أحب الضحك البريء على الأحداث العابره..

أحب الأماني المتواضعه، لأن أصحابها لمسوا فَقد المألوف فحضوا بالحمد على نعمة الموجود دوماً..

أحبّ غيم السماء وامتزاج بياضه بالأزرق كعناق والدةٍ دافئ..

أحب ابتساماتنا على فكرةٍ مرّت بالبال فكان في صوتها سلوانا في جلسةٍ هادئة..

أحب اللّين والأشخاص العميقين وسريان المرتاحين مع ذواتهم ومع الحياة..

أحب صحرائنا ورمل مدينتي الأحمر حينما يزهوا بعد مطرٍ ويطيب، ثم يُكرمني بالمدى..

أحب الأصفر من الورد، أشعر أنه يخبّئ في سرّ جماله احتمالات الحياة كُلها، وكأنما في زُهوّ اصفره انتقامٌ للمعروف بالجفاف أن احتمال الحياة في اللون مُمكنا..

أحب الذين يحبّون ذواتهم.. أرتاح للذين يعرفون من يكونون، للذين لا نعيد في جلوسنا معهم تنقيح انفعالاتنا الطبيعية مع مجريات الحديث.. 

أحب تفاصيل الأيام، حينما تخبوا وتظهر وتختلف وتغور كما الشمس تحتجبُ خلف الغيم بجمالٍ قبل أن تبرز حكمة الدفئ والنور.. شيءٌ في احتجابها يكون أجمل..

أحب الأسئلة التي تحتاج عُمراً للجواب، تلك التي تخصّ كلّ تجربةٍ على حِده وكلّ انسانٍ لوحده ليجدَ جواباته المناسبة..

أحب الاختلاف بين الناس.. وجهات النظر التي تُثري موضوعاً واحداً 

أحب الايماء والتلميح والمرارغة على الفعل والتصريح والمباشرة.. 

أحب أن تأخذ الحياة وقتها، والأحداث وقتها، والمشاعر وقتها.. حتى تنبض وتنضُب أو تعلوا وتكون سلاما..

أحب من ملامح أخلاق البشر الهدوء والحياء والمسؤولية والأمانة والاكتفاء.. أحب أن يشبه الناس أنفسهم..

يا رب.. جمّلنا بالجميل الذي ترضى، وزيّن نفوسنا بالتقوى واجعلنا من الصالحين وثبّتنا حتى نلقاك يا أرحم الرحمين..

قد أكون تعلّمت الكثير عني في الفترة الماضية كما لم أتعلّمهُ في حال انغماسي في اشياء كثيرة، وكبيرة.. وأشعرُ رغم اسراف المعذرةِ أن في داخلي اشياء تحتاجني.. تحتاجني بأن أتغيّر..

مثلاً .. لماذا من السهل أن نعيد أخطائنا المألوفة مرّتين؟ 

ولمَ أحياناً نريد أشياء متناقضة، أو ننشدُ فكرةً ثم نهربُ منها حين تكون..؟

ولمَ يبدوا الصحيح صعباً دائماً بينما تكون ممارساتنا الخاطئة أسهل على النفس..؟ لماذا نميل للاستمتاع بالذنوب ونحن نعرف عواقبها؟

حُب النفس في أن ترفعها ولكن لماذا أراها تتوق وتخشى وحدتها كلّما جاوزت عن الأرضِ السحابَ وارتفعت..! هذا الطين يا صديقي يكون لزاما، خَلقُ الله على هذا الجسدِ فيما نقاوم أن نكون طيناً، نجنَحُ للروح ولكنّ الباقي فيما يزال بين أيدينا.. لا نعلم مدّة الوقت الباقي ولكننا نعلم أنه موجودٌ بقدر ما ندركُ أننا موجودين..

أتفكّر.. لماذا تنعقدُ عندي فكرة السعادة بفكرة الشقاء..؟ في كلّ مرةٍ أضحك، ألهوا، وأنغمس؛ أتذكّر.. شيء ما يسحبني من الدوران ويعيدُني أحزانيَ الأولى.. فهل كان لزاماً أن أدرك السماء باكراً وألمس شواهِقَ النخيل في عُمري الأوّل من وحدتي حتى لا أضيع في زحام الحياة وزخمِ اللهوِ الأرضيّ المكثّف منها..! 

أفكاري قطيعٌ لا يهدأ.. يُدركه العطش فيمضي ويمضي على سهولٍ وجبال، يَفرُطُ مني أحياناً وأجمعهُ حيناً ولكنه لايعرفُ كيف يتوقّف. لطالما قلتُ للناس أن يوقفوا قطيعهم ويتعلّموا الصبر والسكون.. ما أخشاه أن قطيعي لم يتوقّف يوماً وما أخشاه أنه قد صار صعباً عليّ أن أشرح المسافة، فأنا في سفرٍ دائم وقطيعي يحكمني ولا أحكمه.. فلقد لجمتُ نفسي بالعزلة منذ جبلٍ طويلٍ حتى أحببتها واستسلمت لرهبتها حتى ربّيتني عليها .. لذلك لا يزال الارتخاء صعباً، خيوطي مشدودة، أحمالي على أكتاف الأنعام لا تستقرّ، تأتي ريح من هنا وهنالك، يلطّخُ وجهي التراب تارةً والأمطار بالبشائر تارةً أخرى ولكنني أمضي وأمضي طويلاً ولا أتوقّف..

فلربما هي الحياة مُضيُّ رغم كلّ شيء، ولربما هي صبرُ التوقّفُ رغم الخجلِ من الحال، ولربما هي جمعُ قطيعي أو انتشاره، ولربما هي البحثُ الدائمُ عن الماء؛ عن النعمة، عن التحرر من العبثِ وصفاء الجبال البعيد.. ولربما هي جميع جميع تلك الأشياء مجتمعةً في نفسٍ واحدة.. لربما هي نفسي التي لا تعرفُ من خلال استقرارها في مكانٍ واحد كيف تستكينُ في خيال.

تتقلّب صفحات الأيام وتكبّرُ مع مضيّها قصتين، الأولى تُعنى بحجم الشعور والثانية تأتي على قدرِ تفاصيل الواقعِ ومابين الاثنين قصص وحكايا وكثير من الأسئلة بعضها يثير وبعضها يعبُر وبعضها يشكّل فينا انحنائات لم تكن لتعطي من جوهرها قامتنا الأسلم لولا عبورنا على جسر التفكّر والمحنِ والنقص حتى نرسوا من جديد..

أعود..

أرجع لترتيب نفسي في داخلي، أنفض عنها العوالق، أضبطُ موجتها على وقعِ الاستبطاء الخفيف الذي أحبه.. وأنا معها بين شدٍ من الوترِ وجذب، تريد الانعتاق مما تعلمه وأريد منها أن تعود لانضباطها المعهود على طقوسي.. أتبسّم ، لأن شيئاً مما قد كنت أكرهُ في طفولتي من القيد أراني الآن أختارهُ، ولكني في هذا الوقت أختارهُ بتمعّن ووعي الذي يعلم أن في الرجوع كنوزٌ لاتجدها في دهشة العابرِ وضجّة المتغيّرات الدائمة التي لا تجُد بين أصواتها صدى أنفاسك..

الصدى..

ذلك الذي قد نُسرف عمراً باحثين عن فحواه، من نحن وما نكون، كيف نسمعنا، وكيف يسمعنا الآخرون؟ كيف نريد أن يكون أو كيف نريد نحنُ أن نكون.. هل نسمّي الأشياء بأسمائها حقاً، وهل نريد؟ أم علينا أن نجدد لربما في التجديد ما يفيد، لكن ماذا لو كان التراكُم أولى من البناء الحديث الصغير في كلّ مكان..! 

الموج البطيء..

شاهدتُه ياعزيزي مؤخراً.. كان عذباً نابضاً بالحياة، وكأنه النُقطة الأخيرة من امتدادٍ طويل لسفرِ هذا الماء حتى يكون زبدا.. عبَرت عليهِ قرونٌ من التعب ودهورٌ وشمسٌ وصار غيمةً ثم نزل إلى الأرض.. سافر طويلاً حتى يتقدّم ليلامس أطراف أصابع قدميّ الملهوفةَ شوقاً للبحرِ ودهشته منذ نعومتها.. الموج البطيء ياصغيري له صوت، وصوته يُشبهك اذاما كنت باحثاً عن حقيقة الطبيعة وحقيقة الحياة.. ذلك أنه قادمٌ من رحم الأرض، من بطنها وسطحها حتى قبّل ثغر اليابسةِ وارتطم بعد سفرِ الهواءِ بزَبده وماكان إلا ليعود، وتلك مثابرتنا مع الحياة، نرتطمُ ونعود.. 

القيدُ والطقس..

النفس يا صغيري لا تغترّ دوماً بهبةِ المألوفِ جداً والمتوقّعِ أو هي ماعادت تفضّلهُ في هذا الزمنِ الدعائيّ الهشّ الذي يغريها بالجديد من الأمرِ في كلّ مرحلة.. ولكن ثمّة ما يكونُ في الغوصِ والتحديق مايجعل السلامه، كلّ السلامة في الاستمرار، في العاديّ، في تبصّر النعمة ثم شكرها شكراً يليق.. حتى تسكنَ هذه الرغبة بالتملّك والامتلاك للجديد، هناك.. حينما نسافرُ من سكون، تنضب الدهشه ويحلّ محلّها شعورُ الابتسامةِ تجاه الجمال، ذلك أن العابرَ والمختلف لا يُمتلك، إنما هو وحيٌ وإلهام.. نعودُ لذكراه ولا نعود إليه بنفسه.. ليبقى الطقسُ والقيد هما حبلين نقيّد بهما الأيام ونبني من خلالهما الطريق الطويل لهذه النفس بحدود التقوى نحجّم جموحها ونباركُ خفّتها وندعوها للصلاح والتهذّب والعلمِ والتعلّم والحِلم والتحلّم حتى تغدوا سليمةً ومعافاة..

صديقي العزيز.. 

أشعُر أنني كُلّما أكبُر، أقدّر الموجود بشكلٍ أعمق.. أتحسس النعمة بروح أصفى، أبتلع الحياة بلقماتٍ أبطأ وأخفّ، أسري مع الزمن ولا أسابقه، أستنشقه.. أتطيّب به، أحتفي بجمالهِ ولكنني لا أرغب بتملّكه، أبارك العابرين عليّ ولا أحملهم معي، أضعُ حقائب السفرِ وأعود ولكنّ شيئاً مني لا يريد البقاء فيما تركت إن تركت وشيءٌ كبير مني يريد العودةَ كلّما فارقت مكاني وكأن الروح.. كأن الروح يا صديقي تعتاد وتستكين لما وُهبَت حينما تتفكّر أن الموجود هو كلّما تبحثُ عنه وهو كلّ ما ينقصها.. يكون هنا الغنى امتلاء الرضى لا رغبة التغيير.. 

اللهمّ شأناً وطريقاً يرضيك ونفساً تحبّك وروحاً طاهرةً ترتجي السلامة من جميع مافي الأرضِ لما في السماء.

الغنيّ ليس حيثما يكون، بل كيفما يعامُل تفاصيله.

لطالما تقدّمنا خطوات طويلة في تحصيل الحاصل وتقويم المختلّ وبرهَنةِ التقادم، ولكننا ننسى أن التأصيل هو نقطة الصفرِ في كلّ أمرٍ وهو عنوان الفكرة. حينما نضيع نعود للفكرة، وحينما لا تكون فكرة لايكون الانطلاق إلا نسيمٌ تحرّك من غير مبتدأٍ وراح في مهبّ الريح..

صديقي العزيز..

تعالَ واقترب من بحر الحقيقة.. أعدك أن سيربُكك ولكنه سيشدّنا سوياً كما مصفوفةِ الحجر حينما يحجز الماء من التبعثر.. 

انظر معي للمدى، أخذنا الوقت طويلاً طويلاً قبل أن نرى، وها نحن نقترب والوصول يشبهنا، نحن هنا.. في هذه البقعة من المعلوم وهمّنا أن نكون كما عَلم، أن ندعوا وجوه المغتربين الباحثين على هذه الأرض.. أن نطرح غرورنا جانباً ونبدأ بفعلِ الذي قد كان ينتظرنا، لا شيء يغيّب وجه الحقيقةِ ولو ظلّت عنّا.. ولكن الجزم بوجودها هو البوصلة..

صديقي العزيز..

حينما تُمسك خيطك، ستبدوا كلّ الأشياء التي ظننتها يوماً تافهة، في محلّها الصحيح. وستعلم أن حياتك تأخذ مجراها على شكل الطبيعة الربّانيّة لا كما شاء لها البشر.. أنت دفقٌ عزيزٌ حينما تكون الفطرةُ منبعك والحقيقةُ وجهتك والوصول غايتك والأخلاق مسارك والعدلُ شعارك ونيّتك.

نحن بخيرٍ ياصديقي مادُمنا نحسّ ونقاوم عن مبدأ، عن حلقةِ هويةٍ لا تحيلنا للضعفِ ولكنها تحملنا للقوّة، نحن بخيرٍ حينما نستسلم، فنمدّ الكفّ ونغضّ الطرف ونقيم فينا تهذيب النفس كدليل وكعلامة..

وأنا أتمنى يا صديقي.. أن يكون أثرنا طيّباً على هذه الأرض يخبُر عن عبور مفكّرين حملوا همّ أن يكونون هُم.. لحموا قطعةً على قطعةٍ في الدرب حتى صار صعوداً.. تخابروا بالجديد فاستمعوا له وطربوا للصدقِ فحققوه وكانوا لمن حولهم أطواق نجاة ولمن بعدهم مراجعُ أجوبه.. مفكّرين عاشوا بهمّ الأسئلةِ ولكنهم كانوا مُخبرين عن غضاضة السموّ البشريّ. وملائيكية الوجود الأرضيّ الذي لا يكون شحيحاً حينما نختار أن نجعله بالإيمان ذو غاية..

يا الله.. أنت كفيل القوت والقوة والفكرة والكلمة والسؤال والجواب.. ارزقنا يا رب وبارك لنا فيما أعطيت وامنحنا صدق الإحساس وبلاغة الكلام وحُسن التواصل ومهارة الوصول انك قديرٌ مجيد.

يا رب.. 

أن نفهم حال العالم الذي نقوم عليه، ونكون فيه.. 

أن نعي حجم أدوارنا في الحياة وفي أيّ منها نكون..

أن نتعلّم قبل أن نصاب بالسفهاء منا..

أن تلهمنا صحّة اللسان مع حجم المواقف وحكمة التبدّي فلا نقول مالا نعلم ونعي مانقول ولا نؤذي فيما بينهما عبداً من عبادك..

برّئنا يا الله من ذموم خلقك وشياطين انسك وجنك..

صديقي العزيز..

البحر يتلعثم في موجٍ لطيف، يريد أن يحكي لي حكاية الشمس ولكنّ الليل خيّم، فصار بين انعكاسات أنوار الشوارع فضاءً متبتلاً خاضعاً لصنارات الصيادين، وهاجس الأحباب وزحام الزائرين.. تبدوا لي فيه حكايةٌ طويلة لم تروى بعد..

وللبحر قصّته مع الليل ولي أنا ياصديقي قصةٌ أخرى معه.. أيصحّ لي القول أني أشعر ببحر الخليج ينساب في داخلي؟ فكلّما شعرت بالغُربة تذكرت رقّة موجه فسكنت وعذوبةِ مداه فاطمئننت وصبري بشوقٍ إليه حتى الرحلة القادمة؛ فاستعدت ابتساماتي ورضيت..!

أحبهُ كيف يجمع الغرباء، كيف أن له في كلّ إنسانٍ منا حكاية ، كيف يعلم أسرار العالمين ولا يكشف سرّه، كيف تبدوا كلّ صورةٍ له مختلفه..! البحر لا يتوقّف على صورةٍ ثابتة، وإن كان هنالكَ مثلٌ حيّ للصيرورةِ لقُلت أن الماء على سطح الأرض، الجاري منه، يمثّل التغيير الواجب على هذا العالم..

التغيير .. التغيير .. ماهو الحميد منه اذاما كان كلّ شيء يتغيّر..؟

أن نغيّر ما في أنفسنا، حتى نكون أقوم.. 

ونشدّ على أحلامنا حتى نكون بالأملِ أقوى، 

وأن نستحسن الخسارة الحالية لأجل المكسب النهائيّ، 

وأن نكون بالمحبّة والنيّةِ أبلغ منا بالفعلِ والكلمات..

التغيير الذي يشدّ عضُد الإيمان فينا هو التغيير..

ماذا لو كان تأثيري مقدارَ قطرةِ ماءٍ على هذه الأرض ..! ماذا لو علمت أن قطرةً قطرةً تبدأ ببحيرةٍ ثم نهرٍ وبحر، ثم محيطٍ بوسعهِ أن يثور في الأعاصير.. ماذا لو كنتُ مجرّد قطرة، في ذلك السيل الكبير من الماء..! 

أتسمعُ ياصديقي صوت البحر ؟ أُحسّه يناديني ، وما أنا إلا قطرةٌ من ماء سقطت في لُجّة حياةٍ كبيرة بدئها لمسةُ أثر وختامها انسيابٌ أبديّ يُطلّ بسطحٍ مهيب وعُمقٍ لا يتوقّف..

صديقي العزيز..

للكاتبِ يبدوا الخيال جزءً من الحقيقة.. الحقيقة التي يريد أن يكون فيها، ولك أن تتخيّل كمّ العوالم في أمانياتِ نفسٍ واحدة..! أكوان وشخوص ومواضع ومشاعر غفيرة وكبيرة منسيّة ومذكورة، تفاصيل لا تخبوا على عين الشعراء في هذا العالم، عابرةً وقد تعني للبعض حياة، إن كلّ إيمائه ولفته وثقة وشخص وطفل وعينين ولسان وطريقة ولباس وتقليد وطقس وحيوان وشجرة وطبيعة وخُلق ونظرة وكلمة ومحاولة.. كلها كلها أبيات شعرٍ لمن يحسّها ويضيعُ في سبيل وصفها وتقديرها وتذوّقها بعمق .. هذه الحياةُ ياصغيري ليست سوى جُزءٍ من اللعبِ في هذا الخيال، وللعقلِ منّا نعمةُ الكلمات وملاذُ النسيانِ من التذكّر..

صديقي العزيز..

للحياة طريقتها في جعلنا نشاهد الأمور بانصاف وبدقّةٍ أجدّ ووضوحٍ أدقّ.. والوقت الذي لا يكشفُ لك طبيعة الناس من حولك هو وقتٌ زائف ترى فيه شكل التواصل ولكنك لا تعرف من خلاله قيمة الاتصال، والاتصال قد لا يكون بشكلٍ وديّ ومباشر مع الآخرين لنعرفهم حقّ المعرفة، ولكنه قد يكون من خلال التحليل ورؤيتهم كما يكونون.. بمنازلهم التي يكونونها ومواضعهم التي يبقونها في حيواتنا، فالرؤية التي تقرّبك لذاتك بالرحمة تكون معرفة ومحبة، والخوف الذي يجلبك للكراهية حجاب.. 

سواءً ياصديقي كنت قطرة ماءٍ أو خيالٌ في أمنيات كتاباتي أو جسراً فوق حقيقتي من باب الخوف الى رحمة المحبة.. فلتلعم دائماً أنك باقٍ رغم عبور آخرين، لأنك بالكلمات تُكتب وبها عندي تكون..

فمرةً ازرعهُ في ورقات نبتِ غُرفتك

ومرةً اجعلهُ في الكتاب قبل النوم 

ومرةً كوّمه تحت الوسادة وفي دفئ السرير

أو اجعلهُ مرتبطاً في مشاهداتك على أكتاف الآخرين

أو في عينيّ والديكَ وابتسامات الصغار

أو في دولاب ملابسك تحت الجورب الذي تحبّه بالتحديد..

أو اجعلهُ في غرفة تمرينك أو مشيتك اليومية على ساعتك التي تحسب دّقات الدقائق ونبضات قلبك

او اتركه على الماء الذي ينساب في استحمامتك حين تُطرقُ وتفكّر،

او اغرسه بين النجوم ليبقى.. 

المهمّ أن لا تصدّ عنه في اليوميّ بين أعمق تفاصيلك، 

المهمّ أن تعود إليهِ كلّما زاد إلحاح الحياة عليك أن تتخلّى عنه، 

المهمّ أن تجذبهُ من بحرِ إيمانك وتستعذب الصبرَ على كمّ الرزق المكثّف الذي يأتي في شبّاكك بعد طول صمتٍ واحتساب.. فالصيد يكونُ مختلفاً في كلّ فصلٍ ولكنه على أيّ حالٍ يقوم، في الجوع أو في الكفاية.. والبحرُ موّالٌ من قديم الشِقوةِ ولكنه مليءٌ وكريم..

وكلما أقتنعت أنك هالكٌ أو أن لليأسِ باب؛ ارجع إليه وفتّش عنه وأوجدهُ. 

فنحن بالأملِ نزرع ونرسوا وبالأملِ ننموا ونبقى وفيه وبه ومن خلاله نستجمع الدمَ ونقاوم العيشَ ونتبنّى طاقة الأمانةِ فينا ونحملها باشتداد، 

وسواءً طبخته فكان مُراً أو مالحاً أو أتقنت وصفتهُ أو أحرقته أو لم تحرقه، فهو على مائدة الحياة طبقاً واجباً، يجحفُ حقهُ الجوع ويفسدُه التخم.. ولكنه بالاتزان يبقى وحده هو زاد المتعبين في هذه الحياة. 

صديقي العزيز..

الآخرين لا يشاركون صَيدهم ولكنهم من خلاله يتقنون فنّ الحياة وفن أن يكونون هُم.. وأنا أرجوا أن تكون من حِصّتك الخاصّة، أنت.. وأنت فقط، لأن جميع ما تكونه، وجميع ما أنت فيهِ وما سيكون، يكونُ كافياً.. فكُن فيك واتّصل.

في نهاية الليل وفي وحدتي التي أشعلتها بالتفكّر؛ نظرت للمطرِ بسكونٍ غامر.. مطرٌ يشبه الكثافة الآسيوية لأمطار الغابات الاستوائية.. ينهمل على مدينتي ولم يتوقّف حتى هذا الصباح الذي أكتب منه الآن.. ولو كان لي أن أُثير صفةً واحدة للمطر لظلّ في ذاكرتي هو ال: حركة.. المطر يتحرّك، حركةٌ ثائرةٌ  تسمح للروح أيضاً أن تتحرّك، وفيما يبقى كلّ شيءٍ ساكن يحرّك المطر نفسه بنفسه جاعلاً الأرض تسيل مع اكتظاظ قطراته وزخم كثافته الوجوديه.. هو أيضاً صوت، وللثوريّ فينا بطبيعة حال هذا العالم الماديّ أصوات مدويه، فالمطرُ صوتٌ وحركة، وكأنه يخبرُ في وجوده عن ضرورة وجود تغيير، ضرورة وجود حياة، ضرورة وجود أثر.. لأن المطر لايكتفي حينما يأتي بإشعال حركة الكون من حولنا فحسب وتغيير طبيعة الماديّ الجامد فينا، هو أيضاً حينما ينقشع عن السماء يترك في الأرض نباتاً يهتزّ وأجساماً تزيد ألقاً وكأن الصوت والحركة لا ترتضيان إلا أن تتركا أثرا..

غزارة المطر رحمة.. غزارة الماءِ قد تكون خوفاً وقد تكون رحمة.. وحينما يتمّ تجريد الظواهر عن شكلها تبدوا حينها احتمالاتها بين رحمةٍ وحُب وبين حجابٍ وحقيقة..

ثم حينما استلقيت أتتني في الليلِ قبل المنام تقول لي: إن كلّ ما يؤلمني من أفعال الآخرين، ما يوخزني بالخيبة يصدرُ من ألمهم هم، من تجاربهم هم، من اختياراتهم هم.. ليس لبواعث ما يتصرّف فيه الآخرون مكانٌ يستقصدُ أن يؤلمكِ ولكنهم حينما لا يختارون الحُب فهم يغادرون لآلامهم هم.. فلا تضيقي من خياراتهم النابعة من ألم وخوف.. وكوني ركناً دائماً للحب وعليه فلتقوّمي أمرك..

ومابين المطرِ ورحمته وبين الأحباب المنشغلون سقط عنّي همّ الليل وأنا أردد؛ حركة وصوت، حركةٌ وصوت، حركةٌ وصوت.. ثم أثر.

شعورٌ بالاغتراب عن هذا العالم..

وما هي ياعزيزي الغربة؟

الغربة هي أن تستيقظ على حقيقةٍ مؤلمة، أن كلّ الذي قد كنت تحسبهُ حقيقةً قد انزاح وصار وهماً..

الغربة هي أن يقابلك هذا العالم بالسوء وتقابله بالمحبّةِ راجياً منه أن يتبدّل في واقعك على الأقل..

الغربةُ أن نشعر ونحِنّ ولكن يطيب لنا البُعد حتى لا نؤذي أو نؤذى..

الغُربةُ أن نكوّن حيواتٍ طويلة كثيفة عميقة وممتعة وتشبهنا، حيواتٌ في رؤوس الخيال وفي منطقِ الابتعاد عن كلّ مايكون هنا..

الغُربة هي أن نحملنا ونغطّي الألم بالأملِ راغبين بالإلتئام فينا بعيداً بعيداً عمّا لاندركهُ لما ندركه..

الغُربة هي أن يموت الأطفال.. أطفال غزة وسوريا واليمن ولبنان ونظلّ بعد هزّة موتتهم التي تركت الأرض موحشةً؛ صامتين..

الغُربة أن تتوقّع من هذا العالم أن يملأك وهوَ لم يُصنع لذاك..

الغُربةُ أن تبقى في الفكرةِ وحدك.

الغُربة نحنُ..

صغيرتي قد شهدّتكِ بالأمسِ.. وقد كنتِ أجمل ما قد يكون إنسانٌ لإنسان.. أصغيتِ لما لم يكن همّكِ وحضرتِ في جميع لحظاتكِ وانغمستي بحبّ، وحين تشكّل صوتكِ المفزوع شاهدتيهِ بسكينةٍ وهو يعبُر، وحين وصلتِ إلى مرحلةِ استماعه ابتسمّتي لأن حضوركِ له ماكان جزءٌ منكِ، ثم اتسعَ صدرُك واستنشقتي الهواء فكان مدّاً ومدداً.. 

شهدتُك بالأمسِ قد كنتِ نوراً، وشكّلتِ من جانب الضوء معنىً وانطلقتِ لتكوين قطعةِ ضوءٍ تحيكينها من معانٍ وفيرة.. أنا يا صغيرتي قبل كلّ شيءٍ إليكِ أنتسب.. يا قطعة الله وتكوينته الرحيمة..

أتذكّر..أن لولا وجود الأطفال، والطفولة لتداعت الكثير من ملامح الإنسان فينا.. وكأن التقدير ينبئنا في الحياة من خلال حالة البراءة الخالصة تلك عن دورةٍ كاملة، يتشكّل من خلالها المعنى العميق بشكلٍ يسموا فينا حينما ترهقنا الكثير من تئاويل العالم.. أتفّكر أن كأنما تكون الطفولة هي حالتنا الإنسانية الكاملة وما دونها تجرّد..

حينما أشهدُ حياتي هنا في المدينة وأشاهد انغماسي في السريع منها ومن جانبٍ ما، أتعلّم الامتنان لمدينتي الصغيرة، لروح طفولتي الوحيدة التي خلقتها لي رغم وحدتها، بكلّ اليقين الذي أحمله اليوم.. وأتفكّر أن من قد كان ليعلم أن أوجعَ ما كان يؤلمنا من وقت مضى هو ما يُصبح ميلنا من خياراتنا التالية في الحياة..! 

في القرية يتشكّل انسانٌ كامل بالتجربة، وفي المدينة قد تظهرُ هيئته قبل أن يملأ جيوبه بالتجربة 

إن الانغماس في المفارقة قد يطول، ولكني أعلم الآن أكثر من أيّ وقتٍ مضى، لماذا يختار الروحانيون والعالمون عزلتهم من هذا الصخب البشريّ..

أخيراً وككُل الناس.. تساورني شكوكي.. ولكن المنطقيّ عندي يأتي من القلبِ لا للعقل ومن الوزنِ لا من سريان الكُتل الموروثه، ومن الإحساس بالله وأسمائه أعمق من الشعور بالخوف من البشر.. وككلُ التجارب أعيش المشاعر بشكلها الكامل ولكني أحاول من خلالها أن أبقى على أمل.. وأكون بخير..

يقول الشاعر ياسر الأطرش :

اللهمّ صيّرنا أن نكون صوتاً للمكلومين على أرضك واجعل من أدواتنا التي وهبت لنا حرفاً يكتبُ بالحقّ، فيبلُغ..

الحمدلله.. على شعور البيت، الوالدين والأُنس والشمس والظلّ والليل والنجوم و .. الرجوع .. 

الحمدلله.. الذي مدّ الظلّ وجعل لنا من السماء دهشةً تتصّل حيثما كُنا وأيّما كانت حيواتنا فجميعنا يشهدها على طول الطريق.. 

الحمدلله.. أن في رغباتنا تغيير وبدءٌ جديد وفي رؤوسنا أفئدة وفي قلوبنا من العقل ما يجعل السير على سراطِ الاتزان ممكنا..

الحمدلله.. أن لنا في قادم الأيام ما يسرّ وفي بواطن الأقدار ما نرجوا بأن يكون ولنا في هذه الأرض أصدقاء.. أصدقاء طيّبون وأرواح نحبّها..

الحمدلله.. أن فينا نفحةً سامية تريد أن تصعد للسماء، لازالت الأرض مهما ملكت لا تغريها، لا زالت الفتنة مهما اتسعت لا تطولها، لا زالت المغريات مهما تفاقمت لا ترجوها..

الحمدلله.. أن لنا لساناً يُفقهُ من خلاله ما نقول ولنا أيادٍ تطول أحلامنا ولنا من خلال الأحلام المحققةِ رضىً يجعلُ الفؤاد فينا يتّسع، ويخبُرنا عن الخير الكامن فينا..

الحمدلله.. أن العزاءَ فيما نفتقدُ من جوانبنا دوماً قريب.. وأن طينتنا ترتضي أحوالها وتستمدّ شفائها من قُرب الأهلِ وأن نفوسنا عامرةً دوماً بحبّ الطاعه، ليس لها من ابتغاءٍ أسمى من أن تكون على خير مع ربّها وبخيرٍ فيها..

الحمدلله.. أننا حينما ابتغينا ودعونا وصَلنا.. وكان وصولنا معلوماً في صدى جميع ما نعيهِ ونحسّه ونفعله..

الحمدلله.. أن الوجود جزء من الحياة، وأن الإيمان جزء من النفس، وأن الرضى جزء من الحياة، وأننا نعود لتلك القيمِ كلّما جفّفت الأرضُ ينابيع السلامِ فينا، فنرتوي..

الحمدلله.. عليك يا رب.. على وعيي بكلّ ما أمسّهُ منك وإحساسي بوصالك العظيم الذي لا يتبدد وعلى أن خلقتني وجعلتني إليك.. وأن مددّت يديّ وقلبي وفؤادي بحبّك الذي يزيلُ من عينيّ سطوع الشمسِ الضارب ويجعلني في الصمود أبقى..

لك الحمد.

لديّ لغةٌ وشعر، وعندي ما يكفي من القصص حتى أكتب، ولكن التوثيق يضيع بين المطروح من الألم وبين المقصود في الحكاية.. وما بين المقصود والموجود حقاً وبين الأدب؛ تضيع الكثير من الأجوبةِ وأنا بودّي لو كان للعالمِ صوتٌ بطيء يدعوني للتفكير قبل التسليم وللتدبير قبل الفعل وللمواصلة قبل اليأس وتذكّر البأس، أن نكون تلقائيين تماماً بحكمةٍ وبلا ندم، وطفوليين بلا خوف، أيحدثُ أن يكون..! 

صديقي العزيز..

نستطيع أن نحيل المشاعر لأفكار، وكم يضحكني ويرهبني الإنسان الحديث في تبنّياته تلك حين يشيح نظرتهُ عن تكوينة المشاعر ليبتسم للشكّ وينقض اليقين، وكأنما يحتاج عُمراً كاملاً من الدوران حتى يتأكّد، وكأنما أرادوا لنا أن نقطع كلّ الأشواطِ قبل أن نرجع لفكرة البدءِ وحينها قد يكون الزمنُ ولّى والأمورُ التي فينا راغبةً بالبناء قد ثقلت وتبعثرت.. شيءٌ ما في كلّ هذا العبث يدعوك للتفكّر بالمئآلات، فداحة الأخطاء البشريّة على ذاتها.. وكأن الإنسان قد خُلق ليُفسد في الأرض التي قد سُخّرت له ويتركها لتكون غير قابلةٍ للعيش لمن بعده، هذا ما يحدث على الأقلّ في عالمنا، وأنا أشعر بالخجلِ لكوني جزءً من كلّ هذا.. وإني كلّما ارتقيت في منازل الأدب وحالميّة الوجود اغتالتني الحقيقة من كلّ جانب وكان الحُلم في عينيّ لا يعزوا سوى لطفولةٍ مفرطة غير راشدة في عالمٍ يتطلّب كلّ انتباهك..

يميل قلبي ويخفق لكلّ ما هو حقيقيّ وساكنٌ في هذا الكون.. الأمور التي تكون في محلّها صافيةً بالتكوين وحقيقيةً بالإرادة وكاملةً بالنقائص المحتمة.. وهو يخشى الأكيد ويباهي بسؤالاته..

من الذي زرع فينا الخوف قبل أن يهدينا لحن الغناء لهذه الحياة ؟ لأنني في كلّ الصعوبات دائماً ما تواسيني فكرة الفناء، وهو أغنية.. وحيثما يغدوا كلّ شيء أليس من الجدارة بمكان أن نعيش ما يكون هنالك بصفاء الرحلة، بيقين المراحل والمرحلة ؟

أمضي يا صديقي لما يؤكّد لي شعارات المراحل ويصعّد في نفسي الطيّب ويغنيني عن القُبح، هنالك ما يكفي من الشعث لكن ليس هنالك ما غني عن الترتيب.. أرنوا لذلك الصفاء المخفيّ خلف الأمور الصغيرة الرتيبة في اليوم العاديّ، أتحسس صداها قبل أن تستجيب وتهتزّ لغتي قبل أن تُمضي في الكتاب..

حينما أنظر للاختلاف فيما حولي وأشعر بالضيق، أتوجّه وحدي الى السماء.. لا أشعر حينها أني أريد آخرين يشابهونني في طريقة العيش أو في التفكير بقدرما أرغب بلجوءٍ مختلف لحركةٍ في الوجود من نوعٍ آخر.. تبصّرٍ من خلاله أستطيع بأن أكون شاعرة بكلّ ما للخاطر والإبصار أن يحمل في عين المشاهدة وانتباه السمع وبحجم ما تسعُ اللغة من جذور وكلمات ومجاز ومعاني..

لا أريد أن تتغلل إليّ حداثة مدينتي الصغيرة التي تحاول الاشتباه بمُدن العالم الحديث، حينما ألجأ للنخيل والمزارع القديمة فأنا أحاول من خلال الصمت حماية ماضٍ عتيق والإحساس بوجوده في كياني قبل أن يغطّون المعمّر من الأشجار بالحجر.. 

وأنا بقدرِ ما يلهمني شكل السيارة الفاخرة على موقفٍ للانتظار في الإشارة، أحبّ أن لايغيب عن عينيّ مشاهدة الدهّان المسنّ الهنديّ وهو على دبابه البسيط الذي يخرج منه الدخان ويملأ الانتظار بالصوت بينما يحمل مسطرتهُ بين رجليه المنقبضتين ولوحاً كان قد احتاجه في مشواره القصير ليضعهُ عرضياً في واجهة الدبّاب.. أما حكاية تفاصيل عينيه الرماديّتان وسُمرة الشمس المتربعةِ على وجهه فهي تخبُر عن سنوات في ذات المهنة وعلى شوارع مدينتي بالتحديد..

حينما أتحدّث عن كوني في مدينةٍ صغيرة تتشبّه بالعاصمة، فأنا أحكي عن أحياء قديمة ومناطق جديدة، عن مدينةٍ تجمع مهنة الفلاحة ومهنة التسويق الإلكترونيّ، عن طريقٍ فرعيّ أظللُ فيه سيّارتي بالنخيل ريثما أتناول وجبة غدائي وأميل فأشاهد البقر في شباك مزرعةٍ قديمٍ تحت الشمس.. أتحدثُ عن نخلةٍ تنموا بعشوائيةٍ مفرطةٍ مائلة فيجعلها صاحبها مكاناً لأكل الطيور الصغيرة  ويردفها بغصنِ شجرةٍ كبيرة لينموا مع جذع النخلةِ ورقٌ صغير عضّ يلامس الجذع والعسف المدبب الصحراويّ في مفارقةٍ طبيعيةٍ لا أستطيع القول سوى بجمالها لعشوائيّتها تلك..

هنالك أشياء في وجودي وأحداث أنتبه لها وأراها ليس لمجرّد وجودها العابر ولكن لإحساسي أنا بالعبُور ذلك الذي يهوّن الكثير من التجارب في يومي وأمسي.. وحين التفكير بالغدّ؛ لا أجدُ سوى لفكرة الخِفّة من خلال العبور إلا اطمئناناً أن هذا الوقت، هذا العُمر، تلك الأشياء في التجربةِ الخالصة ستمضي وقد لا تكون بالمشاهدةِ لي وحدي فحسب، بل برأيي أن الكون مليئٌ بالفُرص وأن الله واسعٌ بالحِيَل لنا من كلّ جانب، ولكن تبقى البصيرة فيما نرى ونشاهد ونسمح له من تجربة.. الله يهبُك الجمال ويعطيك الخيار اذاما أردّت الاعتراف به من خلال التجربة.. ولقد مرّ على هذه العينانِ مشاهدٌ أقصى من العبارة وأحداث وقصص وأصدقاء أبلغ بالتأثير على قلبي من الوصف..

الآن أكون في مرحلةِ انتظارٍ واعترافٍ بالفضلِ من كلّ الجوانب.. حقيقٌ عليّ أن ألمس الحُب والتمكين والعمق واختلاف الأفكار وتلك النجاة الصغيرة بالأملِ المحمول على رضى التي تكون كنزي وعذابي في آن.. حقيقٌ عليّ أن أشاهد اختلافي من جانب الفضل لا من باب الحيرة والرهبةِ والخوف، وحقيقٌ عليّ أن أعترف بالوهبِ والموهبة..

أخيراً فيطيب لي الإقرار بديمومة شيءٍ واحد، وهو طفولتنا التي ما إن يغيب عنها انتباهنا فسنشيخ..

كلما كان للقصة روح؛ كان تأثيرها أعمق، وروايتها أمتع وبقائها في الوجود أخلَد.. 

الحمدلله.. أن لنا في الأرض منازل، وأحباب.. وأن القلوب قبل العيون تتسع وأن الحبّ بتكرار المحبّة وانصبابها يكبُر ويزيد.. 

الحمدلله.. أننا رغم الكثرة نعرف كيف نطمئنّ لأنفسنا، وأننا بعد العَود نعود أحمَد، نعود لأَكوارنا بشوق؛ فنرتاح..

الحمدلله أن الانتماء والرضى لنا عبادة تغنينا عن طلب المفقود وتهذّبنا عن التطلّع.. 

لنا في هذه الأرض عملٌ لم ينتهي بعد.. ووجودنا معجزة..

الحمدلله أن رسائلنا تصل رغم البُعد وخواطرنا تُجبرُ بعد الكسور وأفعالُنا تُرى ولو لم نجتهد في بيانها..

الحمدلله أن لنا قبل الوطن المكانيّ أوطاناً للروح في أجسادنا، وأنّا حيثما كنا؛ نتفرّع ونحب الأغصان المقدّرةِ رغم شعور الحنين الطويل لجذورنا الأولى..

الحمدلله.. أن في الأحباب من يشاركنا الضيق بقدرِ ما يهبنا الاتساع، والمشابهة في المرحلة بقدرِ المَلمح العمريّ فتكون آلام الحياة علينا أخفّ بالأثر..

الحمدلله.. أننا رغم التكوين المكانيّ الصحراويّ والجفاف، رهيفون بأحاسيسنا وبالكلمات رهافةً تشبه البحر والنهر والوديان، ذلك أن العطشَ أيقظ فينا رغبتنا في الرواء؛ فطلبنا من الجمال سُقيا..

الحمدلله.. أن في أذاننا ما نستطيع من خلاله سماع حفيف الشجر وضحكة الطفل ونحيب المراهقة وضجيج العائلة المتداخلِ في الأحاديث حين يريد الجميع أن يبدي مكنونه وأن فينا ما يسمع الموسيقى العذبة ويقدّر الوزن بالكلمة ويتداوى بالقلبِ من الفكرة،

وأن في عيوننا ما نستطيع من خلالها بالبصيرة النظر للسماء ، وللحبّ فيما وراء الجسد، ومن الفضلِ ما وراء الفراغ الأجوف ومن البعيدِ ما وراء المسافات ومن الرأفة والرحمةِ ما يكون في الفعلِ والشكل الأشعث..

وأن في قلوبنا نوايا رغم الثقلِ تحاول أن تكون أسلم، ترغب أن تكون أحنّ، تبتغي أن ترتقي سُلّما من المحبّة عالياً لا تكونه ويكونها، تلقائيّوون نحن وطفوليون جداً حينما نحاول السلامة من كلّ خاطرٍ وخاطرةٍ فيها غِلظة..

الحمدلله.. أن في هذا الجسد ما يعرف سقم قلبه بالتصرّفِ فيرجعُ لربِ السماء حائراً غريباً عن الانغماس.. حُببت إليه العافيةَ فلم يرى في الأوجاعِ مأوى..

الحمدلله.. أن الروح بالوحدةِ مليئة ومغمورةٌ بالشعور الكثيف حينما لاعَبت وتراً خفيفاً على حِسّها كالكتابةِ والشعرِ والنصوصِ والكتب؛ فطارت وحلّقت ولم تُبقي في مكنونها للناسِ وأحاديثهم باللغوِ شواغر.. 

الحمدلله.. حمداً طيّباً كثيراً لا يبيد..