متــى فقــدت صديـــقك؟
“يقال إن المرء يستطيع الذهاب إلى أيّ مكان، إن كان هنالك دربٌ في قلبه.”
عندما كنت صغيراً كان لديك صديقاً تجلس معه في أوقات الفراغ، يتسائل وتردّ عليه أو قد لا تعبأ به، ولكنه كان حاضراً في يومك. الأوقات كانت لا تعنيكما، الأيام تبدوا أطول، كنت تلعب لأجل اللعب، وتنام لأنك متعب وتأكل لأنك جائعٌ فحسب، وأيّ لقمةٍ ستكفي، لم تكن مدركاً لأيّة أبعادٍ أخرى ولم تكن لتقارن ما بين يديك مع ما في جُعب الآخرين. صديقك كان حينما تطلّ من نافذة السيارة على الغروب في طريق؛ يعطيك خيالاتٍ كثيرة، وعندما تحدّق في ملامح السائقين عند الإشارة كان يثير في داخلك قصص الناس من حولك .. هو لم يكن فعلياً صديق، بل كان صوتك وحديث نفسك الداخلي .. كان يمشي تبعاً للحدس اليوميّ، يفعلُ في تصوّرك ما يريد .. القلق لا يعرفه، من خلال البطئ والتكرارات اليومية وخلواتك كان يسامرك، قد يكون رافقك في دهشتك الأولى حينما نثرت الرمل من بين يديك أو حاولت التقاط ماء البحر أو صعد معك للجبال أو رسمتما سوياً من السُحبِ صوراً وأشكال وهو يستطيع أن يرى كلَ شيء بصورة جديدة وبزاويته المختلفةِ كلّ يوم. ربما الآن تقلّصت زياراته على وقت النوم أو ساعات الأرق وظلّ يحفرُ في ذنوبك بحقه حتى يزعجك، أو لربما التفت عنه إلى جهازك لأن زر التشغيل/اللمس دائماً بين يديك، بطريقة تُشعرك أن اهتمامك في حدّ ذاته سلعة ..
كل شخص منا يمتلك حديثًا داخليًا، وتصوّر ما للحياة التي يريد عيشها، ورغبة في أن يكون أكثر هدوءًا في نفسه وعلى من حوله .. جميعنا نريد أشياء حقيقية ملموسة ومشاعر صادقة لا يتسرّب منها الزيف ولا تخدشها المشاركة .. مواقع التواصل الاجتماعي جزء من عالمنا اليوم .. جزء جميل وعزيز جداً، صار لدينا أصدقاء عالميين بالمعنى الحرفيّ للكلمة حتى ولو لم نبرح أماكننا. قرّبت لنا البعيد وأوجدت لنا مجتمعات ولربما بَنَت بين من لم يكونوا يجدون في حيواتهم أيّ نقطة اشتراك، جسراً ليتحدثا عن جديدها وخلقت لهما اهتمامات مشتركة، آنست كبارنا وعبّأت ساعات انتظاراتنا وسهّلت علينا الكثير من أتعاب الوصول والاجتماعات .. ولكن، هل صارت هي أداتنا أم شُغلنا؟ وهل صرنا نحيا من خلالها أو نحوّر خياراتنا حتى تتماشى مع حياةٍ فيها تفتقد للحقيقة؟ وهل قد نستخدمها للهروب من شعورٍ ما؟ أو أنها قد اتخذت حيّزاً بينك وبين صديقك/حديثك معك؟
في عالمها نفتقد السِياق .. لا يبدوا تسلسل الأحداث مهمّاً حتى يوصلنا لفعلٍ ما أو لإدراك نتبنّاه، وكأنما تكون الأمور مسكوبةً والأفكار تلقى من جيوب أصحابها بنقرةِ زرٍ للنشرِ والمشاركة .. وأنت لا تعلم أنك عرضةً لمحتوى من الفراغ والهشاشة إلا حينما تعود للكتب، فتجد كلّ فكرةٍ تجرّ أختها من جُملٍ تخدمُ مواضعها بالصفحةِ والفصلِ والخطاب ناهيك -ولله المثل الأعلى- عن بلاغة القرآن التي تجعل من كلّ ما تقرؤه بالمقارنةِ هباءً منثورا .. ما أحاول قوله إن عقولنا عضلةٌ تشتدّ وترتخي وتصحّ وتمرض، أما حينما نعوّدها على التمرير السريع على الشاشةِ من عالمٍ إلى فكرةٍ إلى عالمٍ آخر سيصعبُ علينا بعد حين أن نمنطق الكم الهائل مما نتعرّض له، وسيكون علينا أن نقوم بجهدٍ مضاعف لردّ الانتباه إلى مجراه الطبيعيّ،
أبدَعَ فصنَع فسوّى .. سبحانه، وجعل لعقولنا القدرة على التأقلم رغم كلّ أنواع المعلومات اليومية التي نتعرض لها، لا زلنا نبدع ونتقن ونضع الجميل على طاولة البشريّة رغم الألم الحاصل .. ولكن أيضاً لنفسك عليك حق. ويتحقق ذلك حينما تستعملها لا تستعملك .. اتخذت عادةً شهريّة للخروج من تطبيقات التواصل الاجتماعي كلّ سنة، وفقط حينما تبتعد تستطيع أن تلاحظ حجم تشتت أفكارك، إلحاح عقلك ويديك لتناول جهازك ولو لم تكن فيه تطبيقاتها، سرعةُ انقضاء تدفقك على عملٍ يحتاج التركيز، ورغبتك للانتقال إلى عالمها الموازي. الخروج من هذه الدائرة يعلّمني كلّ سنة حجم ما أستطيع أن أكونه .. بالزاوية الخاصة في عقلي، أجلس مع صديقي ونرى الوقت يمرّ، نلعب ونتخيّل ونحدد ألوان الشعور وألوان الحياة ولا نحسب الوقت.
صديقي العزيز .. كنت أفكّر في التكرار .. كم مرةً عاد رمضان مثلاً على من يكبروننا؟ وكم مرةً سيعود علينا؟ أفكّر في تطبّع الإنسان على ما قد مضى لهُ من حالٍ وأحوال بعد مُضيّ الكثير من المتشابه، كيف يُقبلُ على الدنيا وكيف يصدّ عنها، كيف يوازيها وكيف يطمعُ فيها ثم كيف يحبّها وكيف يمتلك الفضول والأمل تجاهها.. كيف يعيش وكيف يتعلم وكيف يتّبع ما يعلَمهُ وكيف يربّي نفسهُ وكيف يُبقي على حديثهِ حي، على أملهِ حيّاً يا ترى ..! وهل التكرار يجعلُ من أدواتنا أقدر على تعديل ما في بواطننا، أو هل الوقت وصيانتنا الدائمة للنفسِ سيكونان كفيلين بانطباعٍ جيّد لآلياتنا التي من خلالها نكون، ونمارس الحياة؟ علّ بعض الجوابات يا عزيزي لا يحملها إلا الوقت، الزمن هو ما يكشفها .. ولكنك في الحاليّ يكون قياسك راضخاً لمقدارِ سكونك الداخليّ، فحيثما وجدت سكينتك وجدت نفسك.
هذا العقل الهادئ بيتك، أنت مسؤول عمّن ستستضيف فيه، فكّر بضيوف المعلومات المكثفة التي تستقبلها كلّ يوم، والغرباء الذين تتابعهم واذاما كنت ترتّب بعدهم البيت وتنتقي بيئاتهم .. هل تستطيع مقارنة جهدك بجهودهم؟ أم يبدون بعيدين عنك بمراحل ما يشعرك بالإحباط..؟
يقول لوك بورغيس الريادي والأستاذ في ريادة الأعمال ومؤلف كتاب (رغبة المحاكاة في الحياة اليومية) : “لدينا باستمرار أداة تقليد في جيوبنا حيث يتواجد داخلها كل هؤلاء الأشخاص المختلفين، الرغبة المقلّدَة أو المحاكية هي أننا نتبنّى رغبة شخص آخر على أنها رغبتنا! عادةً دون أن ندرك أننا نفعل ذلك. لذا؛ فقد منحتنا مواقع التواصل الاجتماعي الملايين من النماذج المقلدة التي يتعين علينا الآن أن نتفاعل معها كل يوم. هنالك نوعان من نماذج المحاكاة، النوع الأول يسمى الوسيط الخارجي للرغبة، وتكون هذه النماذج خارج عالمنا لأنهم موجودون في مجال اجتماعي مختلف عنا وليس لدينا إمكانية تواصل معهم وبالتالي، بالتأكيد لا نستطيع أن نتنافس معهم. بمعنى أنهم خارج عالم رغباتنا لأنهم خارج عالم المنافسة. أما النوع الآخر من النماذج فهو يوجد داخل عالمنا، ويسمّون الوسطاء الداخليين للرغبة هؤلاء هم الأشخاص الذين نتواصل معهم وهناك إمكانية للتنافس معهم، وهم في عوائلنا وأماكن عملنا والذين قد يكونون أصدقاءنا، من السهل أن نقارن ذواتنا بهم وننظر إليهم كمقاييس. الخطر من وسطاء الرغبة الخارجيين “البعيدين” هو عدم وجود نهاية لتلك العملية المستمرة من رؤية الناجحين طيلة الوقت. كل الرغبات هي شكل من أشكال التسامي عن النفس؛ نحن نرغب بتجاوز الحدود، وصعود قمم الجبال، وأن نكون ذلك النوع من الأشخاص الذي لا نشعر أننا عليه الآن. وجود نماذج إيجابية للرغبة في التقليد هو أمر جيّد ولكن علينا أن نفهم حدود أي نموذج نتبناه ونفهم سيناريو كل من تجربتنا وتجاربهم في الحياة، ومن المهم أيضاً أن نكون على وعي بأن شخص ما نتابعه قد أصبح أنموذجاً داخليّاً للرغبة بالنسبة لنا. لأننا في تلك الحالة يجب أن يكون لدينا حدود. لأن كل الرغبات تأتي من شعورنا بالافتقار لشيء ما، وهذا من الممكن أن يقودنا إلى حلقة مفرغة خطيرة لأنه سيكون هنالك دائماً نموذج آخر للعثور عليه.”
أحبّ أن أتبنّى ما يخدمني .. الحياة يا صديقي طويلة، وشاقّةٌ على من لا يستطيع الحسم فيها من خلال معرفته لذاته، وتسييرها كما النهرِ المنساب من خلال الطين والسدود والمناجل إلى ما بوسعهِ أن يباركها .. يقولون إن الانفتاح حريةٌ مطلقة، وأشعر أن الإطلاق في فعل ما نريد يساوي الشَعث .. هل نعيش يا صديقي حسب القيم التي نحب؟ هل نحن نستيقظ كلّ يوم ونقدّم الأفضل مما استطعناه بالأمس، وهل نشعر بالاستقرار في هذا العالم السريع الذي يلحّ على تطوّرك باستمرار ..؟
عليك أن تعي دائماً أن لديك خياراً بديلاً عن الدائرة، لن يكون الاختيار أمتع الخيارات : أي أن تحجب نفسك عن مثيرٍ دائم، ولكنه سيكون خيار حكيم يؤدي بك لمكان جديد داخلك .. داخل بيتك، فأثمن هدية من الممكن أن تمنحها لنفسك والآخرين، هي أن تحمل ذاتك وتعرفها وتأنسها بشكل جيد. وعنّي، فلستُ طامعةً بالتحوّل ولكنني جارةٌ للمعرفة، والعلم. ولستُ أمتهنُ الدهشة حتى أتعرف على الآخرين ولكنني أؤمن بتزيين المكان والرضى بالنشوء فيه والتذكّر، التذكّر دائماً، لأننا من خلال القصص الماضية والقصص التي تمرّ من حولنا وتفاصيل الأيام الصغيرة نعرفُ وندرك أين نتوقّف، ومن نكون.
لا تبتعد فتتوحّد ولا تقترب فتذوب .. هنالك دائماً خيط من المقدرة وحبال من القدرة وحريّة في الاختيار نشأت فيها. ما تكونه بينك وبينك لن يمليه شخصٌ آخر عليك، ولكن مالحياة سوى وقتك، وما وقتك سوى اختياراتك وما خياراتك إلا حياتك.
مرجع :