، وما هو الطريق الذي سنختارهُ في كلّ يومٍ ومرّة ..! وكم أحب ياصاحبي جموح الخيالِ حين يحاول تقريبنا إلى فكرةٍ مطمئنة .. كم يسدّ الثغور ويبني الجسور ويرممُ الجدُر ، يقطع قصص ويثبّتها بأُخرى ليخبرنا أننا سنكون بخير .. 

هنالك خيوط رفيعة بين الإنكار والمعرفة، والقرب والالتصاق، والمحبة والبغض، والثقة والجهل، والحكمة والسعي، والتجربة والتطرف .. إن أصعب شيءٍ ياصديقي لنا نحن البشر أن نقف على سراط الميزان المستقيم بين كلّ تلك الأمور، وأن نكون على اتزان، تجد دائماً أن الرؤية تحتمل العديد من التفاسير، والحياة تقع بين درجاتٍ متعددةٍ من الأطياف والألوان والاختلافات ..

صديقي العزيز ..

إن الوجود رغم حلاوته وعظيم الجمال فيه والإحسان الذي يدركنا من خلاله برحمة، مغلّفٌ بعدم الكمال .. فلا يصفى لأحدنا دهره بمجرّد الرغبة فحسب ولو أن كلاً منا أعطاه الله جميع ما يطلب مرةً واحدة، لصار التوقُ في قاموسنا ماضٍ والدعاء في أيامنا زيادة .. ولكنه -سبحانه- أمضى لنا حيواتٍ نعود له فيها فيباركنا ونتبارك بقربهِ وشكره وعظيم عبادته ..  وكيفما نريد أن نتوسّع في إمكاناتنا أو محاولاتنا أو حتى تفسيراتنا للحياة، أجد أن الجواب بعد تفكيرٍ طويل يعيدني دوماً لنقطة الارتكاز العظيم ؛ أننا أوعية الأقدار، وأن كلّ ما يمضي ويكون ماضٍ فينا ولنا لسبب، وأن الله بنا محيط وأن إحاطته أعظم نعمة ورجوعنا إليه أرقى ميلٍ نهبط عليه فننهل ويروينا .. فمالغيب إلا مايخفيه الله عنّا لأجلٍ سنكون بالغيهِ بعد مدّةٍ من الزمن أو على عهد حياةٍ بعيد في حين يكون الخفاء هو جُملة الرحمة واليقين فيه جُملة الإيمان.

أن نتحرر .. من كان ليعلم أنها قد تكون وَمضة، خيال، نص، نسمة ربيع، استنشاقةٌ عالية لهواءٍ بارد .. أو ابتسامةٌ بين الذات والدواخل .. من كان ليعلم أن بعضها يكون حين تَمسّك روحٌ عالية، تباركك بالكشفِ لتجعلك تشاهد التجربة من عينيها لا من عينيك ؛ لتنغمس وتعلو، تتعمّق وتسموا، تحب وتنفتح وترتاح ..

يا الله .. كيف خلقت عالماً لا يكون بهائه إلا في التحرر منه..! كيف جعلته حقيقياً جداً، وهامشيّاً جداً في آن..! كيف جعلت منه عِليةً وسفولا ووازيتنا رغم اختلافاتنا إليك ورتبتنا رغم بعثرتنا عليك وجمعتنا رغم اختلافنا على بابك وأمضيتنا رغم فرقتنا على جنابك .. نخضع، فنعلوا ونصفح فنَسلم ونتصدق فنتبارك ونصدُق فيتجلى لنا الطريق ونحب الحقيقة فتتكشّف ونرنوا للمعقولِ فينفتح وتدنو تدنو فتدنوا لنا الأرض كلّها حين نصدّ عنها إليك .. سبحانك .. كيف جعلت فيها من يرحم، ومن يقسوا .. من يحسّ ومن يتقوّى، من يحبها ومن يبتغي الخلاص منها، من يريدها ومن يمقتها؟ كيف جَمعت فيها مفارقتك، وجعلت فيها الفقير غنيّاً والغنيّ فقيراً والعالمُ خائفاً وجلاً والجاهلُ واثقاً متحدّياً ..! سبحانك .. كيف رضيت للإنسان فيها أن يتكبّر عنك ويتجبر ، ويزيح اسمك ويحكم بغيرك عليك ويرجوا رضىً لا يناله منك ..! 

يا الله .. هذا الكون، هذي السماء، هذا الوجود رغم نُدرة الكشف حلوٌ لاختيارك وحدك فيه ..

ويبينُ لي يا صديقي أن الحديث فنّ والاتصال بالدواخل نعمة والسكون الغامرُ قبلةً لا يوجهها لنا العالم السريع في دورته التي تبدوا بلا روحٍ كما المغشيّ عليه .. أن نألفنا من الوريدِ إلى الوريد، ولا تفاجئنا الأيام باللغوِ وأن نحيا سالمينَ واردين المولى فيما نحبّ وما نريد ؛ تلك هي الغاية الخالصة ..

وحتى يؤذنَ لنا أن ننقاد إلى وحي الحقيقيّ، ونستريح إلى النور، ونقترب كلّما تقدمنا للأكيد .. أرجوا يا صديقي أن نبقي علينا بخير .. 

 

المعنى هو ما لا يُباع و يشترى .. هو قسمةٌ في القلب حبلى، وجنينها عهدُ الأمينِ .. شبابها كهلٌ تغرّب موطناً ونسيمها روح الشهودِ على الوجودِ الحيّ من وجه الغياب ..

هو سُلمٌ مهما ارتفعت سَمى ، هو قبلةٌ للمتقين الى سماء الله ترتفع الوجوه عن الدُنى هو سعينا بمقام أن الله أقرب للوريد إذا يرى ، هو علمنا أن البعيد الماهناك محِلةٌ أصفى على القلب المُعنّى من طويل مسيرهِ بحثاً عن المعنى، ولا معنى هنا ..

لم يكن في الناس لهوي ولا الى الاخرين مناصي .. كنت دائماً ما أشعر بالوحشةِ اذاما شحّ توحّدي لرب العالمين، تلك الوحدة التي يسميها البعض انطوائيةً واسميها امتلاءً تشير من خلاله بوصلة الروحِ الى السماء 

كالكتابة في تجلّيها كصلاةٍ للروح أمام من خلق الأمانة .. حين نرمم جسوراً بين ما يحدث لنا وما نترجمه فينا، فهي في حقيقتها الحيّز من الكلام الذي يبقى في جعبة الروح ويتوارى عن حديث الجسد، تشهدها تلك الدعوات التي تخرج بسيولةٍ دافقةٍ على لسان الحالِ في لحظة سجود فنتذوّقها كأطيبِ حلوى ..

أشعر ببرودةٍ تسري في أعماق روحي .. صحبتني من خلال نجمةٍ في الليل حين همست لي بالهدوء الصعب أمام العواصف وكأنها هي التي تضيء منذ ألفٍ انفجارٍ وانفجار تشهدُ أن أعتى ما قد يحصل، يمكننا دوماً أن نشاهده من بُعدٍ قصيّ ؛ فيكون أصغر ..

صديقي العزيز .. 

أحمل في روحي عظيم الحب لهذا الكون الواسع .. لفرص الحياة ، للاقترافات الصغيرة التي تسري من بين يديّ ومن خلفي، للشعور الذي يكون بين جنباتي وأحسّه .. لقرب الأحبّة، لتعلّم الدرس، للمعرفة التي لا تنتهي، للأبعاد التي لا تضمحلّ، وللرؤية التي حيث تكون مطعّمةً بالدهشة فهي لا تخفتُ أبداً .. أشعر أنني أنموا، في المرحلة التي لا تُرى، تحت تُربةٍ لا تُحسّ .. أنضّج الفكر وأحتوي المعنى بسقاية الشمس والأمل، أتوغّل في الأرضِ وأزاحم التراب مكانه، وقلّما أحسّ يا عزيزي أنني أكبر، ولكنني الآن ألمس تلك المرحلة في دواخلي .. ورغم كلّ تخوّفاتها إلا أن لها من الجذور بهجةً في الروح لا تقدّر بثمن .. 

ولا أعلم ياعزيزي متى سيحين الوقت حتى يطلعَ لي في الأرض ساق، وتُردف الأغصان بأوراق أو تزهر شجرتي ولكنني في عميق التراب أحاول ترسية جذوري في الأرض، وبشكلٍ ما ؛ يبدوا ما تحت التربة كما سماء .. لست أرجوا أن أُبعث الآن ولا بأس لديّ اذاما طال مشواري للصعود فالأولى أن أكون من الراسخين ..

صديقي العزيز ..

هذا الدرب الممتلئ يشبه الخوض في خيارين عميقين بادئهما فيه الحياة ومنتاهاهما فيه الزهد بالحياة .. أولهما ما يحمل جميع الأمل واخرهما ما يحمل الإيمان .. الحياة تظلم لتعدل برؤية المؤمنين ، والزهد فيها يجعلك على مصافّ التحديات من القانعين ..

إن الحاجة الإنسانية للتطهر ، للخفة ، لأداء واجبٍ روحيّ ، لتذكر الأشياء الأسمى من الصغائر ، للعيش بسند ، للجوءِ الى عظيم ، لسدّ باب الشهوة بل والانتصار عليها .. جميعها أشياء وغايات لا يحققها سوى الدين في حياة الانسان .. وأنبئك أن ثمة ما يكون في رموز البساطة أطيب من جميع محاولات الارتقاء على النفسِ او الفطرةِ او الجماعة .. ولا أعلم إذاما كان في طينتنا وطبيعتنا وسرّنا الغامر ولكني أشعر أن علينا أن نستوطن الأرض من أرواحنا في نفوسنا قبل أن تستوطننا هي فنكون فيها من الطامعين بلا هدف ..

صديقي العزيز ..

المكان الذي أكتب منه إليك اليوم مكانٌ منبسط، واسع، تلاله صغيرةٌ وبعيده، أشاهد الشمس عليها وظلّ الغيمة حين يحين المطر فتكون رؤوسها كما رؤوس الرجال في الحجّ، تارةً تعكس نور الشمس بياضاً وتارةً يظللها سواد الشعر/الشجر الأسود ..

هذه المنطقة من الجغرافيا ليس لها أهل، تبدوا نائيةً سوى من عيون المتأمّلين الذين قرروا الحياد عن الطريق السريع وتوقّفوا لجلال المنظر .. انبساط الأراضي يلامس العربيّ فينا .. أراني كلّما أشاهد أكتب لك بدفقٍ لا ينضب وتنسال الكلمات مني سيلان طفلةٍ عائدة من المدرسة بعد يومٍ حافل وتريد مشاركة والدتها كلّ شيء .. والدتي الصحراء المحملة بحنيني ، وأنت صدى صوتي فيها ..

صديقي ..

المغزى خلف المكان ؛ روح المكان .. وصدر المكان هو ما تراه في لحظة المشاهدة ، ومن تكون في نفسك .. 

تعلمت يا عزيزي درساً واحداً إثر عظيم الترحال الداخليّ ؛ اذاما أقبلت بالاتزان وبالنفس الطيّبة ، زانت لي الحياة ودانت لي الدنيا وتساهل عليّ الطريق .. واذاما خلّ اتزاني بين روح الحياة ومغزاها في البعد الاخر وهو الزهد فيها ، وجدتني أتمايل مع الريح ويتحداني الوقت وأتأرجح بين الضلال واليقين، لأرجع بين ثنايا سجدةٍ تردّني لأصلي الطينيّ وضعفي تجاه خالقي ، حينها يستقرّ الخشوع في دمي ، وتتزن نبضات قلبي ، وأتنفّس بالعمق روح الحياة وتتوسع مداركي ويتفسّح المدى الفاصل بين ما أخشاهـُ وما يكونُ .. 

هنالك يا صديقي لهذه الحياة قانون ، ونواميس .. وهي ستأخذك على محمل الجد الذي تراه من خلالها، لتكون على روحك من المبصرين .. وحتى أكتب إليك من مدى بُعدٍ آخر ، ومحطةٍ جديدةٍ في الروح، أرجوا يا عزيزي أن تكون بخير.. تذكر أني أحبك جداً .. فاحمل حبي هذا وانثره فوق سماء روحك ووزعه بين تلال طريقك واجمعهُ عند مواقف الانتظار الطويل ، حتى نلتقي من جديد ..

أدعوا الله طويلاً وعميقاً يا حبيبي أن يدّلنا دوماً على أنوارنا العزيزة في عمق التعب ؛ ويباركنا برحمته ..

لا شيء، قد يغلب بهجة سكّان الصحراء بالمطر، لا شيء قد يحسّن مزاج غربيٍّ لَمسَ في حِلكة النهار غيمة .. ستخسر في كلّ مرةٍ تحاول فيها أن تُسبِر غورَ سرّ الماء.

صديقي العزيز .. أكتب إليك اليوم من مكانٍ قصيّ ، يُعنى بعمق الذاكرة .. من على تذكار الخيالِ في سفر ، أتلحّف زاويةً داخليّةً في المقهى ، وأراقبُ العابرين ..

ثمّة غلامٌ نحيل .. يمرّ راكضاً بالساحة المكتضّةِ ، قاصداً ضرورةً ما .. وهناك طفلٌ صغير يبدأ بالمشيّ حديثاً ، تناغي تعرّجات المسار قدميهِ المكتنزتان والمحتفيتان في آنٍ واحد بوعورةِ تجربةٍ جديدة ، يدميه السقوطُ تارةً ويردفه لسانه وتحيّةُ الجمهورِ تارةً أخرى ..

رجلٌ كرّس وقته لموسيقى الشارع ، يحمل أداةً واحدةً يتقنها ، وطبلةً متداعية .. يقصّ صوته المتواضع حالة الوجود بأسرهِ ، كقصّته التي تمرّ بهبوطٍ طفيف .. وهنالك كهلٌ على عتبة الباب الرئيسيّ للمدينة القديمة ، أثقلهُ طول الرحلة .. يبدوا أنه يمرّ بفترةِ سكونٍ ما ، غير آبهٍ بأيّ شيء ، لا يحرّك ساكناً .. عينيه تناجي بين فترةٍ وأخرى عنان السماء ، من يراه من بعيدٍ يظنّ أنه يدعوا بالدوام ، ومن يقترب يسمع همس المناجاةِ بالعودة ..

ثمّة شابةٌ تجلس بكامل أنوثتها ، تفترشُ إلى جانب حقيبتها المتواضعةِ كتاباً من الطراز العريق ، تفصّل في أوراقه ، تغوص في عالمهِ ، تنغمسُ في بئرهِ ولا ينتشلها أحد سوى شمس الغروب التي ستزور عمّا قريب ، ولولا الظلال الذي جعل على بعضٍ من كلماته حِلكه ، لما رفعت رأسها للسماءِ مستذكرةً واقعاً ملموساً يحيط بها ..

مقهىً في الزاوية ، تتنفّس فيه عبق الرائحة الزاكية ، من أمامهِ مخبزٌ يفتح أبوابه قبل شروق الشمسِ بساعةٍ كاملة ، يديره حفيد العائلةِ السابع ، عمرهُ بعمر المدينة .. تتدلّى طاولاته على زاويته بشكلٍ مستقيم تحمل زهوراً بقناني زجاجية صغيرة ، تُقطف كلّ بداية يوم ، توحي من أوّل نظرةٍ أنها ثابتة ، وما إن تجلس على إحدى كراسيه حتى تختبر وعورةَ الشارع الذي تستقيمُ فيه ، شيءٌ في فقدان راحاتها يعبّر عن أفضلِ تجربةٍ قد تكون للمكان ، حليب القهوةِ يأتي طازجاً بشكلٍ يوميّ من المزرعة ، ورغوته تبقى مكثّفةً حتى آخر الفنجان .. 

ثمّة أشياء يمارسها أصحاب هذه المدينة بشكلٍ يوميّ لاهثٍ ياصديقي رغم استبطائهم ، تمثّل موسيقى الحياة البشريّة فيه .. وتخبُر العابرَ الجديد عن حياة ، وحياةٍ لم تبدأ اليوم ، بل هي حياةٌ ممتدّة منذ قرون .. تحكيها طوبات المباني وجذوع الأشجار العريضة ..

أتأمّل في حالي ياعزيزي .. أتفّكر .. كم أحبّ التقدم في العمر ، أحب الشعور الذي يعطينيه من معرفةٍ لشخصي المتواضع ؛ للحياة .. أحب السرّ الذي يكشفه الكِبَر .. ولا زلت على ذات الرؤية يا صديقي فالعُمر يسري في دوائر وعي ، تتسع بمسافات دقيقة فيما بينها ، ولا يمكن أن تتسع دائرة متخطيةً حلقة من الوعي قبلها ، وكما تأثير الحجر على بحيرةٍ راكدة ، ستأخذ تلك الدوائر مساحاتها بالتموّج حتى تكتمل وتصل أطراف شاطئها .. لذلك فاطمئن ؛ جميع ما أنت فيه ؛ يجب أن يحدث. ويجب أن يكون الآن ، وقد لا تتعلّم الدرس ، وقد تقع من جديد ، ولكن دائرةً من الوعي لن تسبق لمجر المُراد ، ولن تتحدّى القدر ، ولن تجرؤ أن تستبق مع عقارب الزمن ..

وأدركت .. أن ثمّة اختبارات عميقة لن تجتازها بالنظريّ سوى حين تخوضها ، ستبدوا ساحة المعركةِ بعيدةً حتى تدخلها ، تعتركها ، تشاهدُ حميَ وطيسها ؛ وأهداف جنودها .. سترى فيها الخائف المتواري خلف الكلمةِ الجارحة ، والحزين المتخفّي خلف النكتةِ الضاحكة ستجد الطفل الضعيف المحتجب بدرعِ الثقة ومعرفة كلّ شيء .. ستشاهد الصامت المليء ، والمتحدث الفارغ سترى الجاهل والعارف، القويّ والضعيف ، الحقيقيّ والنصّاب ، الأبيض والأسود ، سيكونون جميعهم في معترك التجربة ، وكان عليك أن تشاهد .. ستدرك حجم المعنى خلف الاخرين بشكلٍ لن تدركه في ذاتك وحدها ، ستتعلّم أن الحقيقة فضفاضةٌ وقابلة للإتساع بحجم الأرض ، بحجم كلّ اولئك الجنود ، بعمق جميع تلك التجارب ، بمقدار الصحيح والخاطئ والعاديّ والمحايد والواجب والمُحسن .. 

فأجوا أن تتذكّر يا عزيزي ..

إن ضاقت عنك التفاسير يوماً .. فاعلم أنها من قلّة العلم به ، إنما الحياة التي أعطى ؛ بوسعها أن تكون أكبر .. وأن التفاسير التي لم تستطع ياصديقي تُرجمانها في نفسك هي ما لم تقدر على قرائته وليست فيما يضيق عنه أو عليه ، فارجوا منه دوماً مالا يضيق عليه عقلك .. لن تتصاغر مواجهات الحياة .. ستتسعُ أنت في تفسيرها ، وحين يحدث ويهدأ عقلك وتطمئنّ ، لاتنسَ أن الواسع هو من أعطاك فسحة النظر .. فلا تكبر في عين نفسك ؛ فتصغرُ في عينيه ..

وبعد طول المشاهدةِ ستحاول أن تتعلّم الرقص ، مع ذاتك في ساحة المعركة .. ولو كنت تشاهدها دوماً من بعيد ، وتبتسم .. سيغريك النزول في غبرتها ، حاول أن تبقى في مكانٍ فيها تستطيع رؤيتك منه ، ومدى تقادمك ومدى خداعك في الحرب ؛ فلكل حربٍ خُدعة ، ستتعلّم لعبتها ولو بعد حين ؛ فاسمح لنفسك بكلّ الوقتِ الازمِ حتى تدركها .. لن تغفلك الاشياء ولن يضيع في عينيك الوقت مادُمت تحاول من منطلق الجوابِ لا من وعورةِ الضياع .. 

تشبّث دوماً بحبل الله ياعزيزي وقم على ناصية المعنى ، و قاوم ..

وحتى ألقاك من مكانٍ جديد .. آملُ أن تكون دواخلكَ بخير ، وميلادُك القريب سعيداً وعُمرك الجديد مباركاً ماحييت ..

كان الأمل حين يحلّ عليّ ، يأتي كما فوران ماء في داخلي ، ثم يُبرده الوقت شيئاً فشيئاً ؛ حتى ينساه قلبي، حتى أنساه أنا، حتى يأتي ما يضغط زر الغليان من جديد ..

صديقي العزيز ..

لنا من الوَجد والنوى مواطن حُب وعلامات تقادمٍ على هذا الزمان ، ومواطنُ وصول .. لنا ضحكةُ الأرضِ حين تتمنّع المسافة بالحلم فنصل ، وتُغرينا بالواقع فلا نصل ؛ كصبيةٍ هازئه .. لنا انعتاقاتنا من كلّ أشيائنا الغريمة التي كانت حبيباتنا يوماً ما .. لنا من زحام الجموع منافٍ ومن عزلتنا لجوء .. لنا من الحديثِ بئره الذي خُفي ولهم بعضه الذي ظهر .. لنا شعثٌ في القلب ؛ زاحمناه بالنَفس العميق فثَار وطهّرناه بالتوبةِ فتمنّع، وغسلناه بالدموعِ فاستحال ..

أرتبُ أدوات الكتابة ؛ بسيطة .. قلمٌ وممحاة ، أو أصابعٌ وجهاز ومُصحح .. ولكن من يجلب القريحة والحرف والمجاز ..! حديثي ليس عن الظاهر ، كلماتي ليست عن الباطن ، بُعدي سماويّ ، روحانية الهوى والتوقِ إلا أن لي أمانةُ النفسِ في داري ومُعتصَمي ..

اعتصمتُ الطوفان الكبير ، إلى جبلٍ يعصمني من الماء ، واغتربتُ في عِصمتي .. تصدّق ؟ الوادي أسهل من الجبل فعلى الأقل تستطيع أن ترى أُفقاً سهلاً ومساراً واضحاً وطريقاً مستقيماً وأُنساً بشريّا يخفف وحدة الطريق .. قلّ منا من يعي وعُورة الجبل ويُجبلُ على جسدٍ يستطيع صعوده، بل ونفسٍ لاتتهيّب المخاطر ..

ليست هي عصمة الخوف صدقني ولا عِصمة العزلة والسكون والصمت والبهاء .. هي بُعدٌ يطمئنني أن أرى من خلاله حتى يسكن قلبي ، قُدر عليّ أني أشتاق نفسي في الزحام كما يقول درويش ، وآوي إليها بعد الله كما رجوع جنديٍّ قادمٍ من السفر وماكانت يوماً إلا نُزلاً دافئاً وملاذاً آمناً ورحمةً ربانيّةً خالصة ..

ولم يعصمني من عواصف الماء والبرد سوى إيمان منّ الله به عليّ ، طلبته حثيثاً وتلمّسته من خلال الصعودِ والهبوط وكان إلحاحي أن تبقى القِمّة دوماً على مدد النظرِ مني حتى لا أفقدِ اليقين .. حتى يُرويني الأمل ..

في صُدف الطريقِ ياعزيزي شخوصٍ علّ قلمي يستطيع رسمهم في المكتوب لتشاهدهم وتبتسم ..

أتحدث .. عن طفلةٍ عجولة تريد أن ينبت نباتها الذي زرعته في بداية اليوم ؛ نهاية المساء .. وعن ضحكةِ كبيرات السنّ على نكتةٍ فاحشة ، وعن حكيمٍ في صومعته لا يؤتي من ذاته إلا بعد جزاء ولا يُدلي من دلوه حتى تغترف .. عن مسمّيات كانت لأفرادها العذاب الأمرّ أو العزوة الدائمة ، وعن راعي الأغنام ، مُمتهن مهنة الأنبياء ، ينام وحيداً ويصحوا وحيداً إلا من غَنمه الذي يتوالد يقينه مع كلّ زيادةٍ فيها ، ويعبُد الله بلا حجاب ، تتلكأ لُغته فيزيد اقترابه بالمقام ، وأنا أعبُر بكلّ دقّة الكلمات وما وَقع بقلبي من الإخلاص إلا قليلا ..

عن من أحبوا الدنيا وعن الذين اعتزلوا الدنيا .. وعن الذين ضاقت عليهم أنفسهم فكان هروبهم من السكون هروب طائرٍ من قفَص ؛ سلامتهم مع الاخرين ..

في رحلتي أثمن مطلوب، وأعزّ مفقود.. أوسع دارٍ، وأتعسَ قرار..

في رحلتي مالا يؤوّلني للوصول، وكلّ أسباب الوصول وكلّ حثاثة الطلب

في رحلتي بسطٌ وضيق، نهرٌ وسماء، شخوصٌ وعزلة، تأمّلٌ وصلوات، أكوان ؛ أكوان كثيرة وأرواح كبيرة تجتمع على أبجديّةٍ واحدة.

أُحبّ المسار بقدرِ ما للطريقِ من بركة .. الأجدى أنلا أكون مع الغارقين..

إلهي أنا لا أراك .. ولكنني أشهدك على هذه الأرض ، وأشاهد رحمتك .. أنزوي على ظلال أنوارك في روحي ، فأطير وأرتفع .. أنا لا أسمعك .. ولكنني أنصت كلماتك التي أنزلت ، تلك التي تحتضنني في عمق الضياع وتواسي روحي مع كلّ وعدٍ باللقاء القريب ؛ لقاء السماوات .. أنا لستُ بالكفئ أن أصل في الطريق إليك وذنبي أعظم .. ولكنني أشاهد علاماتك في رحمتك ، وألمس الحب والطمأنينة كلّما اتبعت ..

إن الحكمة والدقّة البالغة التي يُسيّر الله فيها هذا الكون ياصديقي من أقصى مجرّةٍ وكوكب إلى أقرب ما في نفسك من خاطرةٍ وفكرة، الطريقة التي تسير فيها الأحداث ويمضي من خلالها عليك قدرك شيء لا يدعوا سوى للتسليم بأن تلك الحكمة أكبر منك بكثير ؛ وكأنما لم يودعك لنفسك حين خلقك ، إنما أودعك إليه وحده واستخلص أرواح عباده لنفسه ، يقوم عليهم ويقبل توبتهم وأوبتهم ويتفضّل بمنحة وجودهم ويُسبغ عليهم فيها بهدي تذوّق جماله وإدراك حقّهم في العيش ؛ العيش بما أعطاهم من أجوبة ، تلك حدودك وتلك معاييرك وتلك مساحتك ، وللعقل ..! فلا وجود لأُفق .. تجلّى يا إنسان ولكن لا تتكبر ، تعلّم ولكن لا تصغّر الجاهلين ، اِغتني ولكن لا تنسى الفقير ، وصِل إلى كلّ ما ستصل ولكن ؛ امشِ على الأرضِ هونا ..

لاشيء يسابقك ، لا حُلم سيمضي عليه الوقت ، لا وقت يغادرك من دونما سبب ، لا فُرصة تضيع من دونما تعويض ، لا ترتيب ربانيّ فيك يحدُث للعبث .. أطوارك التي مررت بها وستمرّ تحدث لأسبابه العظيمةِ فيك .. صبرك ارتقاء ودعواتك أجور ولشكرُك زيادة …

أتمنى يا عزيزي وقد أطلت عليك بالمكتوب من رحلتي ، أن يباركنا الله بملاحظةِ الأشياء التي نستطيع تغييرها وأن لا يطولنا الهمّ فيما ليس لنا فيه يد ، كلّ ما تعلمته حتى الآن أن البداية في نفسك . حين تُرتبك ستترتب الحياة في عينيك ، ولستُ من الأنانيةِ بمكانٍ أن أُملي عليك ما يجدرُ تغييره فبقدرِ إختلاف التكوين والأكوان نكون .. يجدرُ أن أحبك كما أنت ، يجدرُ أن تحبني كما أنا وكما يقول محمد عبدالباري في أبياته : (إنني أنتَ كلانا لا يرى في الطمأنينةِ إلا شَركا) ..

الأجدى أن نُحبنا كما نكون حتى نستطيع يوماً أن نمنح الأمانة شيئاً من قدرها ونسلّم لرحلتها .. وآمل أن تدوم الأشياء التي بوسعها أن تُشعل نار الدفئ على قلب الأمل ..

وحتى مشاهداتٍ جديدة .. كُن على عهد الحياة.

إلى قلبك الذي ينام على خدرِ الحنين ، ويصحوا على أمل ..

صديقي العزيز .. 

أبعث إليك برسالة إذاما قلت أنها الأخيرة فلن يعطيها ذلك إلا حجماً من التضخيم ، أنا التي تُدرك وطئ الكلمات وسُبلها التي تنتهي إليّ .. ولكنها تُحتّم أن تكون رسالةً مستدركة بالحقائق المتوارية ، وأني وبعد كلّ ما كتبت وما علمت لن أبقى كما أكون .. فعلّي أقول أنها وداعٌ لمرحلة ، وبداية أخرى من مراحل الذات الجوّانية تلك التي لم تُشرك في تجربتها أحداً من حولك ولكنها كانت متأصّلةً في كيانك وطريقة رؤيتك لذاتك ، أرفع من خلالها كأسي نصف الممتلئ بالحقيقة، ونصفها الآخر متعطشاً للمعنى ، لأجل كلّ فكرة تجذبنا سوياً للأرض ، وأخرى ما ورائية تأخذنا بالصمت للسماوات ، لنحيا أجساداً بين روحٍ وطين ، مُستعذبٍ وثقيل ، نقيٌّ وخطّاء .. حتى ننعتق سوياً ، حتى يكون عبورنا خفيفاً حتى ينضح الكأس وينفضّ الجلوس بعد سماع كلّ الثقيل الذي لابُدّ أن يُتلى خلف كأس المعنى ورشفة الحقيقة .. 

هناك، ياصديقي في البعيد ؛ مُسمى ، لم تُعرنا الحياة يوماً تعريفه ولم تمنحنا الوَعد بالكشف عن كينونته .. كان لزاماً أن نخوض كلّ ما يُحتمل ومالا يُحتمل .. لوعدٍ نريد أن نُصدقه في دواخلنا ، لوعدٍ شخصيّ أن كلّ ما هنا كان قد سُخّر لنا من قديم الأزل ؛ حتى نكون ..

صديقي العزيز ..  ثمّة شوكة في جسد الفكر ، يحاول من وعى عليها منا الإسهام في انتزاعها ومعرفة مسبباتها.. هي تؤلم في وجودها كلّ ما يُعنى بالحقيقيّ والأصيل فينا .. مُتربعةٌ على كينونة الواقع متربّصةٌ لنا في كلّ موضعٍ تطأه منا القدم لسبيلٍ ما ، لتجرحنا بنا جُرحاً داخليّاً لا يُشفى لأن دماء الجُرح لم تنزف بعد ، وحتى يكون شفائها حقيقياً وكاملاً كان يجب أن تمرّ بأطوار الوَعي ..

أُدرك مؤخراً ياعزيزي أنه وكلما يتقدم بنا العمر، نميل للحنين لمن سبقونا ، للبحث عن قصصهم وتأصيل ذواتنا من خلالهم .. سنعرف وقتها قيمة الإحساس بالموروث القيميّ الخاص قبل الديني .. فهل تسائلت يوماً عمّن من سبقوك ومن هم أجدادك ..! كيف كانت حيواتهم اليومية وعلى ماذا جبلوك حين أخذهم السؤال عن من سيأتي من بعدهم ؟ لعلّك تشبهني .. سترضى لو يكونوا رعاةً بسيطين ولكنهم بمحض حقيقتهم أصيلين بعفويةٍ مُفرطة وبتلقائية طفل يتعامل مع الحياة كمن لا يرى الشرور .. يكفيك أن لم ينتزعوا حق قدومك من أقدار الآخرين ، وجُلبت لجبلّة الحياة بنقاء النوايا ، أليس هذا أجمل ما قد يكون ..! أدركت ياصديقي أنه ليستقيم الطفل لمواجهة العالم يحتاج أن يتحسس أعمق جذوره ويسير ناطقاً ومتعلّماً بأحرف الكلمات التي عهدتها الأرض التي يطأ عليها قدمه ، أن لايشعر بالغربة الداخلية في لغته التي لايُدرك سواها، وأن يتلمّس الإنتماء الجوانيّ قبل الخارجيّ بين أصدقائه بكل ماتُعنى به ثقافته الخاصة بأنقى موروثاتها .. 

أذكر نفسي ياعزيزي قبل أن أُذكرك أن مايُبللنا من رهبة تجاه الأشياء الأسمى في الحياة، تلك التي تلتمس بالحقيقة فتكون جزءً منها هي أكثر ما يصرّ علينا لنقفز الى الماء، وأتنبأ كم سيكون الغرق شديداً والحِلكة الداخليّةُ كئيبةً ياصديقي..! ولكن في ذلك القاع حقيقة لن نجدها إذاما كنا نتعبث مع السطح بلهو طفل .. أخشى ياصديقي أنها تتطلّب كُلّ الكهولة، كلّ الرغبة في التخلّي، وكلّ الإقدام حتى تُظهر عن ذاتها من خُدرها ، وتتفّتح وتُفصح عن مكنوناتها. شيئاً فشيئاً يتجلى لي ياعزيزي أن أجمل أمانينا ما كانت لتصبح في حقيقتها إلامن خلال ذلك السعي الذي كان مخلوفاً بقناعةٍ داخلية : أن ما كُتب لك من معرفة سيأتيك ، وأن إسلام الذات بالطلب. والإقبال على العلم بكلّ ضعف الجهل ، سيردفك بكلّ ثقل المعنى .. 

نهايةً أخبرك ياصديقي .. قد يأتي الشروق أو قد يتحتّم او قد تغيب شمسه .. ولكنني في هذا العبور أُدرك وأستدرك حجم المعرفة الغائبةِ وحجم التضليل ، وكلما تقدّمت زادني العلم إقداماً وكلما خطوتُ من جهل دخلت في ما كنت أجهل بشكلٍ أكبر .. ولكنني أعلم الآن ياعزيزي من أكون وعلى ماذا أقف وما هو التراب الذي أتيت منه وما طُمس من التاريخ وما تجلى وإلى أين أريد أن يقودني الطريق ، فأن تمشي في النور ليس كمن يمشي في الظُلمة ، ومن يُدرك يجد ومن يسترفد من المعنى سيُسقى ..  أرجوا فقط ياعزيزي أن لا تسمح لغوغاء التغييب أن تؤذيك ، فهنالك حِكمةٌ في بطن الأصيل .. هي حكمة الصمت أمام كلّ الذي يشبه بعضه، وحتى تتلاشى بقع الضباب ، ستظلّ أجمل الأشياء التي نحسها وتلمس إنسانيتنا بعمق، حبيسة الصمت حتى اكتمال نقاء الأُفق، بعده وبعده فقط سيستطيع أن يتفتح زهرها وتينَع نظرتها وتتشدّق كلماتها وتتفصّح أفكارها .. وحتى نقترف شيئاً من معنى العلم الأصيل ، سأكون بخير .. وأرجوا أن تكون.

حينما يقترب موعد النوم

“لا أنا ذاكرة الناس، ولا غيمة تسكن جبل. أنا المحو المحو والتناسي، حيث ينفي هواي هواي، وأغفوا على صحوةِ الناس، أغفوا ولا أتذكر”.. -قاسم حداد-

حينما يقترب موعد النوم .. أفكّر في نومةِ من يقفون على الميادين، ولربما لم يكن النوم بغيتهم لذاته ولكنّ هنأته تُبارك وجودهم حتى الصباح .. هل كانوا للطمأنينةِ بالخِدمة أقرب ..!

حينما يقترب موعد النوم أفكّر في حجم كلّ القضايا المؤجلة . من يكونون بسنّي ولكنهم في التأثير أكبر .. وفي الحق أفصح وفي الصوت أعلى ؛ كم لهذه الرحلة أن تبقى هادئة ..!

حينما يقترب موعد النوم أتفكّر في صفق جناح الحمام، تلك التي تثير إلهام شاعرٍ بصوتها الصباحيّ ؛ كم سرباً من الحمام نحتاج حتى تنتصر الكلمة ..!

حينما يقترب موعد النوم، أرى حجم الحُلم وبعد الواقع والمسافة الفاصلة بين دنيا أعيشها ودنيا ستكون .. مالذي سأسمح بأن يكون..!

حينما يقترب موعد النوم، تُفصح أفكاري عن عمق سكوتها ، تتجلى لي بصوت والدةٍ ضاع فلذتها لأجل قضية. فتتمسك أكثر ، ليس لأن الولد رخيص بل لأن دَم الولد فداء ولأن القضية أكبر .

حينما يقترب موعد النوم .. أشاهد أشياء لاتُرى ، أسمع أحاديث لاتُسمع ، تثيرني الضحكات تأخذني الموسيقى أتجلّى للمطلق أحتجّ على الموجود أصارع لأجل المفقود أعظّم قيمة الفكر أصارع الهوى أؤمن بالقلب أكثر.

حينما يقترب موعد النوم .. أفكر في فكرة ”الآخرين“ كيف لها أن تُدمّر قيماً وتبني حصوناً وتشيّد أبعاداً إنسانية ..!

حينما يقترب موعد النوم أفكّر إذاما عرف المناضلون حجم ما يقفون لأجله. حجم مايحملون. حجم ما يتخيّلون حمايته . كيف للقدر أن يمنح للإنسان معنى وكيف له أن يحمّلهم جيلاً بعد جيل جدوى كعَظمةِ تلك الجدوى. ليس لأجل أمة موجودة الآن بل في سبيل أمة فَنت وأخرى قُهرت وهموماً خُيّل لأصحابها أن لا مفر منها ؛ وحدثت ..

حينما يتقرب موعد النوم ، اغفى على حُلم مدّ الجسور ، على أمل مجتمع .

حينما يقترب موعد النوم ، أهدهد نفسي بالأمل وخوفي بالشروق وجسدي الغارق بالفوضى أن الله قريب وعقلي الناقد بالتشابه ونفسي اللّوامة بأفق المحاولات وحسّي بالعار لفراغ الفعل باحتمالات الغدّ واضطرابي بحتمية النموّ وأحلامي بالسعي يقيناً بالطريق..

حينما يقترب موعد النوم .. لا أنام ، فقط أفكّر.

صديقي العزيز .. أبعث إليك ترحيبةً دافئةً ومكثّفةً بقدر ماحمل هذا العام من جفافٍ بالبعد وبرودٍ في اللقاء حيث كانت حتى الضّمة تقلقنا بالتفكير

مابالك هذا العام ياصديقي وماذا كان منك ..! هل أرهبك الجلوس لوقتٍ طويل؛ أنت الذي تفرّ من الأشياء المتشابهةِ ومن نفسك فِرار الطفل من وقت النوم ..! هل رأيتَ ياصديقي كيف لفكرةٍ واحدة، ودقيقةٍ بالصغر أن ترعب عالماً بأكمله، وتحوّل مسيرة الكثير من الأشياء، فكرةً واحدة تُعنى بالعلم ..! لربما تكون أكثر الجمل شُيوعاً والأمل الجماعيّ كان ينصّ على أن نعود “لوضعنا الطبيعيّ” ولكن أيٌ طبيعيٍ كان ذاك ياصديقي الذي كنا نعيش فيه  .. وهل كان مستداماً لكلّ مايعنينا في طريقنا ولمن بعدنا كسلوكٍ روحيّ وجسديّ..! وهل إستطعت ياعزيزي من خلال أيامه المتشابهة أن تقترب للذات أكثر وإستقبلت فيه مشاعرك بحفاوة ؟ صاحبت الحُزن ولاطفت الفرحَ وإحتفيت بالضحك، ولم تأخذ مخاوفك مَحمل التسليم..! 

صديقي العزيز .. لعلّ الأيام الصعبة علّمتنا أنه ومهما حدث من بؤس أن الوقت سيمضي ..، فنحن حين نرى الحياة تمرّ رغم “كلّ شيء“، ندرك أن حتى أثقل الأيام آيلةٌ للنهاية وأن سيكتب الله بعدها ماكان من حثيث مساعينا ومانرى نفوسنا من خلاله، ومانحتكم حلوله بالذات من شجن وتناغم .. أن الوقت ياعزيزي يمضي مع مسيرتنا مُضيَّ النَفس وأنه سيكون في صفّنا على أطلال كلّ اليوم إذاما تعلّمنا كيف نتراقص معه ، فلا شديد التفكير قد ينوبُ في تحقيق الحُلم ولا إحتراقنا المُضني بالعمل قد يُسبغ على هذه الروح مَبلغ الرضى .. حين يكون الوقت صديقك ياعزيزي وحين تجلعه سلعتك الخالصة أمام مايثيرُ سؤالاتك في الحياة فإنه سيسعَ كلّ أحلامك .. وعهدُ صداقته يقوم على شريطةٍ واحدةٍ تُعنى بدوام الطقوس ودوام الفضول حتى مع قليل الإنجاز لأنه سيتكفّل بالنهاية بتراكماتٍ إنجازيّةٍ تعود عليك بالرضى .. صدقني إن عَين الوقت واسعة لكلّ معجزاتك ..

صديقي العزيز .. لاتنسَ أن هوان الأمور وشِدتها يرجع دائماً إلى رؤيتك الخاصة تجاهها ، فإنطلاق النفس ليس مُشرّعاً للجميع ولكن قرار الإنفتاح على اللحظة وإستقبالها كما تكون يمتلكه كلٌ منا .. للغد ياصديقي ربٌ يكتبه وللأمسِ إلهٌ يجبره أما اليوم فهو كلّ ماتملك، وحيث يكونُ الأمر إليك بعد الرب فبرؤيتك المتسَع وبروحك الملجأ .. لا تَدع هذا الوقت يمضي ، فكم نكون صغارا حين نلوم الأعوام ..! فالوَعي لايحاسبنا على مايحدث ولكن على طريقة إستجاباتنا للأحداث .. إن من يؤمن أنلا وجود للعَبث في هذا المسير سيدرك أن سُنة هذا الكون في دُولِ تقلّباته من حالٍ إلى أحوال .. وأن السرّ يرجع إلى عُمق ماتشاهد وعنوان رحلتك .. 

أرجوا أن تمنح ياعزيزي ماتحب شرعيّة أن يغير مزاجك دائماً للأفضل وأن يبهجك من الداخل ، وأن يستجلب الطفل فيك .. بشغف الإمتلاء.

كُن بخير ..

” جايز ظلام الليل يبعدنا يوم إنما، يقدر شعاع النور يوصل لأبعد سما ”

صديقي العزيز ..

من هيَ أُمنا الحقيقية ، وماهي قضيّتنا الأولى منذ بدأ الزمان، زماننا على الأقل؟  وهل تتذكّر كيف عُلّمنا أننا واحد حين نتحدّث ذات اللغة ونعتنق ذات الدين ..! وأن “الإنجازات العظيمة تبدأ برؤية أو حلم ، وتنتهي بحقيقة أو واقع” ..! هل للأحلام ياصديقي أن تطول أجيالاً وأجيال ؟ وكم فرداً حول هذا العالم يحملون مسمّيين مُغرّبين مثلنا ليتخذوهما سكناً وهويّة كتركيبةٍ وُصمت بكلّ شيء ، إلا مايشبهها حقاً كديانةٍ وكإنتماء ..!

صديقي العزيز .. سأحتجب عن المعنى، لأنك أهلٌ للعُمق ولعلّ من يفهم لُغة روحك سيستطيع ترجمة هذا القلم المُثقل ، والمليئ بالإعتبارات اللتي لم يعبّر عنها بعد .. وياترى كيف سأقول وأعبّر وكيف ستعبُر حروفي عن رؤياي ، أنا التي لم تكن تعطي يوماً لتفصيلة الحُلم بالاً يُرى أو فعلاً يقال ..! مالذي يفعله الوقت ياصديقي ؟ وكيف تمر الحياة بنا سريعاً ..! وكيف لها أن تنتشلنا بأعوامٍ قصيرة من بدايات مخيفة وتجعلنا نرتطم بنهاياتٍ سحيقة، وليس وكأنها تنتهي أيضاً .. هي تستمر بإستمرارنا من عدمة ، في تواجدنا من عدمه وفي إحساسنا ووعينا من عدمه .. كيف يشعر ياترى من تساقطت قطع إنتماءاته قطعةً قطعة ؟ وماحال من قد يكون قد تغيّر حتى على نفسه ليجد بين الذات والروح إبتعاداً في التعريف أو إعادت التركيب .. حيث وحين تتساقط قطع الإنتماء تشعر بالخوف على من تكون ومن يتدخل في تكوين هويّتك .. أو في “تذويبك كقطعة سُكّر” كما يقول غسان كنفاني ..

قيل لي ياصاحبي أن الأحلام وجهٌ من شيء يتحقق لاسيما ونحن نحمل فيها نبوءةً سماويّة، وقد تكون الأحلام هي مانعوّله على الواقع بالأمل ، الأمل الذي يعطينا معنى وجدوى الوجود. الوجود الذي يجعل منا كائنات وأشخاص ذوي معنى .. إن أحداثنا هذه السنة ياصديقي تكون وكأنها في وقعها ومع كلّ صوتٍ جديد وخبرٍ أشرس  تتحرّك من عمق تيارٍ لم تستشعر النقطة فيك يوماً أنها  تنتمي إليه ، وباء ، خوفٌ وفقر وسلامٌ مزعوم وانفجار هناك وفيضانٌ آخر تسبب في غرق ..! وتراك من بعيد وكأنك ابن السماء والتيار ذاك يأخذك إلى أخمص الأرض  ولكنّ الأحداث الأكبر تمدّ يديها إليك ،  تحاول انتشالك ،  وأنت بعد كلّ حدثٍ أكبر منه تجدك تحاول المقاومة تحاول التشبث بما يمسك بك تحاول التسامي على جسدك  ورغبتك وحلمك لتصل لواقعٍ ما وسماءٍ  فيما بين السماوات السبع … يقول الروائي إبراهيم الكوني في مِحنة المبدع : “فالمحنة التي تواجهنا ليس كيفيّة التعبير عن الواقع، ولكن في كيفية الإفلات من الواقع. في كيفية الرحيل بعيداً عن الواقع، في كيفية تحويل الحلم إلى واقع. والقدرة على تحقيق هذه المعجزة هو مقياس الموهبة، بل ومعيار العبقرية. فأن يتحول الإنسان بقدرة قادر إلى حشرة وليس إلى ملاك، أو حتى إلى إله، وهو الإعجاز. هو الفتح المبين في حال أفلح المبدع في إقناعنا”..

تجدك تتسائل ياصديقي بعبث أمام كلّ هذا الامعقول وأمام المبادئ التي تتبدّل ببساطة ؛ أن متى كانت المرة الأولى أصلاً ، ومتى كانت الأخيرة ..! ومتى كنت قد تركت خطّ الذاكرة للجوء لشواطئ الأبديّةِ والنسيان .. متى وكيف كُنت وإلِى ماذا صار جسدك الذي كان يوماً ما صغيراً بحجم الكف ..! هل نحن نتغيّر حقاً أم نولد من جديد ؟ هل نحن نكبر أم نتجرّد من الأشياء قِشرةً قشرة لنقول بصدقٍ عمّن نكون كعصفورٍ يخرج للحياة جديداً وبلا ريش .. متى أصبح لك ريشٌ تطير فيه وهل تتذكّر حين إفتقدته ؟ من الذي ينزرع الريش ، من الذي يقسّر الأحلام ، من الذي يرهبنا تجاهها ، من الذي ينزعنا من الحياة ويعطينا شيئاً يشبهها ؟ لكن فضاء الحقيقة ياصديقي يحمل أموراً لاجدل فيها ،  كأولويّتنا تلك وأُمّنا الحبيبة، ذلك الأُفق يكون مكاناً تُختزل فيه تبعاً  لضميرك، وعن قداسة الضمير كان يقول ؛”بالقوانين الوضعية نحن مدانون سلفاً بالعبارة التي تفرض فينا سوء النيّة. بالقوانين الأخلاقية نحن براءة، لأن شهادة الضمير حريّة”. لذلك ياعزيزي كانت قوانين الأرض لاتعني شيئاً من السلام .. لأن الإنسان مهما إجتهد لن يستطيع بجُلّه أن يتفوٍّق على قانون الزمان ، طبيعة الأرض وأقدار الخالق .. 

وحتى نرى السلام الحقيقيّ وحتى يطير الحمام في أرض ذلك الحُلم حُرّاً .. أرجوا ياصديقي أن نشهد ذاك اليوم سوياً .. وأن تكون بخير ..