البارحة كان في خاطري مسألة .. يكون فيها التجاوُز فن .. من حيث أني لا أعلم، لماذا أو كيف يحدث ولكن اليدين خاليتين إلا من اليقين بالله أن كلّ مسرىً يسري في النفس لسبب .. 

وكأنما تكون مواطن المتوكلين أعشاش ؛ فأسراب حمام ..

اختار الصمت على الكلام؛ لأن الله يجزي الصابرين،

ولأن للحياة ألف صوت وعميق صمت ولكنها تتحدّث، كل يوم بلُغة الصباح الجديد .. ومن كان بوسعه أن يُنصت؛ فسيستمع :

اللطف منزلٌ مُطمئن والرحمة سقفه الدافئ .. 

جودة الحياة في سرّ حضورها حين غيابات الآخرين ..

الانتباه للذات يزيدها، ولا يُرخيك ..

الوقت سلعةٌ نادرة ..

الضغوط قيمةٌ عابرة تعلّمك أن مااخترته لذاتك قد كان بها يليق ..

ليس هناك من ترياق يداوي اللؤم في بعض النفوس.

قد تحلوا الكلمات أو تسوء ولكنّ الطيب منها يصعَد، والعاقل منا يعرف مواضعها أما الحكيم فيعرف ما يأخذ منها أو يترك ..

ساءت الأحداث أو تغيرت الطرقات، انفتحت الجروح أو اندملت مع الوقت .. الثابت الوحيد في كلّها هو أنت ؛ فتعلّم معايشتك برحمة.

الضعف فينا أساس تكوين، أما القوة فهي درع مكتسب والمسكين من يفرح بالكَسب ولايدرك التكوين .. أجبن البشر أظهرهم للقوّة.

خيارات كثيرة تشبه أن تمضي حياة كاملة لشخوص مختلفين في أوسع بقاع الأرض وأقصاها وأصغرها، عظيمٌ هو الله بوسع هبة الحياة في أن يعطي لكلٍ منهم يوماً جديداً حتى النهاية، قصةٌ جديدة وإحساس مختلف ومواقف وأمل ويأس ومقاومة واستسلام وتسليم ورضى ورحمة .. سيعطيك على طول العيش أحاسيس جديدة وأيام أخرى، ليس من وحي المدد بل من وحي الإختلاف .. والله سيّد العارفين يعلم المدى .. 

سيهبك من الحكمة بقدر انصاتك للحياة وانصافك لسكون صمتك على الكلام الذي لا يكون أجمله إلا الذي لك ولَه، وبين دواخلك. 

يقول دايفد واقنر في سطرٍ من قصيدته (الضياع)؛ 

لا شجرتان تتشابهان لدى الغراب

وأخذت أتفكر في طريق العمل الذي حملني بالفكرة مع هذه القصيدة .. لاشجرتين، كما لا إنسانين، كما لا عصفورين، ولا غابتين ولا سماء يومٍ عن يومٍ تشبه الأُخرى .. ليس بالنسبة للغراب فحسب؛ بل بالنسبة لقانون البشر .. وإن الامتعاض من اختلاف بعضنا في أحايين، لا يكون سوى امتعاضنا من ذات ناموسِ الحياة الخالد في عدم التشابه ، يذكرني ذلك أن حالة الاختلاف هي العاديّ، وأن تشابهنا مع أحدهم؛ مناسبةٌ نادره .. يا لكثرة النُدرة وجمالها في حياتي..! 

العصفور حين يأسرني ويغنّي إلى جانب شباكي؛ لايتكرر .. حتى وإن ألفت الصوت واستشففتُ المعنى من مواساته..

النغمة التي أعيدها وأعيدها؛ لا تتكرر، لأن لحظة استجابتي لها بالوجود؛ جديدة .. لأني حينها أكونها وليست ما يكون..

النخلة التي يدهشني طولها إثر كلّ زيارة؛ لا تتكرر .. لأن دهشتي هي ما يجعلها..

لامصادفات .. الرحمة في عطاءات الشعور هي ما يتكوّر، يتدوّر، ويجعلنا نكون.

صغيري الحبيب .. 

خذ الحياة كما هي .. أو حاول .. حيث لا قَدر يشبه نفسه، ولا يومان يتكرران سوى في اضافتهما عليك مما تستطيع حمله.

صغيري الصغير ..

عليك أن تتعلم، أن لا تُبقي فكرتك عن فكرتك هي ما يسيطر عليك.. وأن تجد المنزل للبقاء في حجرة الشعور الذي فيك، حتى تلاطفه، حتى يستجيب أو تجدك من خلاله .. غضبك أنك غاضب أو حزنك أنك حزين أو حنقك حين تتوه لن يزيد الشعور فيك سوى عِلةً لنفسك .. أرجوا يا حبيبي أن تريحك مشاعرك وتجد لها منازلك وتعرف حجرات زيارتها جيداً .. وأن لا يطول عليك الغمام .. 

تذكر فؤادك حتى تسموا، تذكر نورك حتى تنجوا، تذكر روحك حتى تكون.. 

واعلم في عمق الدوران وروح السير وقانون الوجود ؛ أن هنالك من يحبك، من أوجدَك قبل أن توجِدك الأمهات .. فـكُن له يا حبيبي الصغير من الشاكرين.

وأما الكتابة فهي وسيلتنا التي من خلالها نحاول امتهان حقنا الشرعيّ بمنح الشعور صوت الكلمة، وتغطية التجربة بلحاف المعنى، ونخل القلب مما يتعثّر فيه من زحام الأيام .. ليبقى الحرف حليفنا الأبديّ أمام أسقام الفكر والفؤاد بوجودهما البشريّ .. 

وكما يقول أبو نواس مخاطباً نفسه:

“يا نُواسيُّ تَوَقَّر

وَتَجَمَّل وَتَصَبَّر

ساءَكَ الدَهرُ بِشَيءٍ

وَبِما سَرَّكَ أَكثَر.”

صديقي العزيز ..

تقدّست أسماء الله .. ما وصلتنا إلا لأسباب، وما كان الحب الذي نتوق إلى ملء فجوته في أرواحنا الناقصة ووجودنا المحمّل بالأسئلة سوى سبيلٍ مبدأه فضول، وختامُه أبديّة..

حيث التمنّع، يشبه أضعف ما فينا من مخاوف .. 

الضحك، لغة العالم المشتركة ..

الرغبة، تشبه الغريزة وحالة طفولة ..

الحكمة، تشبه تعباً لذيذاً لمعركةٍ بعد انتصار ..

أما الابتعاد، فهو يُشبه الوَهم بالانعتاق من أصواتنا .. 

صديقي العزيز ..

الوجود، في هذه اللحظة .. في هذا الحال؛ يحمل الكثير من التجدد المتراكم لأشياء لم أكن لأتقبّلها من قبل، ولكنها هنا سارية .. وهنا أكون فيها من المُساومين على روح الحياةِ الجيّدة ؛ لقصص في خيالي تستحقّ أن تُروى ..

أُسقي حديقة المعاني في قلبي كلّ يوم .. بانَ صبري وتفتّحت زهوري وطال عشبُ انتظاراتي ولكنني أشذّبه بالأمل .. أحببت جذوري الضاربة في الأرض أكبر من نتاج سطحها الذي يشاهدون، وعليه يقيسون .. ثمّة ما في الدواخل والدوافع، يا عزيزي، ما يكون عالماً واسعاً يذهلني دوماً دوره في التفرّع بكل انسياب من حيثما لا تمسّه يد الحرث ولا يطولُه موس الموساة .. 

نعم نعم، هي تلك السنين من الجذور التي مالنا عليها من سبيل سوى في حبها وقبولها والاعتراف بالا منطقيّ في اتساقها .. وما أحلى النبات الذي يشرق فينا بعد طول التعب لفهمها وتطويعها وسياستها بالشكل الذي نحب ..

وأخيراً يا صديقي، فلكلٍّ منا جروحه التي يساوم عليها ومن بعض الرسوّ على اندمالها ينطلق .. لذلك تطوّرنا أخطاءنا، وتعلّمنا الحقيقيّ منا والزيف من دوافعنا .. أما جروحنا فهي ما يُخبر عن تقدّم ، ومسير، وعيش .. ذلك أن من السائرين من يدرك لذة التجربة رغم آلامها لبحثه عن جودة الشعور في رواية القصة ..

ملأ الله طريقك بالوصول الى أطراف حقول المعرفة وعبّده بجودة الغايات وباركك بالصبر ورفع في إدراكك المعنى .. 

وحتى ألقاك في موعد رؤية .. أرجو أن تكون بخير.

كنت أرى دعواتي تشرق في الصباح الحيّ؛ وأبتسم، سبحانه .. سمعني وشاهد حالي واستجاب ..

صديقي العزيز ..

حين يهدأ الزورق على جال الكلام .. هل يبقى للماء من فُرصةٍ لتقبيلة..!

حين يترنّم عسيف النخيل الصحراويّ على نسمة صيفٍ لطيفة .. هل لبهجة الجذع أن تكون أوسع؟

حين يُفصح المحبُ عن قدرِ المحبة، هل للنور أن يكون أكبر ..!

حين تتداخل الأصوات الوتريّةُ بعذوبة؛ وتنساب كما لحنٍ واحدٍ وتجعلُ مافينا يتحرّك، هل يبقى للماضي أو الآتي من وجود ..!

حين ننغمس في باطن الحياةِ كـ حَب النوى، ثم يسقينا كلُ ساقٍ ولكننا نعلم أن ماء السماء أنمى لذواتنا وأقدَر؛ فنحجمُ حتى يأتينا الغيث؛ هل يتبقى بعد اليقين منّا من خوف ..!

حين ندخل أوكارنا في الكلام بوعي حجم المسافة بين الحقيقة والخيال، ثم نولّدُ ألف معنىً ومعنى؛ هل يبقى حينها من يأسٍ يُعجزنا ..!

حين تكون الأمانيُّ بحراً على هامش الفكرة والغروبات مواطن وقوفنا على أطلالها بالخيالِ القريب؛ أيقدرُ بعد الله من أحدٍ أن يسلب عذوبة الفكرة منّا ..!

حين ننعمُ بالوعيِ في حالنا ونقترف الحضور على الغياب ونحاولُ السير سعياً بقلبٍ يرتعش من الضجيج ويطمئنّ في العاديّ، هل يبقى لأحدٍ علينا مِن منّ ..!

حين نبني على النفسِ درعاً وورداً وبشرى من الأملِ المتحقق .. أن لا تنزاح عنّا أمانينا؛ يآ رب، حتى تكون ونكون فيها .. هل يبقى بعد ذلك من رجاءٍ أكبر على الأيام يقوينا ..!

صديقي العزيز ..

شعور السكينة بعد الركض الطويل، يبدوا صامتاً ولكنه لذيذٌ بالتذكّر .. أبدوا كمن يعود رويداً رويداً الى منازله وأحطّ على قلبي بحذر .. أتمسك بفؤادي الذي بين يديّ، قطعتي الثمينة من العالم وجوهرتي التي هذّبتها طويلاً حتى تعكسني وتكونني وترتدّ عليّ ..

جسدي ساكن .. لكنّ ملامح الأحلام تلهث .. يسعني القول أن ما بين يديّ من ذكريات بوسعه أن يعوّضني عمراً من الوجود .. ولكن الحال أن الوجود ليس كما التذكّر، ففي حين نأمل أن نكون مستقبلاً رحيماً نجد من وازانا بماضيه، وأغلق عنا دفاتر الانتظار، وتجاوزنا للبعديّ وولّى ..

لكن لا تخشى يا صديقي ..

ها أنا من جديدٍ أعتلي نخلتي، أجني ثمار وحدتي وأجابه الأيام كما يجب لمن يأكل التمر أن يكون، حالياً خالياً محباً للاعتزال وهائماً في دواخله وسماواته، رفيعاً في عوالمه .. 

أتذكرك كمن يتذكر أن لديه روح .. و جُلَّ ما أتمنى أن تجد جذور يقينك من جديد .. أن تتذكّر المعنى وتلزم الحقيقة في الصعود ولا تنسى شيئاً قد كان لك أن تتذكره .. أنلا تنساك .. واحذر أن تصدّ عن قصتك محاولاً أن تبني من جديد .. العُمر يا صديقي يكون بقدرِ اعترافاتك كلّها، لا تخشاها بل اخشى أن تثكلك، أو أن تغرق فيها طويلاً .. واسبح بهدوءٍ حتى لاتفقد مجدافك، جدّف بين الرجاء واليقين، الرحمة والتجربة، الحقيقة والخيال، النسيان والتذكر .. لتتموّج الرحلة في بحر هذه الحياة على أمل أن نقابل برّ أماننا بعد عُمرٍ جزيل ليكون لنا الساحلُ ارتماء من واجه وقدّم وأقدمَ حدّ الراحة الأخيرة، الرجاء الأكبر ..

حتى نكتبَ بعضنا من جديد .. أرجوا أن تبقى بخير ..

Sat.. 15.Oct.2022

Tue.. 15.Nov.2022

صديقي العزيز…
تارة أريد أن أعرّف لك الحياة، وتارة أبتغي أن أسألك؛ ما هي…! لماذا هي، كيف هي، وحتامَ تكون…!
تارة أريد أن أصرخ بالحيرة، برغبة الحرية، بالشعور المرّ من أطرافها… وتارة أحب لو أبعدتُ عنها قبضتي،

ومنحتها صمتي الطويل ورقّتي وابتغيت منها السلام…

أتوق للتسليم للذي يُفضي إليه الأمر كله، واليقين الذي يكون أكبر من حجم السماء بثقة من يرتخي على كتف

والدةٍ حال النوم، والدة تحبّه، فتأخذ رأسه وتضعه على صدرها، ثم تضمّه لتدفئه ويشتمّ رائحتها فيهدأ ..

رائحةَ أن يكون له كل شيء، أن تُجمع له الدنيا من أطرافها، أن يبقى بخيرٍ -ولله المثل الأعلى-

أريد أن أخبرك عن حديث عواطفي ودقائق أمري ؛ أن أعلّمك عن الوقت والحال وأني لم أنسَ الكلمات ولا نفسي؛ وأني بخير.

هو الإبصار فقط على نقائصي و التعبير حال الصبر عن حالي والتقويم المستمر لنواياي

وتنقيح أفكاري من أن يصيبها العطب على طول الانتظار،

أقلبها كثيرا، أبثها، أنفشها، أسرّحها وأنظفها حتى لا أنساها ولاتنساني…

Tue.. 6.Dec.2022

فيَّ هدوء…
كما في السكون بعد مجلس ممتلئ، أعيد رؤية الأشياء من حولي وتسمية التُحفِ وأرتب المعنى القويم على نفسي
مركبي يعبر البحر بعد توقّف، هادئاً… كما الشجرِ بعد غزيرِ مطر، وكما النفوس حينما تخشَع فتبكي ثم تستكَينُ وتستكنّ…
هدوء… كمفتاح الدخولِ العابر لمنزلٍ جديد، تجلس في منتصف فراغِه محمّلاً بالخيالِ والمقاييس، بهدوء وليس حولك سوى إحتمالاتك..
هدوء.. كما بين العازف والعازف من اتفاقٍ على لحظة صمت قبل الشروعِ بلحنٍ جديد…
هدوء.. كما تصفوا السماء بعد غيوم… كمكتبةٍ مكتضّةٍ بالباحثين، كجسد رَقَد على مسمع الحبيب…
هدوء.. كما لا تنتظر شيئا ولا شيء ينتظرك…
هدوء.. كما نبعٍ داخل مغارة صخريةٍ لايسمعُ فيها سوى قطراتِ الماء القادم من السطح..

هدوء.. كما طفلٍ يَلثمُ صدر والدته بعد بكاء، ويشبعُ بعد جوع..

هدوء.. كما القطار بعد وصول، كما المحرّكات حين تُغلق..

هدوءٌ كما الثُلث الأخير من الليل، وأوّل ساعةٍ قبل الشروق كأنما تحبِسُ الطير أنفاسها،

كمنزلنا ظهيرة أيام الإسبوع حين كنا صغاراً.. 

هدوءٌ كما لحظات انتظار قهوة الصباح .. تنساب، فتتقطّر ..

هدوءٌ محمّل بالرضى، والسعةِ والأمل ..

Sun.. 4.Dec.2022

سأكون بخير ..

مادام على الأرض صوت عصافير، ماءٌ للغسيل، رائحة وردٍ وشجرٍ وشمس..

سأكون بخير..

مادامت السماء قريبةً من ناظريّ، مادمت أحسّ وأرى بجلالٍ وتفكّر..

سأكون بخير..

مادام الصُبح يعود، والأصوات تشرق في روحي والنور يعبّئني شغفاً، والأملُ حليفي..

سأكون بخير..

مادام النخلُ طويلاً والرحمةُ تسري في الأرض، والإيمان حيّ..

سأكون بخير..

مادامت القصص تُروى والكتبُ تكتب والأدب يفتح أبواب خيالي والكلمات أقفاص شعوري الفجّ ..

سأكون بخير..

مادام الشُكر على كلّ الأقدار ديني، مادام الاعتقاد راسياً في قلبي، ومادام الوَسط ..

سأكون بخير..

مادمت أشعر، فأبكي؛ فأكتب.. أو أضحك، فألهوا وأكتب.. أو يثقلني الهمّ، فأصلّي ثم أكتب.. 

سأكون بخيرٍ.. بخيرٍ مادام الدعاء في قلبي يخطُر والصلاة في مواقيتها حاضرة والجلال في قرب الله من ذاتي محسوس واللطف في يُسر الصيرورةِ ملموس والحُلم في تعاقب يوميّاتي يقترب..

سأكون بخير.

إليكِ : يا لحظاتنا الخاطفة التي شغلت في حيّز الزمان عمراً من التذكّر
إليكِ : يا كلّ نواميسنا التي تبدّلت لتكون مسيرتنا ألطف
إليكِ : يا مهد طفولتنا المحملة بأنوار الله، الضائعة بالبحث عن الصداقات حتى علّمتنا جوهرها
إليك : يا صوت رحمة الله في عصافير يوم جديد بعد ليلة مُفجعة
إليكِ : يا سُبلاً سَنح لنا الخيار بالتولّي عنها، فكانت هي واحتمالاتها ترِكاتنا من الحياة
إليكِ: يا كلّ مسرّاتنا التي أيقظتنا خِفافاً، وهمومنا التي أودعتنا الى النوم نبكي الضياع
إلى الله؛ كل وسائلنا للتخلّي، حوافزنا للوصول نجابتنا بالتلقي وسرعتنا للقبول
إلى الله؛ كل خطيئةٍ في الأرض جعلت مشيتنا أقوَم..
إلى الله؛ حسنُ توغّلنا في القديم الثقيل حتى استقامت رؤانا..
إلى الله؛ رغبتنا في التخطي، الهموم الشخوص النوائب العابرين الثقال علينا
إلى الله؛ من حيث يعلم كيف نكون ومن أين نمضي وماذا يناسبنا أن نكون..

صديقي العزيز…
حينما رجعت بالأمس لشهر مضى، شعرت بأن ثمة قَشةٌ واحدة باقية في محيطي، وكأنما هي التي أتشبّثُ بها من الغرقِ في موجٍ عاتٍ من الهموم ارتفعت على قاربي من دونما إنذار، من دونما تبقي لي أمل، كنت أنظرُ إلى السماء أسأله الأمل ليكون سلاحي، من حيثما يهبني سلاماً قليلاً حتى أنثرهُ على عواصف عواطفي لتهدأ،
لم اعلم يا عزيزي كيف أسبح وقتها.. ولأصدقك القول فيحصل للجسد أن يتجمد حال الخوف من التصرف البديهيّ، ليرمي العقل بسهام الخوفِ المشؤومة على كامل الجسد ليشعره بالعجز والرغبة في الترك بل والغرق خشيَة المواجهة..
وحدهم يا صديقي من يؤمنون بالله؛ يؤمنون بالأمل، بجدوى المقاومة، لأن الرؤية المرهونة بالنجاة أعلى من الشهوات فيما بعدها، لأن مابين أيدينا ليست مطامعنا وحسب، بل نحن؛ نفوسنا التي تكون أمانته بعيداً عن جميع رغباتنا.. هنا تكون النجاة اضطراراً وواجباً،

صديقي العزيز
أحب أن أذكر نفسي أن في جبال الهموم الآنية ما سيكون في البعيد أعظم، ليس بالأجور وحسب بل بالحكمة، بالنور، بالتقدم لجوانب دواخلنا.. أن الحصيلة التي تتركها فينا الأتعاب أعظم بكثير من تلك التي يكافئنا فيها الفرح، ومن حيث لا تبدوا المعادلة عادلة فهي إلى الحكمة أقرب.. وبالنسبة لنمائي الذي كنت أخاف اسراعه، فسأفضّل أن أختار توابعهُ في هذا العمر المرن عن أن يخرج لي كحسرات فيما بعد حين تكون أطرافي هرمت عن محاولات المقاومة ويبدوا جسدي أثقل..

نهاية يا عزيزي..
لا زلت لا أعلم، لماذا تكون المخاضات.. بل إذاما كان لها في العمر ختام ونهاية؟ ولكنني أعلم شيئا وحيدا، أن المقاومة لها بُعدٌ سماويّ أكبر من نفوسنا وما نرغب، وذاك يحفزني أن لا أكون أنا حين أقرر النهوض، بل أن أبقي على جميع تلك الأبعاد في روحي حاضرة ..
أرجو من الله يا صديقي أن تنتهي دروب مخاضاتنا بسماء .. أو يهطُلَ المطر

حتى ألقاك..

متــى فقــدت صديـــقك؟

“يقال إن المرء يستطيع الذهاب إلى أيّ مكان، إن كان هنالك دربٌ في قلبه.”

عندما كنت صغيراً كان لديك صديقاً تجلس معه في أوقات الفراغ، يتسائل وتردّ عليه أو قد لا تعبأ به، ولكنه كان حاضراً في يومك. الأوقات كانت لا تعنيكما، الأيام تبدوا أطول، كنت تلعب لأجل اللعب، وتنام لأنك متعب وتأكل لأنك جائعٌ فحسب، وأيّ لقمةٍ ستكفي، لم تكن مدركاً لأيّة أبعادٍ أخرى ولم تكن لتقارن ما بين يديك مع ما في جُعب الآخرين. صديقك كان حينما تطلّ من نافذة السيارة على الغروب في طريق؛ يعطيك خيالاتٍ كثيرة، وعندما تحدّق في ملامح السائقين عند الإشارة كان يثير في داخلك قصص الناس من حولك .. هو لم يكن فعلياً صديق، بل كان صوتك وحديث نفسك الداخلي .. كان يمشي تبعاً للحدس اليوميّ، يفعلُ في تصوّرك ما يريد .. القلق لا يعرفه، من خلال البطئ والتكرارات اليومية وخلواتك كان يسامرك، قد يكون رافقك في دهشتك الأولى حينما نثرت الرمل من بين يديك أو حاولت التقاط ماء البحر أو صعد معك للجبال أو رسمتما سوياً من السُحبِ صوراً وأشكال وهو يستطيع أن يرى كلَ شيء بصورة جديدة وبزاويته المختلفةِ كلّ يوم. ربما الآن تقلّصت زياراته على وقت النوم أو ساعات الأرق وظلّ يحفرُ في ذنوبك بحقه حتى يزعجك، أو لربما التفت عنه إلى جهازك لأن زر التشغيل/اللمس دائماً بين يديك، بطريقة تُشعرك أن اهتمامك في حدّ ذاته سلعة ..

كل شخص منا يمتلك حديثًا داخليًا، وتصوّر ما للحياة التي يريد عيشها، ورغبة في أن يكون أكثر هدوءًا في نفسه وعلى من حوله .. جميعنا نريد أشياء حقيقية ملموسة ومشاعر صادقة لا يتسرّب منها الزيف ولا تخدشها المشاركة .. مواقع التواصل الاجتماعي جزء من عالمنا اليوم .. جزء جميل وعزيز جداً، صار لدينا أصدقاء عالميين بالمعنى الحرفيّ للكلمة حتى ولو لم نبرح أماكننا. قرّبت لنا البعيد وأوجدت لنا مجتمعات ولربما بَنَت بين من لم يكونوا يجدون في حيواتهم أيّ نقطة اشتراك، جسراً ليتحدثا عن جديدها وخلقت لهما اهتمامات مشتركة، آنست كبارنا وعبّأت ساعات انتظاراتنا وسهّلت علينا الكثير من أتعاب الوصول والاجتماعات .. ولكن، هل صارت هي أداتنا أم شُغلنا؟ وهل صرنا نحيا من خلالها أو نحوّر خياراتنا حتى تتماشى مع حياةٍ فيها تفتقد للحقيقة؟ وهل قد نستخدمها للهروب من شعورٍ ما؟ أو أنها قد اتخذت حيّزاً بينك وبين صديقك/حديثك معك؟

في عالمها نفتقد السِياق .. لا يبدوا تسلسل الأحداث مهمّاً حتى يوصلنا لفعلٍ ما أو لإدراك نتبنّاه، وكأنما تكون الأمور مسكوبةً والأفكار تلقى من جيوب أصحابها بنقرةِ زرٍ للنشرِ والمشاركة .. وأنت لا تعلم أنك عرضةً لمحتوى من الفراغ والهشاشة إلا حينما تعود للكتب، فتجد كلّ فكرةٍ تجرّ أختها من جُملٍ تخدمُ مواضعها بالصفحةِ والفصلِ والخطاب ناهيك -ولله المثل الأعلى- عن بلاغة القرآن التي تجعل من كلّ ما تقرؤه بالمقارنةِ هباءً منثورا .. ما أحاول قوله إن عقولنا عضلةٌ تشتدّ وترتخي وتصحّ وتمرض، أما حينما نعوّدها على التمرير السريع على الشاشةِ من عالمٍ إلى فكرةٍ إلى عالمٍ آخر سيصعبُ علينا بعد حين أن نمنطق الكم الهائل مما نتعرّض له، وسيكون علينا أن نقوم بجهدٍ مضاعف لردّ الانتباه إلى مجراه الطبيعيّ،

أبدَعَ فصنَع فسوّى .. سبحانه، وجعل لعقولنا القدرة على التأقلم رغم كلّ أنواع المعلومات اليومية التي نتعرض لها، لا زلنا نبدع ونتقن ونضع الجميل على طاولة البشريّة رغم الألم الحاصل .. ولكن أيضاً لنفسك عليك حق. ويتحقق ذلك حينما تستعملها لا تستعملك .. اتخذت عادةً شهريّة للخروج من تطبيقات التواصل الاجتماعي كلّ سنة، وفقط حينما تبتعد تستطيع أن تلاحظ حجم تشتت أفكارك، إلحاح عقلك ويديك لتناول جهازك ولو لم تكن فيه تطبيقاتها، سرعةُ انقضاء تدفقك على عملٍ يحتاج التركيز، ورغبتك للانتقال إلى عالمها الموازي. الخروج من هذه الدائرة يعلّمني كلّ سنة حجم ما أستطيع أن أكونه .. بالزاوية الخاصة في عقلي، أجلس مع صديقي ونرى الوقت يمرّ، نلعب ونتخيّل ونحدد ألوان الشعور وألوان الحياة ولا نحسب الوقت.

صديقي العزيز .. كنت أفكّر في التكرار .. كم مرةً عاد رمضان مثلاً على من يكبروننا؟ وكم مرةً سيعود علينا؟ أفكّر في تطبّع الإنسان على ما قد مضى لهُ من حالٍ وأحوال بعد مُضيّ الكثير من المتشابه، كيف يُقبلُ على الدنيا وكيف يصدّ عنها، كيف يوازيها وكيف يطمعُ فيها ثم كيف يحبّها وكيف يمتلك الفضول والأمل تجاهها.. كيف يعيش وكيف يتعلم وكيف يتّبع ما يعلَمهُ وكيف يربّي نفسهُ وكيف يُبقي على حديثهِ حي، على أملهِ حيّاً يا ترى ..! وهل التكرار يجعلُ من أدواتنا أقدر على تعديل ما في بواطننا، أو هل الوقت وصيانتنا الدائمة للنفسِ سيكونان كفيلين بانطباعٍ جيّد لآلياتنا التي من خلالها نكون، ونمارس الحياة؟ علّ بعض الجوابات يا عزيزي لا يحملها إلا الوقت، الزمن هو ما يكشفها .. ولكنك في الحاليّ يكون قياسك راضخاً لمقدارِ سكونك الداخليّ، فحيثما وجدت سكينتك وجدت نفسك.

هذا العقل الهادئ بيتك، أنت مسؤول عمّن ستستضيف فيه، فكّر بضيوف المعلومات المكثفة التي تستقبلها كلّ يوم، والغرباء الذين تتابعهم واذاما كنت ترتّب بعدهم البيت وتنتقي بيئاتهم .. هل تستطيع مقارنة جهدك بجهودهم؟ أم يبدون بعيدين عنك بمراحل ما يشعرك بالإحباط..؟

يقول لوك بورغيس الريادي والأستاذ في ريادة الأعمال ومؤلف كتاب (رغبة المحاكاة في الحياة اليومية) : “لدينا باستمرار أداة تقليد في جيوبنا حيث يتواجد داخلها كل هؤلاء الأشخاص المختلفين، الرغبة المقلّدَة أو المحاكية هي أننا نتبنّى رغبة شخص آخر على أنها رغبتنا! عادةً دون أن ندرك أننا نفعل ذلك. لذا؛ فقد منحتنا مواقع التواصل الاجتماعي الملايين من النماذج المقلدة التي يتعين علينا الآن أن نتفاعل معها كل يوم. هنالك نوعان من نماذج المحاكاة، النوع الأول يسمى الوسيط الخارجي للرغبة، وتكون هذه النماذج خارج عالمنا لأنهم موجودون في مجال اجتماعي مختلف عنا وليس لدينا إمكانية تواصل معهم وبالتالي، بالتأكيد لا نستطيع أن نتنافس معهم. بمعنى أنهم خارج عالم رغباتنا لأنهم خارج عالم المنافسة. أما النوع الآخر من النماذج فهو يوجد داخل عالمنا، ويسمّون الوسطاء الداخليين للرغبة هؤلاء هم الأشخاص الذين نتواصل معهم وهناك إمكانية للتنافس معهم، وهم في عوائلنا وأماكن عملنا والذين قد يكونون أصدقاءنا، من السهل أن نقارن ذواتنا بهم وننظر إليهم كمقاييس. الخطر من وسطاء الرغبة الخارجيين “البعيدين” هو عدم وجود نهاية لتلك العملية المستمرة من رؤية الناجحين طيلة الوقت. كل الرغبات هي شكل من أشكال التسامي عن النفس؛ نحن نرغب بتجاوز الحدود، وصعود قمم الجبال، وأن نكون ذلك النوع من الأشخاص الذي لا نشعر أننا عليه الآن. وجود نماذج إيجابية للرغبة في التقليد هو أمر جيّد ولكن علينا أن نفهم حدود أي نموذج نتبناه ونفهم سيناريو كل من تجربتنا وتجاربهم في الحياة، ومن المهم أيضاً أن نكون على وعي بأن شخص ما نتابعه قد أصبح أنموذجاً داخليّاً للرغبة بالنسبة لنا. لأننا في تلك الحالة يجب أن يكون لدينا حدود. لأن كل الرغبات تأتي من شعورنا بالافتقار لشيء ما، وهذا من الممكن أن يقودنا إلى حلقة مفرغة خطيرة لأنه سيكون هنالك دائماً نموذج آخر للعثور عليه.”

أحبّ أن أتبنّى ما يخدمني .. الحياة يا صديقي طويلة، وشاقّةٌ على من لا يستطيع الحسم فيها من خلال معرفته لذاته، وتسييرها كما النهرِ المنساب من خلال الطين والسدود والمناجل إلى ما بوسعهِ أن يباركها .. يقولون إن الانفتاح حريةٌ مطلقة، وأشعر أن الإطلاق في فعل ما نريد يساوي الشَعث .. هل نعيش يا صديقي حسب القيم التي نحب؟ هل نحن نستيقظ كلّ يوم ونقدّم الأفضل مما استطعناه بالأمس، وهل نشعر بالاستقرار في هذا العالم السريع الذي يلحّ على تطوّرك باستمرار ..؟ 

عليك أن تعي دائماً أن لديك خياراً بديلاً عن الدائرة، لن يكون الاختيار أمتع الخيارات : أي أن تحجب نفسك عن مثيرٍ دائم، ولكنه سيكون خيار حكيم يؤدي بك لمكان جديد داخلك .. داخل بيتك، فأثمن هدية من الممكن أن تمنحها لنفسك والآخرين، هي أن تحمل ذاتك وتعرفها وتأنسها بشكل جيد. وعنّي، فلستُ طامعةً بالتحوّل ولكنني جارةٌ للمعرفة، والعلم. ولستُ أمتهنُ الدهشة حتى أتعرف على الآخرين ولكنني أؤمن بتزيين المكان والرضى بالنشوء فيه والتذكّر، التذكّر دائماً، لأننا من خلال القصص الماضية والقصص التي تمرّ من حولنا وتفاصيل الأيام الصغيرة نعرفُ وندرك أين نتوقّف، ومن نكون.

 لا تبتعد فتتوحّد ولا تقترب فتذوب .. هنالك دائماً خيط من المقدرة وحبال من القدرة وحريّة في الاختيار نشأت فيها. ما تكونه بينك وبينك لن يمليه شخصٌ آخر عليك، ولكن مالحياة سوى وقتك، وما وقتك سوى اختياراتك وما خياراتك إلا حياتك.

مرجع :

3 طرق للدفاع عن عقلك ضد تشويهات وسائل التواصل الاجتماعي

وأنا يا صديقي أصفحُ للحياة اليوم صفحاً جميلاً عن جميع وجوهها التي ناولتني وأنوارها التي سلّمتني وجروحها التي قد تكون وقتها أوجعتني، ولكنني من خلالها كبُرت ولم أكبُر..

أليس من المفارقة بمكان أننا قد ننشد الحياة والتجربة عمراً بأكمله، ثم حينما يقوم لنا كائنٌ فيها تُرانا ننشد الراحة منها والاختباء ..!

حسناً ياصديقي .. سأحاول أن أتموضع، وأجلس في منتصف الأشياء، بين الحاصل والأحلام .. وكيفما أكون بالقياس قد قاربت منتصف العُمر ومنتصف الحياة ومنتصف التجربة -والله وحده أعلم- وقد رضيت بها ولا زالت الأيام تقودني نحو اسئلةٍ أعمق في الحياة، فقد أكون بشكلٍ ما على مسارٍ ماضٍ رغماً عني، لربما لا نعرف ما قد يكون صحيحاً حتى تمضي أغلب الاشياء، لكن هدفي يكون دائماً أنلا أنغمس في التكوين وأنسى كيف كان أو من قد يكوّنه .. إن تلقّي الأحوال ياصديقي وخصوصاً الرحيم منها على محمل التسليم، يرعبني .

ها أنا أجلس في صدر الحياة وقد ابتدى في واقعي شيئاً مما يكون في عراكها الطويل .. أحبها مرة، وأتمنى الخلاص منها والتخفف مرة، ترضني مرات وتصدّ عني وجهها الحُلو مراتٍ أُخر .. تتمنّع فأحاول معها ببذل النفس، وتعطي فأخاف حينما تبتسم لي،

أهرب،

تلحقني،

تهرب،

ألحقها .. والزمنُ على سيره باقٍ لم يثبّت في صورته إلا الطفلة الكامنة فيّ، والطفولة الباقية مني علي الأيام، وجوهر البراءة الذي أحاول التمّسك ببواقيه في هذا العالم الذي يبدوا كما يدور ويدور .. وأخشى يا صديقي أن يلتهمني الجذب أو أتوقف في المنتصف ..

شيءٌ واحد يا عزيزي يعيد لعبور الأيام نسيمها في نفسي، إن امتداد السماء وابتعاد النجوم وسحر السكون وجلال الصمت ينبئني في كلّ ليلةٍ أن ما أبتغيهِ سيكون، لن أصل للنجوم لكني حينما أسمعها في الليل من خلال بصري أعرف أن ما أرجوه سوف يكونُ ، ليس لأن أحلامي سهلة بل لأني رأيت في الدنيا كلّ ما هنالك، شوقي يكون لأحلامٍ عالية ، وما نزهد فيه ؛ يأتينا.

للسماء في عينيّ مورداً يعبّئني ويجعل لوقوفي على الأيام جسراً من ألَقٍ وللسكون شوق وذوق ومعنى ولهدوء الأصوات محبّة ونسيمٌ عليل يشبه صوت البحر في يومٍ أزرق .. وكلما تذكرت جمال الشروقات التي لم أشهدها بعد أو الغروبات التي قد تحلّ على سماء حياتي من دونما انتباهـ، أتوقّف .. وأعود لأحاكي السماء حتى يزول عنّي رَوعَ ثقيل الأيام ويطمئنّ ما قد كان فيّ متنافرا .. أحنّ للروح كمن يحنّ إلى طبيعته الأولى رغم جميع ما قد تغيّر..

صديقي العزيز ..

وإني أخبرك أن هذا النهر الدافق من الحياة، الساري بلا توقفٍ للزمن قد يحمل فيه المتنافر بالفكرة ولكنه المضمون بالطبيعة المائية للدِفق ليبقى الماءُ صالحاً، معقولٌ فيها أن تحب الشخوص وتكرهُ ما يفعلون أو تحبّ ما يفعلون ولكنك لا تحترم من يكونون أو تحترم من يكونون ولكنك لا تقدّر ما يفعلون، والعدد يطول في هذا التنافر .. وأن الجزم ياعزيزي بالشعور دائماً ما يضعني في موضع عدم الإنصاف، حيث يأتي علينا من قد لا يكونون في إطار الرحمة ولكنهم في إطار المعاملة، وبعد الإلتزام فلنا مع الناس واجباتٌ كما لنا حقوق ولنا فيهم معايير كما تلزمنا الأخلاق .. كلّ ما أستطيع قوله لك الآن أن المعاملة مدرسة حياةٍ طويلة .. وأن لنا في هذا المجال حِمل ثقيل حينما نعامل الحياة بالشعر والشعور لا بالمنطق، ويثقلني القول بالواقعيّ أنها تحتاج بؤسنا الطينيّ بقدرما تتطلّب رقتنا الإنسانية ..

صديقي العزيز ..

لا يزال كلّ شيء بخير ولكنها طبيعتي أن أتبصر قبل أن يضيع مني الحُلم أو يجفّ المنبع .. أبقي على قطعةٍ مني في كلّ يومٍ بكتابة، نص، قصيدة، دعاءٌ وابتهالٌ روحانيّ، سماء تظللني عتماً ونوراً وحضوراً، طقوس تأخذني من أقصى الحرّ الصحراوي إلى ألطف نسيم الساحل الشتويّ لبحر الخليج .. حيثما هناك أكون أنا وجميع ذكرياتي وطفولتي بخير .. وكلّما استطالت عليّ الأيام أو اشتدّت عليّ دقائق الوقت والمعضلات، أغمضت عينيّ وشهِدت فيها على ربي وأقررت أن كلّما نكون فيه مَحض خيارٍ واحد ووحيد، إما انغماسنا في القصة أو رضانا عن واقعٍ ننتظر ما يتليه .. وفي الخيار الآخر فيكون قرار استغلال الأيام حتى في الإنتظار من الذكاء ما يضمن لنا أن لا تغيب الحياة عنّا ولا نغيب عن وعدها وأمانتها وعهدها فينا .. وإني كما أحبها آمل آمل أن تكون هي أيضاً من طيّبها علامتي على رضى ..

صديقي العزيز ..

الآن أعلم أن كلّ شيء مرهونٌ بالرحمة ثم بالفكرةِ تجاه الإيمان ثم بالرّغبة الملحّه لذلك الإيمان ثم باليقظةِ فيه ثم بمحاولة فهم جوانبه ثم بمعالجةِ أجزاء نفسك التي لا ترتضيه ثم يكون العمل عملك والطريق طريقك لتتركَ منك ومن فكرتك الأثر، كان ذلك في محيطك أو في كتابتك أو فيما تتلقى وتكون ، حيث تبقى فكرة الإعمار صافية دائماً في ذهنك وقريبة إليك من نفسك وواجبةً عليك منك كشُكرِ وجود ..

أرجوا يا عزيزي أن تجدك هذه الكلمات وأنت على أفضل حال.. ابقى دائماً بخير، وعلى عهد الحياة.

ودائماً يرجــع السؤال للسؤال يا صديقي .. أن ما قيــمة الإنسان حين لا يقــاوم، أو يســعى ..!

سأعصي سرعة الوقت، وأضرب بموازين طمعي عرض حوائط الحياة كلّها ثم سأسمح للمجرى أن يتدفّق في محلّه من جديد حسب السرعة التي يريدها .. سأهيّئ له المكان والمساحة وسأفرغ له بضعاً مني وبعضاً مما أعرف وسأقوّض له أن يسيّر الموازين حسب تلقائيّته، كل ما أستطيعه تجاه القضاء أن أميط عنه تعلّقاتي الضاربة في الأرض، والجذوع التي سقطت عمداً أو من دون قصد، علّها حين تحسّ بجزمي على المسير؛ أن تركب موج مائي أو تستقرّ في ذاكرتي على جاله أو بعيداً عنه حتى يسري كما يشاء ..

للكلمات مكانٌ بين النجوم .. تومض أملاً حينما تتوشّح سماواتنا بالظلمة، وتجلوا همّاً حينما تبتعد طيور السلوان وتدهشنا من ذواتنا بالكثرةِ حينما تبدوا كلّ الأحداث ساكنة ..

الأحداث رغم كلّ هذا يا صديقي من حولنا لا تبدوا ساكنة، فبين ما نراه وبين ما نحاول أن نتناساه ثمّة حيوات تعاش وتُقصى .. عوائل، طفولةٌ مُجهضة، كوارث، مشاحنات .. والكثير من الألم .. ولا نجد على هذا الهامش إلّا أن نبحث في دواخلنا أن كيف نضعُ للأشياء الممتدةِ حدّ، وماهو العمل المتعدّي عن النفس في هذا العالم المتعدد، وما هو الطريق الذي سنختارهُ في كلّ يومٍ ومرّة ..! وكم أحب ياصاحبي جموح الخيالِ حين يحاول تقريبنا إلى فكرةٍ مطمئنة .. كم يسدّ الثغور ويبني الجسور ويرممُ الجدُر ، يقطع قصص ويثبّتها بأُخرى ليخبرنا أننا سنكون بخير .. 

هنالك خيوط رفيعة بين الإنكار والمعرفة، والقرب والالتصاق، والمحبة والبغض، والثقة والجهل، والحكمة والسعي، والتجربة والتطرف .. إن أصعب شيءٍ ياصديقي لنا نحن البشر أن نقف على سراط الميزان المستقيم بين كلّ تلك الأمور، وأن نكون على اتزان، تجد دائماً أن الرؤية تحتمل العديد من التفاسير، والحياة تقع بين درجاتٍ متعددةٍ من الأطياف والألوان والاختلافات ..

صديقي العزيز ..

إن الوجود رغم حلاوته وعظيم الجمال فيه والإحسان الذي يدركنا من خلاله برحمة، مغلّفٌ بعدم الكمال .. فلا يصفى لأحدنا دهره بمجرّد الرغبة فحسب ولو أن كلاً منا أعطاه الله جميع ما يطلب مرةً واحدة، لصار التوقُ في قاموسنا ماضٍ والدعاء في أيامنا زيادة .. ولكنه -سبحانه- أمضى لنا حيواتٍ نعود له فيها فيباركنا ونتبارك بقربهِ وشكره وعظيم عبادته ..  وكيفما نريد أن نتوسّع في إمكاناتنا أو محاولاتنا أو حتى تفسيراتنا للحياة، أجد أن الجواب بعد تفكيرٍ طويل يعيدني دوماً لنقطة الارتكاز العظيم ؛ أننا أوعية الأقدار، وأن كلّ ما يمضي ويكون ماضٍ فينا ولنا لسبب، وأن الله بنا محيط وأن إحاطته أعظم نعمة ورجوعنا إليه أرقى ميلٍ نهبط عليه فننهل ويروينا .. فمالغيب إلا مايخفيه الله عنّا لأجلٍ سنكون بالغيهِ بعد مدّةٍ من الزمن أو على عهد حياةٍ بعيد في حين يكون الخفاء هو جُملة الرحمة واليقين فيه جُملة الإيمان.

أن نتحرر .. من كان ليعلم أنها قد تكون وَمضة، خيال، نص، نسمة ربيع، استنشاقةٌ عالية لهواءٍ بارد .. أو ابتسامةٌ بين الذات والدواخل .. من كان ليعلم أن بعضها يكون حين تَمسّك روحٌ عالية، تباركك بالكشفِ لتجعلك تشاهد التجربة من عينيها لا من عينيك ؛ لتنغمس وتعلو، تتعمّق وتسموا، تحب وتنفتح وترتاح ..

يا الله .. كيف خلقت عالماً لا يكون بهائه إلا في التحرر منه..! كيف جعلته حقيقياً جداً، وهامشيّاً جداً في آن..! كيف جعلت منه عِليةً وسفولا ووازيتنا رغم اختلافاتنا إليك ورتبتنا رغم بعثرتنا عليك وجمعتنا رغم اختلافنا على بابك وأمضيتنا رغم فرقتنا على جنابك .. نخضع، فنعلوا ونصفح فنَسلم ونتصدق فنتبارك ونصدُق فيتجلى لنا الطريق ونحب الحقيقة فتتكشّف ونرنوا للمعقولِ فينفتح وتدنو تدنو فتدنوا لنا الأرض كلّها حين نصدّ عنها إليك .. سبحانك .. كيف جعلت فيها من يرحم، ومن يقسوا .. من يحسّ ومن يتقوّى، من يحبها ومن يبتغي الخلاص منها، من يريدها ومن يمقتها؟ كيف جَمعت فيها مفارقتك، وجعلت فيها الفقير غنيّاً والغنيّ فقيراً والعالمُ خائفاً وجلاً والجاهلُ واثقاً متحدّياً ..! سبحانك .. كيف رضيت للإنسان فيها أن يتكبّر عنك ويتجبر ، ويزيح اسمك ويحكم بغيرك عليك ويرجوا رضىً لا يناله منك ..! 

يا الله .. هذا الكون، هذي السماء، هذا الوجود رغم نُدرة الكشف حلوٌ لاختيارك وحدك فيه ..

ويبينُ لي يا صديقي أن الحديث فنّ والاتصال بالدواخل نعمة والسكون الغامرُ قبلةً لا يوجهها لنا العالم السريع في دورته التي تبدوا بلا روحٍ كما المغشيّ عليه .. أن نألفنا من الوريدِ إلى الوريد، ولا تفاجئنا الأيام باللغوِ وأن نحيا سالمينَ واردين المولى فيما نحبّ وما نريد ؛ تلك هي الغاية الخالصة ..

وحتى يؤذنَ لنا أن ننقاد إلى وحي الحقيقيّ، ونستريح إلى النور، ونقترب كلّما تقدمنا للأكيد .. أرجوا يا صديقي أن نبقي علينا بخير .. 

 

المعنى هو ما لا يُباع و يشترى .. هو قسمةٌ في القلب حبلى، وجنينها عهدُ الأمينِ .. شبابها كهلٌ تغرّب موطناً ونسيمها روح الشهودِ على الوجودِ الحيّ من وجه الغياب ..

هو سُلمٌ مهما ارتفعت سَمى ، هو قبلةٌ للمتقين الى سماء الله ترتفع الوجوه عن الدُنى هو سعينا بمقام أن الله أقرب للوريد إذا يرى ، هو علمنا أن البعيد الماهناك محِلةٌ أصفى على القلب المُعنّى من طويل مسيرهِ بحثاً عن المعنى، ولا معنى هنا ..

لم يكن في الناس لهوي ولا الى الاخرين مناصي .. كنت دائماً ما أشعر بالوحشةِ اذاما شحّ توحّدي لرب العالمين، تلك الوحدة التي يسميها البعض انطوائيةً واسميها امتلاءً تشير من خلاله بوصلة الروحِ الى السماء 

كالكتابة في تجلّيها كصلاةٍ للروح أمام من خلق الأمانة .. حين نرمم جسوراً بين ما يحدث لنا وما نترجمه فينا، فهي في حقيقتها الحيّز من الكلام الذي يبقى في جعبة الروح ويتوارى عن حديث الجسد، تشهدها تلك الدعوات التي تخرج بسيولةٍ دافقةٍ على لسان الحالِ في لحظة سجود فنتذوّقها كأطيبِ حلوى ..

أشعر ببرودةٍ تسري في أعماق روحي .. صحبتني من خلال نجمةٍ في الليل حين همست لي بالهدوء الصعب أمام العواصف وكأنها هي التي تضيء منذ ألفٍ انفجارٍ وانفجار تشهدُ أن أعتى ما قد يحصل، يمكننا دوماً أن نشاهده من بُعدٍ قصيّ ؛ فيكون أصغر ..

صديقي العزيز .. 

أحمل في روحي عظيم الحب لهذا الكون الواسع .. لفرص الحياة ، للاقترافات الصغيرة التي تسري من بين يديّ ومن خلفي، للشعور الذي يكون بين جنباتي وأحسّه .. لقرب الأحبّة، لتعلّم الدرس، للمعرفة التي لا تنتهي، للأبعاد التي لا تضمحلّ، وللرؤية التي حيث تكون مطعّمةً بالدهشة فهي لا تخفتُ أبداً .. أشعر أنني أنموا، في المرحلة التي لا تُرى، تحت تُربةٍ لا تُحسّ .. أنضّج الفكر وأحتوي المعنى بسقاية الشمس والأمل، أتوغّل في الأرضِ وأزاحم التراب مكانه، وقلّما أحسّ يا عزيزي أنني أكبر، ولكنني الآن ألمس تلك المرحلة في دواخلي .. ورغم كلّ تخوّفاتها إلا أن لها من الجذور بهجةً في الروح لا تقدّر بثمن .. 

ولا أعلم ياعزيزي متى سيحين الوقت حتى يطلعَ لي في الأرض ساق، وتُردف الأغصان بأوراق أو تزهر شجرتي ولكنني في عميق التراب أحاول ترسية جذوري في الأرض، وبشكلٍ ما ؛ يبدوا ما تحت التربة كما سماء .. لست أرجوا أن أُبعث الآن ولا بأس لديّ اذاما طال مشواري للصعود فالأولى أن أكون من الراسخين ..

صديقي العزيز ..

هذا الدرب الممتلئ يشبه الخوض في خيارين عميقين بادئهما فيه الحياة ومنتاهاهما فيه الزهد بالحياة .. أولهما ما يحمل جميع الأمل واخرهما ما يحمل الإيمان .. الحياة تظلم لتعدل برؤية المؤمنين ، والزهد فيها يجعلك على مصافّ التحديات من القانعين ..

إن الحاجة الإنسانية للتطهر ، للخفة ، لأداء واجبٍ روحيّ ، لتذكر الأشياء الأسمى من الصغائر ، للعيش بسند ، للجوءِ الى عظيم ، لسدّ باب الشهوة بل والانتصار عليها .. جميعها أشياء وغايات لا يحققها سوى الدين في حياة الانسان .. وأنبئك أن ثمة ما يكون في رموز البساطة أطيب من جميع محاولات الارتقاء على النفسِ او الفطرةِ او الجماعة .. ولا أعلم إذاما كان في طينتنا وطبيعتنا وسرّنا الغامر ولكني أشعر أن علينا أن نستوطن الأرض من أرواحنا في نفوسنا قبل أن تستوطننا هي فنكون فيها من الطامعين بلا هدف ..

صديقي العزيز ..

المكان الذي أكتب منه إليك اليوم مكانٌ منبسط، واسع، تلاله صغيرةٌ وبعيده، أشاهد الشمس عليها وظلّ الغيمة حين يحين المطر فتكون رؤوسها كما رؤوس الرجال في الحجّ، تارةً تعكس نور الشمس بياضاً وتارةً يظللها سواد الشعر/الشجر الأسود ..

هذه المنطقة من الجغرافيا ليس لها أهل، تبدوا نائيةً سوى من عيون المتأمّلين الذين قرروا الحياد عن الطريق السريع وتوقّفوا لجلال المنظر .. انبساط الأراضي يلامس العربيّ فينا .. أراني كلّما أشاهد أكتب لك بدفقٍ لا ينضب وتنسال الكلمات مني سيلان طفلةٍ عائدة من المدرسة بعد يومٍ حافل وتريد مشاركة والدتها كلّ شيء .. والدتي الصحراء المحملة بحنيني ، وأنت صدى صوتي فيها ..

صديقي ..

المغزى خلف المكان ؛ روح المكان .. وصدر المكان هو ما تراه في لحظة المشاهدة ، ومن تكون في نفسك .. 

تعلمت يا عزيزي درساً واحداً إثر عظيم الترحال الداخليّ ؛ اذاما أقبلت بالاتزان وبالنفس الطيّبة ، زانت لي الحياة ودانت لي الدنيا وتساهل عليّ الطريق .. واذاما خلّ اتزاني بين روح الحياة ومغزاها في البعد الاخر وهو الزهد فيها ، وجدتني أتمايل مع الريح ويتحداني الوقت وأتأرجح بين الضلال واليقين، لأرجع بين ثنايا سجدةٍ تردّني لأصلي الطينيّ وضعفي تجاه خالقي ، حينها يستقرّ الخشوع في دمي ، وتتزن نبضات قلبي ، وأتنفّس بالعمق روح الحياة وتتوسع مداركي ويتفسّح المدى الفاصل بين ما أخشاهـُ وما يكونُ .. 

هنالك يا صديقي لهذه الحياة قانون ، ونواميس .. وهي ستأخذك على محمل الجد الذي تراه من خلالها، لتكون على روحك من المبصرين .. وحتى أكتب إليك من مدى بُعدٍ آخر ، ومحطةٍ جديدةٍ في الروح، أرجوا يا عزيزي أن تكون بخير.. تذكر أني أحبك جداً .. فاحمل حبي هذا وانثره فوق سماء روحك ووزعه بين تلال طريقك واجمعهُ عند مواقف الانتظار الطويل ، حتى نلتقي من جديد ..

أدعوا الله طويلاً وعميقاً يا حبيبي أن يدّلنا دوماً على أنوارنا العزيزة في عمق التعب ؛ ويباركنا برحمته ..