نعم نعم أتفهّم.. حسرتك خلف ذلك الشعور للكلمات التي كان يجبُ لها أن تقال، ثم لم تحدُث..

أعرفك، كنت تحبّ أن تتلبّس الصمت لأنك حينما حاولت المقاومة شعرت بإغراء الكلمة وهي تفوح من داخلك، علمت منبعها فأغلقت الباب، وصمتّ.

ورغم جميع ما يغريك في العشوائيّة والهروب، فضّلت أن تبقى مكانك هادئاً لأن التمرّد لم يكن يشبهك، ورغم أحلامك العالية.. كنت دائماً ما تنتظر اللحظة المناسبة التي يلتقي فيها القدرُ بالمقدورُ عليه منك وحينها ستفتح أعرَق الصناديق التي عندك، وستبدأ خطّتك الحالمة سطراً بسطر ومعنىً بمعنى..

ابتعدّت عن الطفولة بالزمنِ ولكنك لم تغادر رغبتك بأن تكون عَفوياً على الأيام.. وددت لو ترتقي بمن حولك حتى تكون أنت بأفكارك المجرّده حيّاً، فالمجلسٍ الذي تكون فيه كمن تكون، هو الهرَمُ فيما تحبّ..

أولَتْك الأيام قلباً صابراً ولكنني أعرفك.. كان ليُرضيك القليل على الكثير ولكُنتَ لو مُنحت الخيار لتغلق دوائرك الداخلية من أيّ خيبةٍ ومن كلّ تعثّرٍ بُغية أن تحمي ما فيك لمن يستحقّك؟ لفعَلت..

أدرك جيّداً يا عزيزي ما ضاع منك في لحظةِ صفاءٍ واصطفاء.. أدرك الجيّد والذي يكون أحسن منه، أدرك جهودك المسروفة ووجودك في دواخلك.. كنتُ حارسةُ الدهشةِ المخبوءة فيك، فكيف لي أنلا أعلم آماد كلّ الجروح التي تركت لها نفسك..! أسمعُ جميع أصواتك ولكنني لا أتدخّل وأنتظرك أن تأتي مشرّعاً لي عن نفسك حتى أُفصّلك، وأحكي لك عن جيوب الماورائيّ فيما واجهت وخبايا الألطاف مما كان لأريك معيَ الحكمة خلف كلّ شيء.. أنتظر منك أنلا تستلم لصوت القوّة لأن في بواطن الرحمةِ والعفو قوّةً من نوعٍ مختلف وسموّ من باطنٍ ناصع ومقدرةٌ من بابٍ ربانيّ روحانيّ لا يألفه البشريّ فينا..

وقد تسأل؛ لماذا يكون صوت القوّة؟ قد يكون صوت الخبرة .. قد يكون صوت ردّ فعل المواقف الصُلب، قد يكون صوت الردود في أوقاتها المناسبة أو قد يكون صوت الحسم، أتفهّم أنك تريد له أن يكون صوتاً ما.. يساعدك على شرور الناس.. إيجابياً بالمعنى وحساساً بالشعور، 

وأقول لك .. إن في اللين كنزٌ يذيب الحديد، وفي الصبر ما يشقّ الصخر من خلال قطرِ الماء وفي النور ما يُعمي كما فيه ما يَهدي.. أقطابُ الحياة مفترقةً وليست واحدة، ولكنك حينما تشاهد معاني كلَ تلك الأفكار من عُلٍ، تدرك أن في فهم الحال كصراع، مشهدٌ يخبر عن قلّة لا عن حكمة، (ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتيَ خيراً كثيرا)

تذكّر.. حينما تحصي عدد الواعين من حولك، اولئك الذين يكونون في نفوسهم على خير، وعلى الآخرين من غير ضرر.. تذكّر كم منهم من ربّى نفسه ليكون في منظورك بذلك البهاء، كم منهم من عانى وأمضى وصبر وشكر.. راقب أسمى الناس فيمن تقدّرهم، أليسوا حاملين لسَمْت الحكمة من خلال بوابة الصبرِ على الحياةِ لا الجَلد..! كم يبدون خِفافاً اولئك الذين يعاركونها بجَهدٍ لا يُرى.. كم يبدون وسيمين جداً بالعقول من يراقصونها ويَدَعونها لتمرّ، كم يكونون بالحكمةِ الصافية من يرونها من بعيدٍ وما انغمسوا.. 

أتمنّى أن تبقى في قلبك أكثر، وفي ذهنك أعمق وفي فؤادك أبصر وعلى التجربة أقدر وعلى الحِلكةِ أصبرَ.. ستكونُ بخير..

صديقي العزيز.. 

إلى هذه الأرض التي تُطوى حال الإرتحال فيكَ وإليكَ ومن أجلك.. من أجل جميع الذكريات التي خطوناها معاً والأخرى التي ارتخت أيدينا فيها من التعبِ قبل أن نعود لشدّ يدين بعضنا البعض، والمُضيّ قُدما..

إليكَ وإلى ذات الرحلة التي تخبوا دهشتها تارةً ويطيب عِطر نسيمها في مراتٍ أُخر.. لبحثنا عن التفاصيل المختبئةِ في الأيام، ثمّ محاولاتنا لاستجلابها على الأفكار التي نلتقطها لتعبّر عن حياةٍ ساريةٍ فينا.. وطوبى لمن أغمض عينيه فكفَته حياته الداخليةِ عن مطاردةِ الآخرين ومحاولات اللحاق بركبٍ لا يعلم سيره وسيَرَ نبلائه..

صديقي العزيز..

إن أكبر ما أخشاهُ في الحياة هي التُخمة، تخمة الحصولِ والوصولِ والمالِ والعلاقاتِ والأشياء.. أولئك الذين يكون بين عينيهم الكثير فيزهدون بالكثير، أن تأخذني الحياة بلحظةٍ فأنسى من أكون وعلى ماذا أحصلُ وكيف حصلت عليه ومن أيّ جهةٍ وبأيّ ثمن.. أخاف أن أنسى حجم الفضلِ والمتفضّلَ فأضيع في الطمع وأنسى الذي قد كان حُلماً وصار حقيقةً تروى وتُعاش..

صديقي العزيز.. 

وجدت في الشُكر مسلكاً يُفضي إلى طريقٍ قويم من الرضى.. أننا بطبيعتنا الإنسانية حينما نتفكر في المفقود نخاف من حياةٍ قد لا تبدوا كاملة، ولكننا حين التفكّر في الحال من بوّابة الوَهبِ الذي قد كان ولايزال، فنحن نراها من جانبٍ ممتلئ، نتهذّب، نتنازل عن أطماعنا الكبيرة مقابل حياةٍ تُشكَر، ترانا حال الابتغاء نسأل عن أسبابه ومواخذه فينا.. نفهم ذواتنا أكثر لأننا أصبحنا نحدّثها من مكانِ امتلاء لا مكان خوفٍ من الفقد، أو عَتب.. تعلّمت أن الحُكم على الفكرةِ ذنب، ولكن رؤيتها بوعيٍ وهي تعبر حِكمة، والله لا يؤاخذُ إلا بالقصدِ لا بالخطأ..

صديقي العزيز.. 

نعمة الإدراك ومعرفة الحدود وبناءِ وتعلّم الحقوق والسير برضىً من مكانٍ قويّ وقويم فينا لم ولن تكون أشياء نقابلها على طريق الحياة بل هي ما نحتاج بعد عون الله تقريره وبنائه في دواخلنا والإلتزام بسقايته كلّ يوم فحتى نُثمر نحتاج عُمراً من التشجير والعناية.. بلونٍ قد لا نختبره في الحال ولكن نراقبه بتعب، حتى يطرأ موقف أو تُقال عبارة أو نقرأ نصّاً أو نضطّر لمواجهة فنختبر تلك الجذور التي غرسنا والأيام التي زرعنا والأغصان التي شذّبنا، انفعالاتنا حال الأزمات أو الصفح فيها وعنها ما يهدينا كلّ جسور الوعي تلك بيننا وبين نوَى النوايا فينا..

سقاك الله يا صديقي ماءً زُلالاً وأَبان عن تجربتك إخضلالاً في الأيام وأينع حديقتك حُباً وكرامةً وحريَةً تطيلك ولا تُميلك..

وحتى ألقاك.. أرجوا يا صديقي أن تبقى بخير..

لا استطيع التوقّف عن الدهشة في كلّ مرةٍ أفكر فيها وأقرأ القران وأجد أنه يحاكيني من جوانب تشبه معضلتي وروحي تماماً.. هل لك أن تتصوّر أن كتاباً عظيماً نزل منذ ما يقارب الألف وأربعمائة سنة، لا يزال يلمس المؤمنين..! 

نعم، حتماً.. ففي الحياة أشياء خالدة، وتكون أكبر..

أريد أن ألتفت دائماً لأرى ما في جعبة هذا الخالد واستقي منه، ليس لرغبة الخلود ولكن لرغبة الاستقرار في النفس حيثما لا تشغلني الأمور العابرة عن اكتساب المعنى خلف كلّ ما يحدث ولا تغمسني في محيطٍ لا أنفكّ عنه.. هنالك اليابسة وهنالك الماء. وأنا أريد رغم أقداري أن أرسوا..

إن خَلق المعنى خلف كلّ يوم والتجدد رغم المجهول ورغبة الحياة وخِفّة القلب والفضول تجاه القادم ومعرفة المشاعر وتمييز الكلمات بالكتابة وصياغة المجاز بمحبّة وابتسامة وأَلقٍ أنيق؛ لم تكن يوماً بالنسبة لي أشياء عابرة.. لطالما أحببتُ استطالة ذلك النغم وارتضيتُ جوَلانه في نفسي بمحبّة، وأعطيت له آماداً بالتفكير.. وإني لأشعر أن الله يواسيني دائماً من خلال ما يضعهُ في صفحة النفس من تفكّر.. 

حينما أميل بالحياة للتفاسير، أضيع من حجم الفكرة في نفسي ولكن كلّما شاهدتها من طالعِ القَدرِ ورحمة الله كانت على روحي أخفّ وفي نفسي أوسع واستقبلتها بالحضورِ البسيط وابتسمت من أجلها وعليها وأبقيت في نفسي الأمل.. أحبّ لو أتذكر دائماً أني سأكون في حالي رغم كلّ شيءٍ فيها ومادُمت في نفسي فسأحاول أن أكون لها باب محبّةٍ لا باب خوف وأني لستُ عزيزةً بالماديّ ولا فقيرةً بالملموس أو شحيحةً بالمكان وأن تلك حالات لا تعني عمق النفس بشيء وأنها إذاما كانت عزيزةً في ذاتها متوسّعةً على العالم راغبةً بالسموّ؛ كان لها ذلك.. 

أحبّ لو أتذكر دائماً أدواري في هذه الحياة.. وأميّزها من دونما قلقٍ أو خوفٍ أو تأنيب، وأرعاني من خلالها دونما تعبِ الضمير.. اذاما كنتُ خيراً وكنت انوي الخير، فسأكون دائماً على حبل المحبّة مع الله. قد يكون ذلك هو كلّ ما هنالك..

أشعر أنني بخير حينما أتلمّس الألطاف الخفيّة، حينما أعود للشعر، حينما أرتوي من نهرٍ عذب، حينما يأسرني الجمال وتحاكيني الطبيعة وتتضح لي المفاهيم بشكلٍ جليّ.. أشعر أنني بخير حينما أرضى وأُرخي لملامحي أن تكون كما هي وطفولتي أن تفكّر ما تشاء وحينما لا يحدّني سقف الأيام والواقعيّ عمّا أتمنّ .. أحب الحياة حينما تكشف لي عن سرّها المكنون في السير مع ما يكون من دفقها، برقّةٍ وحضور..

لعلّي أكون دائماً في مكاني؛ هنا والآن فحسب..

أسمع ماءً رقرقاً يهدرُ على صفحة روحي من بعيد.. بشيءٍ يشبه نهاية المَدّ وبدايات المَنبع، شيءٌ من صوت الماضي ولكنّي لا أتعبه ، يتنزّل كما رحمة ويُسمع على طول الأيام كأعذب نَغم.

الحياة سلّم يشبه التصاعد إلى الأبديّ، بعض العتبات مكسورة، يخلّ اتزاني ولكنني لا أتوقّف عن الصعود وعن فعل ما أحبّ فعله من حيث أن في قلب كلٍّ منا علامة حبّ تدللّه على السماء؛ فيتّسع. 

حينما أقول أني “أحتاج”، فأنا أعترف أنه “ينقصني”، وآهـ كم تنقصني الكثير من الأشياء.. ولكنني من خلال التعبير عن احتياجي أتعلّم أن التحقيق لا يعني الشعور والعكس، تأجيل المشاعر تبرر موقفاً عجولا، وأنا لا أحب العجلة التي لا تؤدّي.

الرسوخ في الأرض يعني ملاحقة الأسماء، الرسوخ في السماء يعني نُبل الترك والتخفف، والحكمة ضآلة المؤمنين.

يحاول الجميع تحقيق غايةٍ واحدة ووحيدة، وهي الذِكر والجدوى والتذكّر والسعادة والحياة الطيّبة، أشعر بالإتساع كلّما تذكرت أن في الوَعد على المؤمنين حياةً طيّبة.. وإن الحياة الطيّبه هي ليست تلك التي تفيض بالشعور الطيّب، ولكنها تلك التي تمتلئ بالتفسير المناسب لكلّ شعور.

ثمَة ما ينقص الإنسان في العصر الحديث، سريعٌ هو الوصول شحيحٌ هو معنى الإتصال الحقيقيّ، الاتصال العميق والشعور بالجدوى هو ما يعوز الإنسان في العالم الحديث.

هنالك قصص في هذه الحياة بمقدار الوجود على هذه الأرض، بقدر البشر المعدودين والذين لم يولدوا بعد ، لو أتيح للجميع رواية قصّته..! ستكون الكتب غير كافية..

أتمنّى أن تودِعني الحياة لأخوض في رحمها برحمة وأخرج منها بسلاسةٍ وبسلام..

بعض الأفكار العميقة تسبح في روح الوجود الحيّ، تلازمك حتى ولو لم تلازمها، تسري وتسير معك، تجعل للركود خِفه وللارتفاع غاية وللمسيرة كاملةً حياة.. 

قد تشبهك، قد لا تشبهها ولكنها هنا وتكون.. جزء منك كما تكون بالتجربة جزءً منها، ترضيك مره وتغضبك مراتٍ ولكنها كما سماء، مرةً بالغيم ومرةً بالإشراق؛ تتبدد وتحتجب.

شيئاً ما، ينده لي من خلف الأبواب .. ينادي حتى ولو لم يُنادى عليه، يرتقّب اقترابي، وأنا أحسّه.. لا أعلمه ولا أميّز كنهه ولكنه حالٌّ حاضر وسيأتي، هل هو الفرج المتجسّد في شكل أمل ؟ أم هو الحال الذي يبتغي شكلاً من أشكال الهروب أياً يكن..! كل ما أعلمه أن فضل الله دائماً قريب..

صغيري الحبيب..

كلّ شيءٍ يا عزيزي يهون حين يبقى حال عقلك على فكرةٍ جيّدة، مطمئنّة.. وحين تبتغي أن تساعدك في حِمل الأيام.. تكون الأشياء حينها هيّنة.

سيتبدّل ما يجعل الكون في عقلك يستحقّ الحياة، حسب الفقد الذي ستشعر فيه ولكن عليك أن تتذكر أن النقصان لا يدوم..

وأنا أفتقد يا صغيري في هذه الأيام حالة نقاء الإلهام وأتوق لمكانٍ  يعطي لعقلي مساحةً جديدة من الحُلم، أو لعلّي أتوق إلى مكانٍ جديدٍ فيّ لم تكشفه لي الأيامَ بعد، أريد أن أضع كلّ محطّات الأتعاب التي نأخذ من خلالها مكاننا في العمل والعالم، وأبدأ قصةً جديدة تماماً في موضعٍ آخر لا يشبه أيّ شيءٍ هنا.. 

أفتقد يا صغيري ذاتي الحالمة أمام هذا الواقع الكبير.. وأخشى أن يضيع عني الشعور بالمَنسك في مُطاردة النُسك، الغاية في مطاردة المعنى، الطريق في مطاردة الحلم.

صغيري الحبيب ..

أشعر أني قد أكون أكرر نفسي من حيث يصعب عليّ أن أتفهّم كيف أستجمع معنى صفحات الحياة حين أتحدث عنها كلّ يوم بطريقةٍ أحاول من خلالها فرز أوراق معنى هذه الأيام التي تبدوا مجرّد عبور خالٍ من الدهشه، وفي سبيل الدهشة تعلم يا صغيري أنني على استعداد لتقديم أقصى جهدي.. وكأنما في محاولات التفسير أكون أنتظر رحمة، مفاجئة، انعطافة تجعل من لكلّ ما قد مضى إطار أستطيع جمع عقلي عليه وشرحه بالطريقة المناسبة..

بوسعي القول يا عزيزي أنني في هذه المرحلة واجهت الضعف كما لم يكن من قبل، كما لم أعترف به من قبل.. ضعف القوى والحال والمواجهات والميزان والرؤى ولكن أشدّها على روحي يا صغيري هو ضعف التفسير.. أحتاج لإيمانٍ ملائكيّ يعيد لروحي سكونها.. 

أرفع إليك يا عزيزي أوراقي البيضاء معلنةً هدنتي من محاولات التفسير أو الاستبصار أو تمثيل القوّة بالنصيحة إليك، تلك التي تأتي دائماً موجّهةً من نفسي إليّ قبل أن تكون إليك.. اليوم أنا أخبرك أني رغم الألم أحسّ بضعفٍ رهيب يتسلل إلى روحي وأنني على استعداد لقبول مرحلته مهما كانت وكيفما كانت وحيثما ستؤدّي بي.. لنعلم سوياً، أنا وأنت؛ أن الحياة لا تأتي دائماً مو مواضعنا المحببة فيها.

كن بخيرٍ دائماً يا حبيبي.

غروب ونخيل وسماء عذبة، لحظات لا تشبه الحُلم فحسب؛ بل كانت تشبه مقدرة الله حينما يحيك الجمال بأبدع صورة.. لو كان لي من خيارٍ قبل كلّ هذا لدرست السماء.. ملاذ طفولتي ومهرب أحلام صباي ورفيقة شبابي الأمينة ومستقرّ دهشتي على طول الأعوام، كيف لخِلقةٍ أن تكون رفيعةً هكذا، وقريبةً هكذا في آن.. وأن كيف لها أن تكون هي هي ذاتها ذاتها رفيقنا على طول السفر؟ متّصله، واسعه ورحيمة وحالمة ومتغيّره..؟

“قيل للإمام الشافعي : مالَك تكثر إمساك العصا، ولست بضعيف؟ قال : لأذكُرَ أني مسافر.”

ولأننا في سفر، ولأن الرحلة في بعض الأحايين تبدوا أطول مما نبتغي وأشقى مما أحببنا أن نلقى؛ تأتي السماء على هيئة تذكارٍ ربانيّ أن كلّ هذا لن يكون للأبد.. وأن التعب وإن طال فهو في نهايةِ الأمرِ محطّةٌ في سفر.. إننا يا صديقي كلّما وضعنا للأتعاب معنى؛ تلاشت وبقي منها ما حَوّزنا من النموّ. 

هي أشياء صغيرة.. تلك التي تجعل من الأيام؛ بالتالي الحياة، ذات أمل.. ما يجعل من وجودنا في رمق العيش حاضراً حبيباً كما نبتغي، وسليماً كما نتمنّى.

صديقي العزيز..

الأحداث من حولي تتغيّر، وأنا كلَما أكبرُ تعطيني الحياة شكلاً جديداً من شكلها وجلداً جديداً من جلدها لأشعر معها أن لا نسب واحد ولا معنى واحد قد أستطيع الظهور فيه والانتساب إليه .. ويبدوا أن هذا الذي لا يتوقّف عن المُضي أو لا يعود لما قد كان عليه هو شرعها وقانونها..

ولقد كنت أريد أشياء بسيطة، أرنوا لبساطتي المحققة ووجودي الزاخر بالأسئلة.. وتبدوا عوائقي أمام ذلك الوجه الأمثل من النقاء عالية، 

أخشى أنني لن أستطيع شرح نفسي بالواقع بعيداً عن الكتابة الدقيقة، فهل يحدث أن تكون البساطة هي أعلى ما في العُمق؟

صديقي العزيز ..

هذا الكون رغم كلّ شيء لا يتغيّر.. وكأنه يُطمئن شغب الإنسان القلقِ فينا أنه هو هو منذ قديم الأزل وما يزال؛ شاهدوه الأجداد واستولى على أحلام الأمهات وشارك الآباء أسمارهم..

السماء، النجوم وطيورها وفضائها وأشعتها وسناها وراحاتها ووسعها، كلّ شيءٍ فيها يدعونا للجمال الذي لا يتغيّر.. للسكون الذي يَشهدُ ولا يُشهد.. 

أستطيع القول أنني أتمدد في فحسة هذه الأرض حسب المطويّ أمامي ولا زلت أجهل وأشكّ في صواب الطريقة والطريق، ولكن أليس أصعب على ما في النفس من صيرورة دائمة هو الثبات؟ السريان حسب ما كُتب لا حسب ما تطمع في ابتغائه..! وألم يكن تقلّبها يوماً هو مصدرُ شدّتها في العزيمة وحثّها على النقاوة في المطالبِ والرؤى..! 

قد لا نعمل بما نراه صحيحاً على الدوام ولكن في هذا القلب تصديق عميق ومنحة سماوية وتطلّع وإيمان كبير كبير بما هو قادم.. 

كلّ ما أستطيع بثّه يا صديقي هنا أننا نتقلّب، بمخزونٍ هائلٍ من النعم، نتذكره أيام وننساه في أيامٍ أُخر، وأن لنا أحلاماً على هذه الأرض تستحقّ صبرنا وأن لنا فيها مطالب تستحقّ التعب وأنّا وإن لم نكن يوماً فيها كما نريد فأحلم أن تأتي على هُون وتعبرُ على هَونٍ ونكون فيها خفافاً؛ في النفوس وفي الوجود وفي أكواننا.. أن تتوائم فينا الرغبات مع الحاصل وتتسع فينا الأكوان مع المكوّنِ ونبقى سارحين في ملكوت الذِكر المتجدد الذي يقيمه هو ويأذنه مع كلّ يوم ونبضٍ وإدراك..

عن الشعور عندما تتوشّح بالوعي من جميع جميع مخاوفك، وكأنها لم تكن، وكأنك أنت لم تكن..

وكأن الله قد أبدلك بعد جبال القلق أماناً عظيما..

ولأن التسبيح ملاذ الأرواح تُراك تتحسس سعاداتك ككنوزٍ أُلقيت على ساحة نفسك، تتأمّلها بدهشةٍ وتسبّح مكوّنها..

صديقي العزيز ..

ما هي الحياة لولا سكرة الضياع فيها، 

أن نجد ولا نجد، ونُجيب ولا نتوقّف عن الأسئلة..! 

وما هي لولا أرواحنا الشاهدة على كلّ ما يحصل؛ زفراتنا حين نغضب وأنفاسنا حين نرتاح وجميع المسافات بين مانشعر به وبين ما نقوله..!

ولو أُعطيت على قدرها عمراً ثانياً ما توانيت عن اكتساب تلك الاستدراكات الكبيرة التي تجعل من المراحل الصغيرة ذات معنى، ولما تركتُ جلال الاصغاء لدقة لحن الطلل على جسور الآلام التي نلتقي فيها مع ذواتنا في محطّ نظرٍ يؤدي بنا لاتخاذ مكاننا الحقيقيّ من الضعف بين صعوباتها؛ لتلفظنا أخيراً إلى جدوى السماء؛ ومايكون أكبر.

صديقي العزيز ..

إن في هذا الكون سَعة، وفي السماء رزقنا الحقيقيّ وما قد وُعدنا به، وعلى هذه الأرضِ احتمالات، احتمالات كبيرة وكثيفة ومليئة ملموسة ومعنوية ومحسوسه وحقيقية وواقعة.. ونحن الذين نرتّب احتمالات أفكارنا حسب هذا الواقع، وبوسعنا أن نمسك زمام الإيمان في قلوبنا أمام العقليّ؛ حين نواجه بما في القلب ننموا وحين نواجه بالحكمة نتعقّل وفيما بينهما سريان.. فتخفف منها حتى تأتيك؛ وتتوسّع أكوانك.

صديقي العزيز..

تذكّر، أن ثقلاً هائلاً من المسؤولية يزيله شعور الإيمان أن الله وكيلك وحارسك ومأمنك الوحيد وملجأك الأصمد في هذا العالم المكثّف بالتغيير، وأنك معه على عهدٍ من المصونة من حيث لا يكون على أحدٍ عليك ولا لك من نصيب.. ونحن على عهد التوكلّ العميق نكون بخير..

أرجوا يا صديقي أن يقابلك في الأيام كلّ ما يشبه الطيّب منك..

وحتى ألقاك على سفرٍ؛ كُن بخير..

ويا رب .. هذا العُمر لك وهذا الجسد إليك وهذي الروح تهوي وتهوى عندما ترنوا إليك.. 

بحجم النور الذي تشرق به الظلمات يا إلهي علّمنا كيف نداوم على سبيلٍ يرضيك عنّا..

يا رحمن أسألك حباً يبقى ونوراً في القلب لاينطفئ وجلالاً من لدنك يجعل هذا الدرب أخفّ وأنقى.. 

إلهي..

وسّع لي في أمري وتولّني وهبني من لدنك طريقاً يؤدّي إلى رفعةٍ إليك

فهذا الشوق العميق إلى كلّ ما هو سماويّ يجعل من أيامي صبراً طويلا.. 

صغيري الحبيب..

هنالك حكمة ربّانية خلف جميع الأمور التي نرى أنها قد تفوت أو تتأخّر أو تصعب أو تؤلم أو تُخيف، ثمّة تهيئة سماوية صعبة على النفس ولكنها معلومةٌ في السماء.. واليقين هو ما يجعلنا على هذه الحياة راضين عن الله مطمئنين إليه وبه ومعه، واذا كانت الحياة ماضية؛ فنحن لسنا فيها سوى شاغلي حيّز من مكانٍ عابر، 

حينما أتفكر بالموت يا صغيري فلا يدركني سوى تضاؤل حجم الأشياء التي نراها تستحقّ؛ وما أمضاها .. ولكن حين تخطر لي الحياة فما أعمق ما قد يُحكى فيها وأوسَع رؤاها وما أكثر التمنّي والإلهام وما أطول العيش..

يحرّكني دوماً شعور المسؤولية تجاه الحياة ولا يؤنسني اللهو الطويل فيها.. لست ممن يعرفون كيف يلعبون أو ينسون أو لا يبالون، ذاكرتي ورؤاي في حوزتي حيثما ذهبت وهذا يا صغيري شعورٌ ثقيل ولكنه مؤنس، لأني حينما أتربّع في العزلة أكون محمّلةً بالأشياء ولا تحملني الرغبة بالصدّ عنها للالتفات لشعورٍ اخر..

دائماً ما أتسائل يا صغيري اذاما كنا نعي حجم المراحل التي نمرّ فيها لنحكيها فيما بعد كحكاية، أم هي موجات تعلو وتهبط وثورات تكون وتنطفئ ؟ لأني قد كان لي دقةٌ في الرؤى يصعب معها تطبيع الشعور بدعوته حالةً ماضية، ولكن لعلّ هذه هي معضلة الإنسان في الوجود؛ أن يفهم ويتفهم ويؤمن رغم جميع الانعسارات والإنكسارات أن مكاناً ما في روحه يتجاوز كلّ هذا الشك إلى يقين خالص يملأه بالقوّة رغم الريح والتصديق رغم العبث من حوله بالمعنى..

أرجوا يا صغيري أن يملأنا الله دوماً بنفوس عالية لا تغيب عنها الشمس ولا يبددها القلق ولا يريحها سوء الظن ولا تستلم من الشعور بالحياة ..دائماً..

أجراس كبيرة ، وآماد طويله ومددٌ سماويّ عذب وقصص مسهبة بقدرِ حجم خيالات الإنسانية، ومدنٌ عذبةٌ صامتةٌ لا تدعوك للجمال فحسب بل بأن تكونه وتتمثّلها عين الدهشة فيك.. 

أسفار، وأطفال يلعبون، قهوةٌ جيّدة وغرباء؛ الكثير الكثير من الغرباء.. اجتماع كبير في مقهى تسمع صدى ضحكاتِ من فيه من أقصاه.. 

رصيف وشجر وورد وأغصان تتمايل وأحباب يمشون يمشون طويلاً على تلك السكّه..

صوت ماء، نافورة، طيورٌ تستقي منها، ضربة الجناح مع موسيقى الشارع البعيدة، وصوتُ الإستاذ في المدرسة القريبة يردد من خلفه الطلاب حروف لغةٍ جديدة..

طرقات غير معبّدة بالكامل؛ تعلو وتهبط، لا يفصلها عن الغابة سوى منعطفٍ في أسفل الإنحدار يأخذك لعالمٍ طبيعيّ ينموا منذ ملايين السنين، طينتها سوداء وطرقُ الصعود إلى قمّتها معلومة ومسوّمه.

الجمال الملموس بالأيدي يتكون على شكلِ محلٍ للتذكارات يحمل منحوتات صُنعت بأيادٍ بشرية تحكي خلف جمالها المعطوب بالصنعة؛ حكاية تشتاق أن تسمعها من الباعة. ورسومات كثيرة كبيرة وصغيرة بألوان من وحي قلب الطبيعة التي تكون هنا..

سوقٌ قديم، ملابس مستخدمة، قطع عتيقة منها..

تجوال .. سوق خضار يحمل الثمر الناضج في يومه ومرحلته يرعاه كبار السنّ ويزيّنون أجواءه بالضحك وتفقّد الأحوال والقيام بأنفسهم على جودة المنتج وسلامته، تحكي ثمارهم الناضجة حكاية حصادٍ سعيد لسنةٍ مباركة ، يبدوا عمّي فخوراً وهو يقدّم إليّ ثمرةً للضيافة. 

أتوق لمكانٍ مختلفٍ لم تطأه قدماي على هذه الأرض من بعد، وما يبدوا بالوصف أنها مدينةٌ عتيقة بالوجود وغزيرةٌ بالمعنى، أو ربما هي لا تسكن في الحقيقة على الأرض بل تكون مما يشكّله خيالي سعياً مني لأمسك حالمية الحُلم في جعبتي، رغبةً مني بأن أربّي في داخلي سلسلةً لا يقطعها الواقع ولا تُغفل التفاصيل.. هي التفاصيل التفاصيل يا صغيري؛ بوسعنا أن نهرب منها أو أن نهرب إليها وفي دقيق وجودها رحمتك أو عذابك حسب الدهشة التي ترى والطريق التي تكون والمزيج الذي تنسج..

في ختام قصيدة مسّ يقول محمد عبدالباري :

وأنا أحبّ أن أميل كثيراً للتثبيت، والبناء وعدم ملاحقة الحيرة لأنلا نظَلّ على وجوهنا في الحياة هائمين.. أتطلّع للإستحكام في المنهج وترسية جذوره في نفسي وتثبيت مبادئه، ذلك أن لاشيء سيكون عندي أجمل من نفسٍ راسيةٍ تعرفُ حين تنطلق في منتصف البحور كيف ترجع وإلى من تستحكم، نفسٌ تعرف بوصلتها لن تضيع أبدا..

صديقي العزيز..

ما هي جهات بوصلتك الخاصّة للرجوعِ إليك..! أتسائل..، كم سيكون جميلاً لو تعلمنا دوائرنا ودرسنا ذواتنا وفهمنا أن الغيب لا يعني الخوف وأن الحاليّ لا يعني المُطلق.. حتى تكون الحياة بين جنبينا أخفّ وأرحب، حتى نكون نحنُ بالاتساع الكافي لأن نفتح أبوابنا عليها كما نشاء، كما تكون.

وُجدَت الجهات حتى نصل، وكما أننا لا نكون في مكان الضياع ذاته في كلّ مرة، فإن كلّ جهة ستأخذ حقها الطبيعيّ في قيادتنا حتى الوصول.. أن نعلق في حلّ واحد، جهة واحدة طيلة العمر؛ يعني أننا لم نعي بعد أن جميع الجهات تقود إلى معنى، ولم نكشف الخيرة خلف تلك الوجهات.. ليس كلّ طارئٍ يا صديقي يُحلّ بالطريقة ذاتها، والهروب حتماً هو أوسع الجهات ولكنها جهةٌ ممتدة لاتتوقف فيها من الركض حتى ولو استدركك الضياع مرةً أخرى ..

صديقي العزيز..

سنبحرُ في عرض البحرِ وستسحرنا الزُرقة والماء، وفي أوقاتٍ لن نستطيع أن نرى غير سماءٍ مقابل ماء .. هيبةُ المنظر، ولكن البحّار الجيَد يُسلّم لروحه التي تقوده ويعطيها سِحر الوجهة وثقة الملّاح، يصبر على هيبة المشاهد في الغروبات والشروق حتى توصله بر أمان.. أتعلم يا صديقي ما الحياة؟ ليست هي سوى ذلك البحر .. مهيب ولكنه مقدورٌ بالتوكّل ومميت ولكنه مُحيي بالمعرفة ومخيف ولكنه جميل بالتأمّل.. 

إن الروح الساكنة فينا يا صديقي تبتغي راحاتها في مواضع الشاطئ وعلى أرض السكون، ولكن السعي الواقعيّ في العقل والجسد يحتاج منا كلّ الشجاعة حتى نمتطي أصعب الأمواج ونركب البحر ونسير، وما يفيد يا صديقي ليس الركوب لذاته؛ بل شجاعته. وما يُكتسب يا صديقي ليس التعب للذّته بل الذات المتغيرة بعد ذلك الابتغاء هي ما يُجزء هذا الوجود..

وحتى نلتقي في صدفةٍ تحت وجهةٍ واحدة،

أرجوا أن تكون دائماً بخير.

أيا قِبلة الوقت والذكريات العميقة وابتغائات الدهشة التي تملأ أرواحنا بالشجنِ حين يجفّ العالم،

أنوارنا التي تبزغ، وتذهلنا منّا حين نطوي مسافةً في طريق الظلام قليلاً قليلاً، لتكوّن ثورتنا الداخلية ويبقى النور نتيجتها في الأرض، 

أيا أمكنتنا التي نشغلها وتشغلنا في هذا العالم الواسع الاختيار العريض باحتمالاته، شيءٌ مما لا يطاق وشيءٌ مما يطاق وكلّ العاديّ الساري فيما بينهما،

أيا حصّتنا من الرزق، نغدوا لما يتوجّب ليس لأن الخِماصَ كلّ ما نبتغي قدر ما يكون الواجبُ هو مواساتنا في الغدوّ،

أيا تلك الأيام التي من خلالها يكبر الصغار من حولنا، أسنان صغيرة تتكسر وأخرى صغيرةً جداً تنموا في فمِ الوقت وعن البناءِ الجديد لقصّةِ برعمٍ في الحياة،

أيا أسمائنا النازلة من السماءِ علينا حتى تتكوّن فينا ثم تكوّننا وتبقي وَسمَنا على هذه الأرض، تشكَلنا ونتشكّلها كقوالب ملأت فينا الزمان الطويل إلا أن نستريح عليها..

يا ملامحنا التي تتخبئ مع الوقت وتظهر إلا أن لها من العمق ما لا يبدوا أنها تتغيّر..

يا انتمائاتنا التي لم نعرف حقّ حجمها حتى ابتعدنا عنها، حتى ابتعدت عنّا وصرنا فيما بين البينين منها غرباء..

يا مسافاتنا مع الأصدقاء.. نكرهها ونحبها ونحتاجها ونشرّعها كقوانين ونحييها كمواطن ونشعلها حين نشعر بالوحدةِ أو عندما نكون فرحين

أيا أحلامنا القادمة من الماضي، تسعى من خلفنا باغيةً أن تستقبلنا على موانئ المستقبليّ جاعلةً من رحلة البحر في سفينتنا أطول، ولكنها أعمق..

أما في الوداع.. فآمل أن تبقى عين الطفل فيك وضّائه مُستلمَه تسير مع الحياة ولا تسابقها خطوةً بخطوة؛ تمسكها بيديها وتدّلها على اللحظات الساحرةِ منها رويداً رويدا.. لا تميل عن الزوال ولا تضيع عن الحقيقة المطلقة.

نشوة .. حتّام علينا أن نستعملها قبل أن تحترق ..؟

يا وعائات حقيقتي .. إليكِ. 

أتنفّس، فتسري جميع اللحظات الحبيبة، لحظةً مسّت يدي فيها الرمال، ولحظاتٍ خَلوتُ فيها بين النجوم، ولحظة هبطت عيناي فيها على جذع نخلة المزرعة فظللت أرفع أرفع رأسي حتى أبلغُ منتهاها..

اتنفّس، فتبزغ لحظة الخلوّ بالوالدةِ في مساءِ ظهيرة، ولحظة وقوفٍ تحت الشمس بوهج؛ أغمضُ عيناي في استشعار حراراتها، ولحظة أضحك أبكي أطرب في الخلوة بهجةً وحناناً وسكوناً وبشرى لفكرةٍ طال طال انتظارها حتى في تسلسل قلقها قد انحلّت..

أتنفّس في داخلي.. 

فتهدأ مساراتي وتضيئ أكواني ويغمرني ملمَح القصة من بعيد، وهي صغيرةً من بين ملايين القصص، فأستغرقُ فيّ وأبتسم .. كم تبدوا متلاشيةً وصغيرة، كم أبدوا متلاشيةً وصغيرة..!

أتنفّس في داخلي أملاً..

فتغريني المحادثات التي لم أخضها مع البعيدين، بعد .. والأسئلة التي لم أسألها لنفسي بعد، والخيارات التي لم أضّطر للاختيار بينها والإحتيار بعد.. 

أتنفّس أطوَل فتغريني أحلامي التي لم أقترفها بعد، والشعراء الذين لم أعرف عنهم قصيدةً خالدةً حتى الآن، والموسيقى التي تركها الأوّلون ولم أرخي لها سمعي مع شخصٍ يعشقها ويتبناها كإسلوب حياة.. 

تغريني الحيوات التي لم تمسّ قصّتها قصتي حتى الآن ولم نتقاطع .. تغريني الأيام، أجمل الأيام التي لم يُكشف زمام أمرها لنا، ويعجبني انتظار جلال الله فوق كلّ الصعوباتِ التي لم تُفرج بعد..

أتنفّس، أضع يديَّ على صدري، أتحسس دقّات قلبي حين يبقى في الجسد صوت الهواء العميق المحبوس سوى من صدى دقّاته، أستشعره ينبض، أتمنّاه قلباً طيّباً شاكراً أبيضاً على الأيام وبين الآخرين .. أتلمّسه وقد رُتقَ من جميع خيباته بفضلٍ من الله، من أجلِ اختيار الطيّب فضّل هذا القلب الانغماس في الملكوتِ حتى لايُبقي حقاً ولا يبقى له حقّ، صارت السماء مئاله كلّه وسمعه كلّه ووعيه كلّه وشوقهُ كلّه .. بقى هو ولم يُبقى عليه ونذر ذاته للوجودِ الخفيفِ عبوره، للمساحةِ القليلة، للتواجد الطفيف كنسيم ربيع، حتى حين يرقى؛ يرقى صافياً بقدرِ ما يستطيع من مجانبة الدرن واقتراف النور.. 

قد كنت قلت يا وعاء حقيقتي، وهو أنت .. وستظلّ أجمل ما قد أقدّمه للوقتِ ولحياتي ، يا وعاء حقيقتي تفضّل عليّ باتزانك وأعنّي عليك بالحمد ورتّبني فيك باستصغار المصائب حتى نتخفف نتخفف، فتكون لي يا وعائي هديّتي الجزيلة من هذا العالم، أريد أن أقدّمك كأعلى انتصاراتي وأسماها، كأني قد كنت فيك وأنت كلّك فيّ .. يا هديّتي من الله ووسام هَديهِ لي وشرفي في تقديم أمانتي..

إليك.

سلام .. على أوقاتنا التي لنا، وأيامنا التي تبدوا محمّلةً بالسكون الوفير، ينقضي ولا يُقضى..

والحمدالله أنه لم يكن يوماً هباءً منثورا..

قد كنتُ أوقنُ دوماً أن القادم سيكون أجمل ؛ وقد كان ..دوماً ما يكون..

في النوازع من حولنا، وعلى المسار الطويل لا شيء يبشّر في الأحداث .. وأنا لا أعرف كيف أواسي هذه الدنيا العارمة ولكنني أعرف أن صبغة الأيام وطبعها في حكمة الله..

صديقي العزيز ..

هذه هي ديار الآمال تلوح لي بعد سفرٍ خارجيّ طويل، لأدخل مدينتي الداخليّة بتلهّف بعد طول بحثٍ وتعب.. تشرق لي وتضيئني، يعرف حرّاسها مَلمحي من سبعةٍ وعشرون عاماً تقارب الثمانية إلا ثلاثة أشهر.. آتيها مدججةً بالعزيمة سليمةً من أسلحتي مُسلّمةً للصفاء وحكمة الله وقلبي؛ نوياي كلّها.. في القريب يا صديقي حيث لا شيء يبقى سوى إيمانك بالتسليم ولو تسلّحت بالخبرات المتراكمة كلّها..

نزعة السلام والتسليم جليلة على الصدرِ حينما تأتي لتُخففك وكأنما تُرخيك وتنزع عنك أشواك إحتمالاتك المحدودة، لتقرِنها بإحتمالات الله فتكون سماويّة؛ كونية وسليمة.

نحتاج بعد كلّ هذا السفر يا صديقي أن نضع حقائبنا جانباً لبعض الوقت ، وننزع منا سلاح الوجه المغترب عن أهله ومَلمح السائح لندخل مدائننا التي نعرفُ من أوسع أبوابها واثقين بما سنرى خابرين ملامح كلّ زقاقٍ وبيتٍ وطريق، عارفين المساجد التي بكينا فيها مرةً والمقاهي التي حملتنا مع الصحبةِ تاراتٍ طويلة بهزلِ من لم يكن يخاف ولم يحمله التخوّف من ذات المصير لغربته..

نريد يا صديقي أن نشهد قانون الله في الدهشة المتعاقبة بين الصُبح والليل، والأرزاق التي يتجدد تقسيمها كلّ يوم تبعاً للدعاء ونيّة الاستيقاظ والهمّة المخبّأة بين مانستطيعه بحقّ وما نتمنّى أن نقدر عليه.. نحتاج يا صديقي عُمراً من الأيام المتكررة حتى ندرك جيّداً فحوى هذا التجدد الكونيّ بين اليوم والليلة ونوقن تماماً كيف يغيّر الله أقداراً في لمح البصر..

صديقي العزيز..

لا بأس فيما يمضي من الوقت وإن طال.. لم يعد يربكني الزمن بل صار يخيفني أن لا أتأكّد من رؤيتي واهتمامي بملامح الطرقات وعمق روايتي عليها وفيها كيف أكون وكيف تكون هي.. أخاف أن أنسى السنين التي أنضجتني والأيام التي قررت فيها قراراً ما والأوقات التي شغلتني عني والأوقات الي عدت فيها إليّ، لا أخشى أن يمرّ علينا الوقت ولكنني أخاف أن يمرّ بغفلة..

لذلك فها أنا أحطّ رحالي في مكانٍ جديد فيّ، مكان يدعوا للاستقرار ولو لبعض الوقت حتى أكتب أحلاماً جديدة قبل أن يدعوني داعي السفر من جديد، فهلّا تحمل كتابي وتحملني معك..؟

كونٌ كبير .. عالمٌ واسع ، نجومٌ منثوره 

حبٌ ومحبّةٌ وسكون ، شِعرٌ وشعور وتجلّي.. 

نظامٌ محكمٌ وتقادير مكتوبةٌ تفاصيل تفاصيلها لا لغط فيها ولا خطأ وضلال..

أنفاس؛ تترى ولا تُحسّ .. جسدٌ حيّ، حياةٌ في الحياة، شمسٌ وسماء وارتفاعٌ وهبوط وطريقٌ متعرّج وطرق سالكَه..

اختلافات، بشر .. اقصاءٌ أو بُعد نظر .. حكمةٌ وعَجَل، تقديمٌ وتأخير..

مكان؛ نظنّه يوماً المنزل، ويوماً الاعتياد الممل، ويوماً هو المأوى ويوماً هو الألم..

مُدنٌ نشتهيها كما تشتهينا، ثقافاتٌ واختلافات، بحورٌ وجبال..

في حال الحديث عن السيلِ الإلهي مع كلّ جلالٍ نقصده، ثمّة جمالٌ لا يخبو وحبلٌ شفّاف يصلنا دوماً بما هو أبعد من خطوتنا الواحدة، ودائماً ما يكون هنالك ملامح ورؤى حين نراها من ذلك البُعد الغيبيّ من المُشاهدة تأتي على سياق قصص أكثر مما تكون علينا واقعاً، وحين نرى كلّ الأحداث والشخوص كقصص، يتوارى شخصنا في الواقع ونحاول حينها اقتراف التحاليل أن لو قد كان لهم ماضٍ فما ستكون مسريته..! يواسينا جداً حينها أن نؤمن بضعف الأشخاص الجسيم حين يعطوننا مظهر قوّةٍ خارقة، ليس لأنهم ضعفاء في الواقع، ليس لأننا أضعف في الحقيقية، بل لأن البُنية تختلف والسياق يختلف والتربية تختلف والروحانيات تتعدد ولا تبقى على حالٍ واحدة .. وأنا يا صغيري أخذت رهاناً منذ زمن؛ أن لا أتمتّع بالمُطلق .. أن آخذ تلك الخطوة الإضافية حتى أحاول الفهم، حتى أجد الجواب، ودائماً ما قد كان يهبطُ عليّ بفضلٍ ولو بعد زمن.

يقول الشاعر عبداللطيف بن يوسف في شعوره العالي بالشعر مخاطباً جلال الدين:

هل يحدث أن جميعنا نشتاق للمولى، ولا والي هنا ليهدئ من حجم هذا الشوق ويجعلنا نلهو، أم أن المولى أعطَبَ كلّ وجهةٍ لنا فيها دواء ليهدينا لدائه وحده؟ أوليس هو وليّ الشفاء والدواء والطريق..! 

سيكون تأمّل اليوم عن الحُزن.. ملهم الشعراء، دموع المُقدّسين، وَجلُ المذنبين وجلال برائةِ رغباتنا في الطفولة..

تقول شاعرة الاحساء اللذيذة اللغة حوراء الهميلي في “جرحٌ يغتسل عند ماء النبع”؛

متأمّلةً في أن الحزن فيه التقطته تلك الحبيبة .. وحاولت مواساته لتختمها قائلةً:

فهل الحزن من وحي المحبّة..! حين نحب الله نشتاقه فنحزن في دنيانا؟ وحين نحبّ المحبوب نشقى في وجوده وغيابه؟ وحين نحبّ الأولاد يكبرون ونظلّ على عهدٍ مع الحزن في غيابهم والوجود؟ الحزن المرهون بخوفنا الدائم، أو ضعفنا المجبول..؟

أوليس الوجود بأسرهِ حدثٌ حزينٌ على الروح..! أن نتواجد في الأرض بعد ما كانت لنا السماء موطناً والإله لنا نوراً والعبادةُ علينا طريقاً كطبعٍ ملائكيّ لايجوز إلا للسماء..! 

أوَ كان أن أودَع الله لنا الخيَار هنا لنختاره بعد كلّ غفلةٍ ونرجع بعد كلّ ضياع؛ هو محنتنا على هذه الأرض..! ذات الخيار هو هذا الصراع الضائع الذي يشقينا بين ما يريده العجول منّا للتلقّي وما يحتكمه الحكيم فينا للاستبطاء، فاتخاذ النور على مهل، وتجرّع العمرِ كما المرويّ من ندى والاختيار كلّ كلّ يوم بين الأمانةِ أو الترك، الحضور أو الغياب، اللهو أم الوعي، الإيمان أم الكفر، التمرّد أم الطاعة، الشهوة أم التقوى.. والكثير الكثير من الحسم اليوميّ في الحياة الواحدة، وبعد كلّ هذا الإدراك أولا يكون العيش، مجرّد العيش بالرضى فوزٌ حزين؟

هو فوزٌ حزين بطبيعة الحال هنا فحسب .. فنحن وإن علا إيماننا لا نعلم ما سيكون، وإن دخلنا جنّة الأرض بالطاعاتِ فلا نعلم حتى الآن كيف سيكون ملكوت السماوات .. ندعوا بابتهالٍ فحسب.. 

الحزنُ جزءٌ من وجودٍ كامل، وليس المقابل أن يكون الفرح حاضراً على كلّ حال، فحتى في الفرح هنالك نسبةٌ من المجهول والضياع حال الصحوِ من سكرته وتلك تكون أقوى من الحزن ذاته وأكثر وجعاً وأثراً.. ولكلٍّ منا حُزنه الخاص، وعلى اختلاف تفاسير تلك الأحزان وما يقال بالصدمات والتسكين والتخدير والشفاء، أظنّ أن الوجود في حدّ ذاته حزينٌ على الروح، لذلك دوماً تحاكينا الصبا وتلمسنا أنغامُ الناي من أمكنةٍ لم نبلغها من قبل .. ذلك أن لحن الروح على هذه الدنيا حزين..

نهايةً ففي الاعتراف بالحزن شيءٌ من الخِفه وفي فهمه شيءٌ من الجلال وفي رضانا عنه شيءٌ من حكمة وفي تسخيره كأداة شيءٌ من فن.. أدعوا كثيراً أن تكون المشاعرُ فينا دائماً متكاملة، وحقيقةً حتى ولو تعالت الأسباب.

وعلى جانب الارتقاء والمعرفة، فقد ساعدتني الكتابة .. كشفتني وكشفت لي نفسي .. أخرجتني من صمت أصواتي الى صوت الكلمات وبلّغتني رحمة الله بي .. استطعت من خلالها أن أوثّق مشاعري بل وأياماً كثيرة؟ أستكشفها .. أحببتها كما أحببت من خلالها وفيها نفسي، وسقيتها كمن يسقي نبتته المفضّلة بحبٍ وحذر .. وجاريتها كصديقةٍ لا كمهنة ورعيت لها شواهدي وأفكاري كراعٍ يعدّ ماشيتهُ ويحرسها قبل المنام وبعدهُ كلّ يوم..

وإني أحبّ أن أضع من نفسي قطعةً في كلّ من أحبه والكتابة كانت وتكون لي مصدر حبّ وعطاء.. 

ولأنّ الرحمة واسعه فطريق التنقيح في سبيلها فسيحٌ وواسع وشامل يُعنى بإيمانٍ عميق خالص بالنقاء رغم وجود جميع الانكسارات المتواترة والآلام المُضنية والظروف العصيبة .. إن القول بحياةٍ تخلوا من شوائب حُلمٌ يستطيب له البشر ولكنه ليس بواقع يُعنى بحقيقة الناس أو أصل الدار الدنيا..

إن الوجود رغم حلاوته وعظيم الجمال فيه والإحسان الذي يدركنا من خلاله برحمة، مغلّفٌ بعدم الكمال .. فلا يصفى لأحدنا دهره بمجرّد الرغبة فحسب ولو أن كلاً منا أعطاه الله جميع ما يطلب مرةً واحدة، لصار التوقُ في قاموسنا ماضٍ والدعاء في أيامنا زيادة .. ولكنه -سبحانه- أمضى لنا حيواتٍ نعود له فيها فيباركنا ونتبارك بقربهِ وشكره وعظيم عبادته.. 

وكيفما نريد أن نتوسّع في إمكاناتنا أو محاولاتنا أو حتى تفسيراتنا للحياة، أجد أن الجواب بعد تفكيرٍ طويل يعيدني دوماً لنقطة الارتكاز العظيم؛ أننا أوعية الأقدار، وأن كلّ ما يمضي ويكون ماضٍ فينا ولنا لسبب وأن الله بنا محيط وأن إحاطته أعظم نعمة ورجوعنا إليه أرقى ميلٍ نهبط عليه فننهل ويروينا..

إلهي .. 

تجمّلت في معيّتك الأحوال والآجال وتحسّنت في وجودك الآمال والأقدار وعظُمت منك وفيك وإليك الصفات كلّها .. اجعلنا يا رب على بابك من الواردين وإلى طريقك وطريق حبك ومن يحبّك من السائرين وإلى درب النور الى العقل من المُقبلين وجمّلنا وجمّل حالنا فيك ومنك يا رب العالمين.

الحمدلله،

ليست هي كلمةٌ نقولها فحسب، بل هي شعورٌ يرقع كلّ ما قد حدث بالقلب لتلين من دواخلنا كلّ الجوانب التي جفّت وتهدئ فينا جميع أفكارنا المرتعشة..

الحمدلله،

لأننا نختار جانب اللين وننحاز لأن نكون من المحسنين وأنا نحاول أن نبقي على أفعالنا البياض حتى ولو كان ما أمامنا أسود .. الحمدلله أن الفِعلة الطفولية من أمامنا لا تجد لها صدىً بالقلب، ولأن التوكّل يطبب كلّ جروح اليوم ، لغدٍ أفضل..

الحمدلله،

أننا لم نكن يوماً لنختار البُغض، وأنا نحاول بالمحبة ما استطعنا، راجين منها التقريب مجتنبين من خلال مفهومها الأذى ميّالين لأن تكون قلوبنا بيضاء، ساميةً كما نهار..

الحمدلله،

أن المُحب يجدُ طريقه إلينا في نهاية الأمر، ليس لأنا نحاسبُ بل لأن لنا من الإكتفاء ما يجعلُ حولنا مناص هدوء من هذا العالم الصاخب..

الحمدلله،

على اللحظات التي قد بنينا فيها، وعمّرنا منها ففتحت لنا الفرج وملئتنا بحشودِ مواساةٍ داخلية في كلّ صعبٍ عظيم.. 

الحمدلله،

لأن الذكريات تساوي على قدرِ ماضيها روعة الأمنيات القريبة وأنّا على دين التوكّل أن لا يزال القادم أجمل..

الحمدلله،

جلسةٌ في خلوتك العزيزة على نسيم ربيعٍ يحلّ وسماءٍ محمّلةٍ بالغيوم، وليل .. تجلس فلا تنتظر أن تمسّ قلبك أو تجرّب صوتك أو تتلوا قصيدةً قد تباركك بالحديث، لا لا، لايستدعي الأمر كلّ هذا، لأنك بمجرّد الجلوس ستسمح لطفلتك أن تلفظ قولها وتبدأ شكواها التي قد حجبتها وأمسكتها عنك وصبرت على نضجك وقتاً طويلا..

تضحك في البداية لرِقّة الأشياء الحزينة، لعُمق أنك تعرف أسبابها، تبكي لأن الفضل قد كان أن مفاتحك بين يديك، فتخشى وتخجل وتطالع السماء بصمتٍ ودموع، وتسترجع النعم..

أن لا تدوم الأشياء .. هل يكون أسوء أو أجمل ما قد يحدث ..! ياالله .. هذا القانون من الزوال موشّحٌ بالرحمة على قدر الألم..

للعبور أن يجعلك سعيداً بالخِفة، وله أيضاً أن يملئك بالحنين، وله أن يحجب عنك الصدق فيما تشتاق إليه .. فنحن حينما نتذكّر؛ تجدنا نلتقطُ أسعد ما قد كان وننسى أن الواقعَ في واقعهِ كان يحمل من الأنواءِ الخفيّة شعوراً داخلياً ما، فليست الذكرى هي كلّ شيء .. انما القادم، الأمل فيه، الركون إليه .. كم يكون شعلةً يملئ القلب لكشفها..! 

الفضول .. الفضول تجاه الحياة يا صغيري هو السلعةٌ الجيّدة اذاما كنت ستشتري يوماً من سوق الدنيا قطعةً ما .. املأ فيها جيوبك وتسائل حول القادمِ وتوكّل.

أن أسطع مع ذهبيّة الشمس كلّ صباح .. يا رب..

لو ينزل عصفورٌ في الصباح، ويغرّد على شرفةِ بيتٍ لا تجف من صدره المحبة، بيتٌ صريح ممتدّ..

لو تتوائم فيما تعملُ أو تتراقص من أجل الغير..

لو كانت ترهقك الطرقات الخدّاعة..

لو كان العالم، كلّ العالم معك وضدّك..

لو كنت تسيرُ وحيداً أو من حولك آلاف الأشخاص..

ولو طُلت قصوراً أو حملتك الخيمات..

لو شاهدت سماءً بحبيبك أو رافقت الليل على تنويرٍ وكتاب..

لو عانقت جلال الروح أو امتدت بينكما نفسٌ تطمعُ وحجاب..

لو فسّرت وجودك أو ضاعت أسئلتك بين الماذا والمعقول،

لو كنت حبيباً أو كنت صديقاً أو جالست الناس طويلاً ولم تجد المعنيّ أو المشهودَ المنشود..

لو كنت حلمت بالإستطراد وأخذتَ الهامش،

لو تتبَع الحقيقةَ ويمجّدون الزائف..

ستيضع يا صغيري ستضيع .. بعض الأشياء لا تحدث إلا وقتاًض في العمر، أشياءٌ تحمل معنى .. ستضيع إذا لبّيت وتضيع إذا داريت وتضيع إذا جاريت..

يا ولدي هذا العالمُ لا يعني العالمَ وحده.. هذا التقدير لشيءٍ أكبر، تصنعنا الغايات وأكثر، تصنعنا رغبتنا بجلال الصدق، يصنعنا جريان المعنى فينا، يرهبنا أن نعرف أن المعقول سلاحٌ، والعالِمُ فينا يعلَمُ أن الحقّ يغيّب نور الشمس عن العلماء، العالمُ فينا يعرف أن العالمَ يسري لهبوطه، ينتظر الأسوء ممَ يرى ويحاول أن يبقى بين المقبول وبين المنكر ليرتّب كيف يكون لوقتٍ ليس يكونه..

يا ولدي نحن سنسري.. سنخاف ألا يذكرنا الغير، وسننُسى في باطن ذكرى، الأجدى أن نُبقي فيمن يبقى.. 

يا ولدي فلأدعوكَ لشيءٍ أعمق..، 

الأعمقُ أن الحلم الفوقيّ أبهى وأشدُ وأخلَد،

الأعمقُ أن الوحدة تاجُ الإنسان 

الأعمقُ أن الإيمان ضياءٌ وجواب 

الأعمقُ أن الله يرى من خلفك مالا تعرف 

الأعمقُ كونهُ خلف الأبواب، جميع الأبواب 

الأعمقُ أن الحب أكبر من شخصين،

الأعمقُ أنك لن تتلاشى حتى لو أذنبت

الأعمقُ أنك فيك وهذا الموجودُ يريد..

الأعمقُ أن الغاية أكبر مما تشعر فيه،

الأعمقُ أن التسليم تجلّي والرفضُ حجاب..